; د. حسن هويدي نائب المرشد العام يكشف: قصة الإخوان المسلمين في سورية.. من النشأة إلى المنفى «3 من ٤» | مجلة المجتمع

العنوان د. حسن هويدي نائب المرشد العام يكشف: قصة الإخوان المسلمين في سورية.. من النشأة إلى المنفى «3 من ٤»

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 24-فبراير-2007

مشاهدات 121

نشر في العدد 1740

نشر في الصفحة 40

السبت 24-فبراير-2007

حزب البعث من عفلق إلى الأسد.. تاريخ حافل بالصراعات والانقلابات

برز حزب البعث في وقت ضعفت فيه الأحزاب التقليدية وأصيب الشباب بملل شديد من الحياة السياسية.. لذا فقد كانت فرصته مواتية ليصيب قلوبًا خاوية

ميشيل عفلق جاء بفكرة البعث على أساس «اشتراكي»... لكن جذوره الشيوعية كانت تبدو في خطبه وكتاباته.. وقد سمعت أنه أسلم في آخر حياته.

كنت أواظب على حضور ندوات عفلق حيث دارت مناقشات مطولة.. ولما سألته عن موقفه من الإسلام ارتبك. 

لقد تصارع البعثيون الكبار مع بعضهم وكانت الغلبة في النهاية لحافظ الأسد والطائفة النصيرية التي أحكمت سيطرتها على كل شيء. 

الطوائف السورية قليلة العدد كالنصيرية العلوية والإسماعيلية والدروز والملاحدة التفوا حول البعث واتخذوه سُلَّمًا للارتقاء في السلطة وليس إيمانًا بأفكاره.

في الحلقة السابقة، طوف د. حسن هويدي نائب المرشد العام للإخوان المسلمين بنا حول الصعوبات التي واجهت الحركة في سورية، من اعتقالات وتعذيب في السجون، واستدعاء الرئيس السابق حافظ الأسد له في القصر الرئاسي وتقديمه الاعتذار بحق الاعتقالات التي وقعت في حق الإخوان، ورفض شباب الإخوان المشاركة في الحكم والتهدئة والالتقاء حول القضايا المشتركة.. قضايا الوحدة العراقية

 قبل الدخول إلى مرحلة التصعيد مع النظام، أريد إلقاء الضوء على فترة ما بعد خروج الاستعمار الفرنسي. القوى السياسية التي خرجت على الساحة السورية.. ما هي بالضبط وكيف برزت ؟

- بعد خروج المستعمر برز حزبان في سورية هما: «الحزب الوطني -وحزب الشعب»، وكانا يتنافسان في الانتخابات النيابية.. وكان أول حزب عقائدي نشأ إلى جانب هذين الحزبين هو «حزب البعث».

 وهل تزامن ظهوره مع حزب البعث في العراق؟

لا.. لم يكن قد نشأ بعد في العراق فقد كانت نشأته الأولى في سورية، وكان الذي يروج له في أوائل الخمسينيات هو ميشيل عفلق ومعه صلاح البيطار «مسلم» وقد بدأ نشاطهما بعقد ندوات في دمشق مع الشباب المثقف وخصوصًا  مع طلاب الجامعة وكنت يومها لم أتخرج في الجامعة بعد.. كما كانا يعقدان ندوات خاصة للتبشير بمبادئهما في بعض بيوت الموالين لهما.. وكنت من بين الطلاب الذين يترددون على هذه الندوات المعرفة ما عند أصحاب هذا الفكر وكان أكثر الحديث في الندوات لميشيل عفلق وأحيانًا يشاركه صلاح البيطار، وكان ميشيل يطرح أفكاره بذكاء ومنطق يجتذب به قدرًا كبيرًا من الشباب الجامعي.. وميشيل قبل أن يناديبفكرة حزب البعث كانت له نزعة شيوعية لكنه رأى أن الشيوعية لا يمكن أن تنجح في بلد عربي فعدل عنها ولجأ إلى الاشتراكية ووضعوا شعارهم: «وحدة، حرية، اشتراكية ورغم ذلك كان عندما يكتب في الصحف بعد أن قوي الحزب كان يبرز عناوين ضخمة جاء فيها: «الماركسية بالنسبة لنا هي الأم». وكانت بعض الصحف الموالية لهم في سورية تنشر هذه العناوين ومعنى ذلك أن الرجل لم يقتلع جذور الشيوعية من نفسه لكن تطورًا كبيرًا طرأ على فكرِه بعدما لجأ إلى العراق خاصة في أواخر حياته، إذ أصبح يكتب وينشر كلامًا مغايرًا لما كان يردده في بداية البعث، وقد كانت له محاضرة سنوية في العراق كنا نسمعها أحيانًا يقول في إحداها: «يجب أن نستمد دائمًا من معين الإسلام الذي لا ينضب.. وفي آخر أيامه سمعت أخبارًا بأنه أسلم: تصور هذا الكلام؛ إنه تطور كبير»!

● هل تذكر بعض تفاصيل ما كان يدور في اللقاءات التي حضرتها مع البعثيين بما يوضح طبيعة علاقتهم بالإسلام؟

كنت في جملة من يذهب إلى لقاءات عفلق في سورية، وقد ناقشته في عدة جولات، كنت الوحيد تقريبًا الذي يناقشه والبقية كانوا مأخوذين قلت له مرة: كلنا نقول بالوحدة العربية وأصالة الأمة العربية ونحن عرب مسلمون، فما مبادئكم في هذا؟ نحن نريد أن نرى دستورًا أو نظامًا داخليًّا يبين اتجاهكم الفكري وساعتها لم يكن عنده الإعداد اللازم للرد، فأخذ يفتش من هنا وهناك ويطالع بعض الأوراق، فقلت له: طيب.. وما دور الإسلام في ذلك؟ قال: نحن نقول إن الإسلام كان هو العصر الذهبي للأمة العربية -لاحظ كلمة «كان». ولا يزال البعض يعتمدون عليه، لكننا نضمره في بواطننا ونسير، قلت له: صحيح كان هناك عصر ذهبي، لكن ماذا تستمدون منه في العصر الحاضرة لم يكن لديه جواب صريح أبدًا.

المهم أنني لاحظت أنه لا شيء عندهم سوى قوالب خالية من الإسلام ما فيها برنامج إسلامي قطعيًّا، لقد أعلنوا أنهم أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، رسالة خارجة عن الإسلام.. ويقولون هذه الأمة العربية مادامت تريد أن يكون لها حضارة واستمرار فلابد أن تبقى رسالتها خالدة أبد الدهر، أما الرسالة الخالدة فهي مرة في الجاهلية ثم في الإسلام والآن النهج القومي الاشتراكي وهكذا!! 

لم أجد شيئًا عندهم له قيمة، فانقطعتعنهم بينما آخرون واصلوا معهم. 

وهل كنت في الإخوان في ذلكالوقت؟

نعم. وكنت أدرس في كلية الطب وكان معي اثنان من الطلاب، وقد فتنا بالموضوع وبدأ يتصلان بهم عند بداية تكوين الحزب فقلت لهما: هذا ليس الطريق، وحاولت نصحهما قدر الإمكان لكنهما أصرَّا.. وبعد فترة من التلمذة على هذه الأفكار قال لي أحدهما يا أخي، إن محمدًا r نبي أو زعيم عربي.. وهكذا بدأت تظهر العقيدة الجديدة عنده.. الاعتقاد بأن سيدنا محمدًا r نبي لكن لا يؤمن برسالته كلها.. بالقرآن والسنة، ومع مواصلة الطريق مع البعث تركا الصلاة وبعدا عن الحق وبعد سنين من الاضطرابات والانشقاقات التي حدثت في الحزب، نكل بهما وعذبا عذابًا وحشيًّا في السجن وهكذا يتحقق الحديث الشريف «من أعان ظالمًا سلطه الله عليه»...

 إذن.. أول حزب ظهر حينئذ على الساحة حسب المبادئ هو حزب البعث.

 ● لكن من الذي أعطى له هذا الانتشار والزخم؟

الشباب في سورية مثقف وعنده نوع من الحماس الوطني، ويسعى نحو التجديد والتغيير، لقد ملوا من الحزب الوطني وحزب الشعب هذه الأحزاب القديمة التي لم يعد لديها نوع من الاندفاع لتشكيل جيش قوي أمام المطامع الاستعمارية والصهيونية ولم يعد عندها ما يجذب الباب الشباب. أحزاب تقليدية.. وأفكار قديمة لا تتمتع بمثل الإسلام وألْمَعِيَّتِهِ وشموخه وليس عندها شيء على المستوى الوطني القومي والشباب في ذلك الوقت كان أكثرهممنفتحين ولديهم نوع من التدين الذي يجعلهم يمحصون يعني يقول أنامسلم، لكن ما عنده برنامج في هذا، فما يرونه من شعارات القوميةالعربية والوحدة والجيش والتكنولوجيا، يمثل الزخم حتى ولو نظريًا  والذي يجده مثلًا لدى الحزبالوطني احتفالات سنوية وموسيقى وجيش هزيل ضعيف مسلح بأسلحةفاسدة، وهكذا بقي الشباب في فراغ وإحباط فجاء البعث ليصيب قلوبًا  خالية ويتمكن منها الشعب السوري فسيفسائي، كما يقولون. فيه النصيرية العلوية (10٪) والسنة (80٪) وهناك الإسماعيلية الذين انحرفوا انحرافًا كبيرًا. وهناك النصارى، وفيه الفئات الشيوعية الملحدة، وهناك الدروز أيضًا بلا دين ولا إيمان، وهؤلاء في مثل هذا الوضع.. ماذاتفعل؟

وإذا كان السنة في الشعب السوري ٨٠٪ على الأقل، إلا أن بينهم قوميين وليسوا كلهم على مستوى إسلامي، لذلك فإن طوائف عديدة التفت حول حزب البعث أكثر من أي حزب آخر لأنهم اعتبروه سلمًا يصعدون به إلى فوق، خاصة الطوائف قليلة العدد والاعتبار. فقد الدفع إليه العلويون والدروز والإسماعيلية، وكان بين هذه الطوائف نخبة من أوساط الشعب والأوساط الحكومية لأنها كانت على علاقة بالاستعمار الفرنسي وهذا معروف منذ زمن وأن هؤلاء هم طبقة الاستعمار المهم لم يكن لهم أي اعتبار، لكن عندما جاء حزب البعث احتضنهم فكانوا من ضمن الركب.. وصاروا أصحاب حظوة وملأوا إدارة الحزب والجيش وأصبحوا يشكلون مركز قوة كبيرًا داخل الجيش والدولة.. وصاروا هم الذين يقبلونويرفضون من يتقدم للكليات العسكرية.

 حزب البعث.. هل كان فكرة نابعة من رأس ميشيل عفلق أم أن وراءه قوة أكبر لزرع مثل هذه الطائفة وهذه الأفكار في الأمة العربية؟

ميشيل مثقف ودرس في فرنساوعندما عاد إلى سورية، كما قلت. كان مؤمنًا بالشيوعية وأنه بالثورة الاشتراكية الماركسية اللينينية ينهض العرب لكن عندما رأى البلد والشعب ورأى بذكائه أن الشيوعية لا تصلح مع شعب مسلم.. نادى بالقومية العربية الاشتراكية. وصار يكتب عن الماركسية العلمية.

وقلت إنه لما نادى بذلك تعاون معه البيطار، وأكرم الحوراني، وهؤلاء من دعاة القومية العربية، وتعاون جلال السيد -وهو من بلدنا دير الزور-وكلهم رؤوس ينادون بالقومية العربية، لكنهم بعدها انقسموا إلى زعامات وانفرد كل بتفكيرهالخاص.. فصلاح البيطار سافر إلى فرنسا وشكل حزبًا أسماه «الإحياء العربي» وانفرد الحورانيبعيدًا عنهما بزعامة القومية العربية.. وظل ميشيل كما هو... وهكذا... تجزأ الحزب.. ولما تولوا الحكم جرت أحداث كثيرة قبل ذلك، فالحزب الوطني انتهى نهائيًّا.. وكذلك حزب الشعب.. ولم يبق إلا حزب البعث الذي استلم الجيش ففي الفترة التي تلت نور الدين الأتاسي استلم أمين الحافظ رئاسة الدولة وكان عقيدًا بالجيش، كما كان مدير المنطقة الشرقية في «دير الزور» وفي تلك الفترة -كنت في خدمة العلم في الجيش... وأتوقف هنا قليلًا، فخلال تولي أمين الحافظ قيادة المنطقة الشرقية كانت الوحدة قائمة بين مصر وسورية (١٩٥٩ -١٩٦١م)... وقد مرت علاقة عبد الناصر بسوريةبمرحلتين.

الأولى كان متعاونًا فيها مع حزب البعث نسبيًا، أما الثانية فكانت حافلة بالافتراق والخلاف، وقد هاجمهم عبد الناصر كثيرًا، وعندما زار سورية وأخذ يصافح المسؤولين لم يصافح أمين الحافظ لأنه بعثي، يومها كان الافتراق على أشده، ولما دارت الأيام وأصبح أمين الحافظ رئيسًا للجمهورية التقى عبد الناصر في المغرب في مؤتمر كبير في الدار البيضاء، وركبـا سـيـارة واحدة ووقتها قدره عبد الناصر واحترمه بعد أن كان يرفض مصافحته.

كان على رأس البلد.. أمين الحافظ ومعه صلاح البيطار وحافظ الأسد.. لكن أمين وصلاح كانا من أهل السنة والأسد من الطائفة العلوية.. ولذلك صار هناك موقف مضاد لأمين الحافظ.. فيه طائفية، وتطور الأمر ضد أمين الحافظ... إذ قال مدير المخابرات العسكرية في دمشق لأمين الحافظ يا سيدي هناك أشياء ضدك.... هناك خطورة عليك يقصد خطورة من الأسد وصلاح حديد، فقال: ما هذا الكلام؟ نحن رفاق والأمس كنا سهرانين معًا.

وبعد هذا الحديث حاصرت القوات العسكرية بيت الحافظ في الليل وتم قطع الخطوط الهاتفية، واعتقلوه.. فقد صعد اثنان من ضباط الحرس إلى الطابق الأول حيث كان موجودًا.. بينما كان البيت كله مطوقًا بالدبابات، فبدأ يطلق الرصاص عليهم من رشاشه. وبمجرد سماع دوي الرصاص، بدأ القصف من الخارج. هو يضرب وهم يضربون حتى انتهت الذخيرة من رشاشه ونزل إلى القوات المحاصرة وبيده الرشاش واعتقلوه طبعًا بعدما حاول الاستنجاد بالهاتف، لكن كل الخطوط كانت مقطوعة. وبقي بالسجن فترة، لكن بعد التدخل من جانب مصر تم ترحيله إلى لبنان ومن هناك إلى العراق، وما نسي تلك الأيام الماضية بيننا.. وفي محنة الإخوان كان بجانبهم بعد أن كان عدوهم.

 هل قام أمين الحافظ باعتقالات ضد الإخوان عندما كان رئيسًا للجمهورية؟

أنا اعتقلت في عهده وتدخل د. يوسفزعين وخرجت.

 ماذا حدث بعد ذلك من تطوراتعلى صعيد حزب البعث؟

 حدثت تغييرات في حزب البعث في العراق بعد انقلابات عدة، وجاء أحمد حسن البكر، ومعه صدام حسين، ومجموعة من الحزب وبرز حزب البعث بقوة على الساحة وبعدها تسلم صدام الرئاسة نهائيًّا، واستمر الأمر كذلك.. أما زعماء حزب بعث سورية الذين طردوا من سورية فقد ذهبوا إلى العراق أمين الحافظ وعدد كبير من البعثيين فيهم الدروز وبعض أهل السنة وظلوا هناك في ظل الحكم العراقي على أساس أنه مرجع لحزب البعث.

 وكيف وصل حافظ الأسد للسلطة؟

بعدما انتهى أمر أمين الحافظ استلم نور الدين الأتاسي رئاسة البلاد لفترة قصيرة، وكان من جناح صلاح حديد، وهو-أي صلاح حديد بالنسبة للطائفة العلوية -أقوى من أمين الحافظ، ورصيده في الجيش أكبر، وله من التسلط الفئوي الحزبي ما له.. وكان طائفيًّا يعزل كل من ليس علويًّا حتى صف الضباط من السنة وبعدها اختلف مع حافظ الأسد، فقام الأسد بحركته وتسلم مقاليد الأمور في ذلك الوقت كان هناك في دير الزور مجموعة من البعثيين المسؤولين أذكر منهم المحافظ أسعد الصقر وبعده عدنان العثمان، وقد غضب النظام عليهما وقد اعتقلت في زمانهما عام ٦٧، عندما وقعت الهزيمة واعتقلوا كبعثيين، «في زمن حافظ الأسد». ومعهما صلاح حديد.

 وكيف أحكم سيطرته على خصومه؟

 لقد تولى حافظ الأسد الرئاسة في وقت كان بعض الناس مفتونين بصلاح حديد ويعيشون

على أمجاده.. فاستعمل القوة واعتقلهم جميعًا وطوقهم وفاز بكل شيء.

وأعلن.. رئاسة الجمهورية، أما هم فقد ظلوا بالسجن... كان صلاح مصابًا بالسكر بدرجة كبيرة، وأصبح لا يرى داخل السجن... وتم الإفراج عنه قبل وفاته بثلاثة أيام. وهكذا صفى الأسد خصومه وبقي هو الوحيد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

604

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية