; حرية الفكر وحمايته من التلوث | مجلة المجتمع

العنوان حرية الفكر وحمايته من التلوث

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أكتوبر-1984

مشاهدات 74

نشر في العدد 689

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 30-أكتوبر-1984

قالوا إنكم تحجرون على الفكر وتحاربون حرية الرأي وتتهمون بعض المفكرين والكُتَّاب بالكفر والإلحاد، ولقد كان في تاريخ أوروبا صراع بين الكنيسة والعلماء، وتَدَخَّل رجال الكنيسة في الفكر وحكموا على العلماء بالكفر والمروق من الدين ولم تتقدم أوروبا حتى فصلوا الدين عن الدولة ورفعت الكنيسة يدها عن العلماء والمفكرين. 

قلنا إن الإسلام هو مصدر قوة المسلمين ومصدر تقدمهم وعندما كان للإسلام قوته ونفوذه على المسلمين كانت لهم حضارة بينما كانت أوروبا في ظلام دامس وتَخَلُّف مُزري، وما قامت حضارة أوروبا الحديثة إلا مؤسسة على حضارة المسلمين، وهناك بون شاسع بين علماء الإسلام ورجال الكنيسة؛ فالإسلام بطبيعته لا يقبل الكهنوت، بل كان من علماء الإسلام من جمع بين العلوم الشرعية وعلوم الطبيعة والرياضيات والفلك كابن رشد وابن الهيثم والرازي وغيرهم، إن ديننا يدعونا إلى فتح أفاق العلم والمعرفة أمام الإنسان ويحارب الجهل والعجز والكسل فكلمتا «اقرأ والقلم» هما أول كلمتين في هذا الدين ورسول الإسلام يَتَعَوَّذ صباحًا ومساء من العجز والكسل، والتفكير فريضة دينية قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة البقرة: 219)، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الأعراف: 176)، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة النحل: 44)، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (سورة آل عمران: 191)، ﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة يونس: 24). ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم﴾ (سورة الروم: 8). ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الحشر: 21).

فالإسلام إذن لا يكبل العقل ولا يمنعه من الانطلاق وإعمال الفكر في كل ما من شأنه تقدم الإنسان، ولكن القيادات الفكرية عندنا قد شغلت الناس بالجدل والكلام في الفلسفات والأدبيات، وأثاروا قضايا لا علاقة لها بتقدم الإنسان والمجتمع، ولم يكن هناك تشجيع للشباب على البحث والتَعَمُّق في العلوم الطبيعية، وأقاموا معارك كلامية لا طائل تحتها إلا تبديد الطاقات والجهود، وهم إن يتباكون على حرية الفكر وحرية الرأي ينسون أن كل شيء بأيديهم هم سواء المؤسسات التعليمية أو الصحفية أو مؤسسات النشر وأجهزة الإعلام الأخرى، والدول ومؤسساتها كلها تقف إلى جانبهم ومع ذلك فلم يوجهوا الطاقات فيما يفيد الأمة ويزعمون أن هناك حجرًا على الفكر إذا تكلموا عن حرية الفكر، فهم يقصدون حرية الكفر ولا أدري ماذا ينفع الكفر؟ فهل الدين والإيمان يمنعان عن التفكير والبحث فيما يفيد الأمة؟ وهم إذا قالوا كفرًا أو دعوا إلى الإلحاد ووصفهم أحد بما يستحقون غَضِبُوا وزمجروا مُحتجين وقالوا لماذا تتهمون الناس بالكفر والإلحاد؟ وهل يحق لأحد أن يجعل من نفسه وصيًا على الدين يكفر الناس ويدينهم؟ صحيح أنه لا يحق لأحد أن يجعل من نفسه وصيًا على الدين ولكن يجب أن تسمى الأشياء بأسمائها، أن يقال للكفر كفر والإيمان إيمان، وإذا رضي الإنسان لنفسه الكفر فلا يلوم الناس إذا قالوا له كافرًا ولماذا يخافون من الوصف بالكفر، هل سيقام عليهم حكم الرِدَّة؟ فلو أن حكم الردة سيُقام على المرتدين ما رأينا كل الافتراءات على دين الإسلام ولا هذا الدجل وهذه السفسطة باسم الثقافة وحرية الفكر، ولاتجه الناس إلى الطريق الصحيح طريق الجد والعمل والفكر السليم. 

إن أولئك الذين يتباكون على حرية الفكر هم الذين يمالئون الظالمين ويقدسون الحاكم ولكنهم يسبون الرب ويطعنون في أحكم الحاكمين ولا يطلبون الحرية للشعوب المضطهدة وإنما يطلبون حرية الكفر بالإله.

يُساق للسجن من سب الرئيس***ومن سب الإله فإن الناس أحرار 

وهم عندما يستولون على مؤسسة صحفية لا ينشرون إلا ما يروق لهم وما ينسجم مع تفكيرهم ولو كان كفرًا بواحًا، ولا يمكنون أحدًا من الرد على ما يكتبون وما يقولون، فحرية الرأي والفِكر لهم وحدهم، وتراهم يشيدون بالدول الشيوعية التي تخنق الفكر والرأي وتضطهد الشعوب ويعملون ليلًا ونهارًا على جلب ثقافة الغرب وتفسخه وانحلاله إلى بلاد المسلمين.

إننا نرفض التعصب والتَّزَمُّت وضيق الأفق، ولكننا في الوقت نفسه نرفض دعاوى الكفر والإلحاد والتفسخ والانحلال والتبعية والعمالة، فطريق التقدم ليست هي التبعية للغرب، فاليابان أخذت علوم الغرب ولم تأخذ ثقافته، امبراطور اليابان عندما بعث أول بعثة من الطلاب اليابانيين إلى فرنسا للتعليم وعادوا بالثقافة والآداب فقط رفضهم وقضى عليهم وبعث آخرين من أجل تعلم التكنولوجيا فقط، وكانوا هم الأساس في نهضة اليابان، وقد بدأت نهضة اليابان مع نهضة مصر في وقت واحد فأين الآن اليابان وأين مصر؟

نشرت صحيفة الشرق الأوسط على لسان أحد البَحَّاَرة لسفينة يونانية تحمل الحبوب من أمريكا: أن السفينة أفرغت حمولتها في ميناء يوكاهاما باليابان وميناء آخر في خلال خمسة أيام، بينما نفس السفينة أفرغت نفس القَدْر من الحمولة في ميناء الإسكندرية في خلال خمسة أشهر.

إن ما كبل العالَم الإسلامي ومنعه من التقدم هو أمران: طغيان الحكم وغفلة الشعوب بانهماكها في البدع والخرافات، ومصر زعيمة العالم الإسلامي هي المثال الحي لكل ذلك، وقد ألمح الأستاذ ثروت أباظة في الأهرام بالعدد 35176 بتاريخ 20 جمادي الآخرة 1403هـ أبريل 1983م إلى ذلك في تعليقه على كتاب المؤرخ عبد الرحمن الرافعي تاريخ الحركة القومية وما نقل في الكتاب المذكور عن تاريخ الشيخ الجبرتي عن الحملة الفرنسية فقد قال الكاتب: «وإلى هنا أتوقف من نقل ما جاء به الرافعي وأصيح وا لهفتاه على مصر، ويا حسرتا على ما حل بها في سنوات الطغيان والقهر والجبروت، أيحكم المحتل الغاصب مصر بالشورى ويحكمها ابنها الذي ينتمي بعروقه إلى ترابها بالحديد والنار والقتل والسجن والاعتداء على الأعراض والأديان والشرف والكرامة، بينما كان الفرنسيون المغتصبون يراعون المشاعر الدينية والمشاعر الإنسانية لبئس ما رأينا في ذلك العهد.. إلخ».

ثم يقول: «أو نحكم بالشورى منذ ما يقرب من مائتي عام، وفي عهد طاغية أيضًا من طغاة التاريخ هو نابليون، وتحجب عنا الشورى والحاكم مصري والمحتل قد جلى وأصبحت البلاد جميعها خالصة لأبنائها، والعصر قد تقدم الحكم فيه إلى قمم سابقات من الديمقراطية وحرية الفرد وجعل أدميته فوق كل اعتبار لا استثناء لهذا إلا في الدول الشيوعية التي حطمت كل نبيل وشريف في حياة الإنسان بادئة بالدين تفرضه وتحاربه وبالإنسان تستذله للقمة العيش وتمحق كرامته ثم تحرمه أيضًا من لقمة العيش التي رفعتها شعارًا».

أما عن الانهماك في الخرافات فيذكر الكاتب عن تاريخ الجبرتي أنه في الوقت الذي يعد فيه نابليون الحملة على سوريا أمَر بالمبالغة في الاحتفال بالرؤية وتضخيم الموكب للاحتفال بموسم الرؤية لإثبات رمضان سنة 1313هـ. تملقًا لإحساس الأهالي فكان الاحتفال عظيمًا وذهبوا إلى بيت نابليون بالأزبكية وأبلغوه رؤية الهلال مبالغ في الحفاوة بهم، ثم نقل عن الجبرتي أن الناس انهمكوا في عمل موالد الأضرحة التي يرون فرضيتها وأنها قربة تنجيهم بزعمهم من المهالك وتقربهم إلى الله زلفى في المسالك وأطلق الفرنسيون لهم القيد فيها، وسايروهم فاستمروا في غفلاتهم مع ما هم فيه من الأسر وكساد غالب البضائع وغلائها وانقطاع الأخبار ومنع الجالب و وقوف الإنجليز في البحر وشدة حجزهم على الصادر والوارد حتى غلت أسعار جميع الأصناف المجلوبة من البحر الرومي «البحر المتوسط» ثم قال الأستاذ ثروت أباظة «وهنا وقفت مرة أخرى يا رحمة لله عليك يا شيخ الجبرتي حزنت لأبناء بلدك أن أقاموا الموالد وذكروا الله بالطريقة التي تفهمها عقولهم؛ فماذا كنت تراك فاعلًا أو قائلًا لو شهدت ما حدث في بلدك نفسها بعد قرابة مائتي عام واليهود يمحقون جيشك في ست ساعات ويخلوا لهم الطريق من السويس إلى القاهرة وليس فيها جندي واحد، ومجلسك التشريعي من أبناء مصر لا الفرنسيين ولا اليهود في فرحة عامرة وسعادة طاغية حتى ليعتلي أحدهم صهوة مقاعد المجلس و يروح يرقص بعد أن عقد الحزام على وسطه ولكن لا تحزن يا جبرتي في قبرك».

ونحن ما زلنا نعيش أثار هذه الفترة وإن كنا قد تجاوزناها والحمد لله ولكن التاريخ لن يتجاوزها، وإنما هي محفورة فيه وإن وجدت الفترة اليوم من يدافع عنها لأنه كان منتفعًا بها أو والغًا في دمائها، فالغد سيأتي وتصبح الحقيقة هي السيد الأوحد في الميدان يصحبها التاريخ وتقرأ الأجيال هذه الصفحات السود من تاريخ مصر، كما نقرأك نحن اليوم يا خالد الذكر يا جبرتي ويوم ذلك سيكون الظالمون قد عرفوا أي منقلب قد انقلبوا إليه. فإن الله سبحانه غالب على أمره منذ الأزل وإلى الأبد الأبيد»؛ فإذا أراد المسلمون أن يتقدموا فعليهم أن يميزوا بين الطيب والخبيث والحق والباطل وأن يقفوا دائمًا مع الحق وأهله ويدينوا الباطل وأهله، وأن يرفضوا الرياء والنفاق وقول الزور، وأن يكون الإخلاص في العمل هو الميزان الذي نزن به الرجال ولا محسوبيات ولا مداهنات. ومع الأسف أن أناسًا قد شغلوا المسلمين بما لا يفيد من القول وأرادوا أن يدخلوهم في متاهات من الفرقة والاختلاف ونحن في غفلة لاهون، وهناك من أراد أن يشكك المسلمين في قرآنهم وسنة نبيهم بحجة حرية الفكر وحرية القول وإذا كنا نحافظ على شواطئنا ومدننا من التلوث من أجل صحة أجسامنا فيجب أن نحافظ على أفكارنا وعقولنا أيضًا من التلوث. 

وإذا كان هناك تلوث حسي فهناك تلوث معنوي، وإذا كنا نستطيع أن نقضي على التلوث الحسي بالجرافات والرافعات ومواد التطهير فإننا لن نستطيع أن نقضي على تلوث العقول إذا تسربت إليها السموم واستشرى الخطر في شبابنا وشاباتنا، وأصبحوا ضحايا للأفكار الهَدَّامَة التي تهلك الحرث والنسل فلا بد من إقامة التحصينات اللازمة لدره الأخطار ولا نترك الحبل على الغارب حتى لا نندم يوم لا ينفع الندم فإن بقع الفكر الفاسد أخطر من بقع الزيت التي نكافحها الآن ونحاول إبعادها عن شواطئنا. 

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ (سورة آل عمران: 8).

الرابط المختصر :