; حزنت وصدمت حين شاهدت الزعيم! | مجلة المجتمع

العنوان حزنت وصدمت حين شاهدت الزعيم!

الكاتب سيد الفضلي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1999

مشاهدات 50

نشر في العدد 1368

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 21-سبتمبر-1999

حزنت وصدمت حين رأيت ياسر عرفات على شاشة التلفاز منذ أيام وقد التف حوله الصحفيون بعد انتهائه من لقاء المسؤولين في عاصمة عربية يسألونه عما دار في اللقاء من وجهات نظر حول الموقف المتعنت لباراك رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب، وكيفية التعامل معه والأساليب التي طرحت في اللقاء لتحريك عجلة المفاوضات.

لم يحزنني فقط أن ياسر عرفات صار يلف ويدور في حلقة مفرغة، كما أخذ يردد مجموعة من العبارات التي صارت معروفة، بل ومحفوظة من قبل رجال الإعلام، مثل: «إن السلطة الفلسطينية قد وفت بالتزاماتها إزاء كافة الاتفاقات من أوسلو، إلى طابا إلى واي ريفر أما الطرف الصهيوني فهو الذي يلتزم موقف التعنت ورفض تنفيذ الاتفاق»، «وأن السلطة الفلسطينية تحمل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية تعثر المفاوضات ومسؤولية تجميد عملية السلام، ولكن أحزنني أكثر أن عرفات الذي أفنى عمره في العمل والسعي على ساحة القضية، وانتقل بها ونقلها من مرحلة الكفاح المسلح إلى مرحلة التفاوض والدخول في دهاليز المفاوضات والتأرجح على موائدها والتي بدأت منذ السبعينيات على هيئة اتصالات مع المخابرات الأمريكية ثم مع الكيان الصهيوني وانتقلت بين العواصم الأوروبية وبين المنتجعات الأمريكية والأوروبية والمصرية لتستغرق من عمر أبو عمار، ومن جهوده ما يزيد على خمسة وعشرين عامًا استنفدت جهوده، واستهلكت طاقاته، بالإضافة إلى زحف العجز والشيخوخة والمرض، والتقدم في السن، حتى صار يرتجف وهو يتحدث، وترتعش يداه وتهتز شفتاه كما فقد القدرة على السمع، وأكثر من ذلك افتقد القدرة على التركيز والقدرة على التجميع بل بدا وكأنه يبحث عن بقايا جهد يبذله من أجل الغوص في أعماق الذاكرة بحثًا عن العبارات والمفردات التي يصوغ فيها إجاباته، فتخذله ولا تسعفه المحاولات لأن جعبة الجسد المترنح كجعبة الذاكرة المثقلة قد افتقدت الحيوية بعد أن افتقدت أسباب الصحة والعافية، وتلك سنة الله في خلقه.

وقد تزاحم في ذهني وأنا أشاهد عرفات على هذه الحال المأساوية، أكثر من مشهد من مشاهد مسيرة أبو عمار كل منها له دلالاته، ومن ذلك.

مشهد بيريز وهو يتحدث عن علاقاته ويذكر رأيه في أبو عمار عبر حديث نشرته صحيفة عربية يقول فيه بيريز: إن عرفات كلما راني ارتمى على كتفي وهو يناديني يا بن العم وكلما جاء ذكر إحدى الزعامات أو الشخصيات القيادية العربية في حديثنا أكد عرفات أنه على صلة قرابة به، حتى الملك الحسن الثاني حين توفي قال عرفات: لقد حزنت كثيرًا، وتألمت كثيرًا إنه كان قريبي. 

مشهد ديفيد ليفي - وزير خارجية الكيان الصهيوني الغاصب - وهو يدلي بحديثه لصحيفة عربية أخرى، يبدو أنها صارت متخصصة في نشر أحاديث قيادات وزعامات الصهاينة، ويروي ديفيد ليفي في حديثه كيف اهتم عرفات باستضافته وتجول معه في مسكنه ومكتبه، ليريه تواضع متاعه، ومدى زهده.

مشهد باراك رئيس وزراء الكيان الصهيوني وهو يعلن عن فكرة جديدة لتحريك المفاوضات مع الفلسطينيين على الطريقة اليهودية وهي أن يلتقي مع أبو عمار في استراحة کاستراحة كامب ديفيد ليعيد معه تمثيلية كامب ديفيد بين السادات وبيجن، ولا يخرجا من معسكرهما إلا بعد الوصول إلى اتفاق مرحلي أو نهائي يمتد ما بين عشر وعشرين سنة، ثم يضيف باراك لقد بلغ عرفات السبعين من عمره، وصار من المهم الوصول إلى اتفاق سريع لأن عرفات هو القائد الوحيد القادر على اتخاذ قرار في موضوع السلام، ولأنه ينبغي أيضًا عدم انتظار قيادة فلسطينية أخرى.

هذه وغيرها مشاهد تجسد في الذهن صورة تفصيلية لعرفات كما يحدد ملامحها بالطبع مشهده وهو يجيب عن أسئلة الصحفيين منذ أيام في إحدى العواصم العربية.

إلا أنني لأمر بل أمور كثيرة وقفت أكثر عند القول: إن عرفات هو الزعيم الوحيد، ولا بديل له، وتعجبت في حزن وأسى، إذ كيف يقال إنه لا بديل لأبو عمار، أو أن غيره لا يستطيع أن يملأ مكانه، وهو قول يتردد في أكثر من مكان بخصوص الزعامات والقيادات الفريدة والوحيدة والتي لا يوجد لها مثيل أو بديل، وكان الأمة قد عجزت أن تنجب الأمهات فيها مثل أبو عمار أو مثل الزعيم الفريد والوحيد، مع أن التاريخ قد سجل على صفحاته وبأحرف بارزة أسماء قيادات وزعامات نهضت بأدوار وفتوحات وحققت انتصارات عظيمة دون أن تلجأ إلى التوقيع على اتفاقات تعترف فيها بالعدو، أو باحتلاله لشبر من أرض الأمة، وحتى لو سلمنا بأنه لا مثيل أو بديل لعرفات، فإن هذا قول يدين عرفات، لأنه على مدى السنوات الطوال الممتدة من الستينيات حتى مغرب القرن العشرين لم ينهض الزعيم الأوحد بصقل وتدريب قيادات جديدة، تضطلع بحمل المسؤوليات وتواصل المسيرة.

 إن ثمة قضية من حق عرفات أن تنصفه فيها وهي أنه أمن بأوسلو والمفاوضات والاتفاقات مع اليهود أسلوبًا للحصول على اعتراف الآخر وإقامة حكم ذاتي على رقعة من الأرض مع السعي لتطويرها، وقد بذل الرجل جهداً كبيراً. وعارضه كثيرون، واتهم باتهامات عديدة وصلت إلى حد التفريط.

وجهة نظري أن الرجل بذل جهدًا، بل جهودًا، حتى استنفد كل الجهود والطاقات وحتى بلغ من العمر عنيًا، وصار من الظلم أن نحمله ما لا يطيق أو يحمل نفسه ما لا يطيق، أو أن ندعه في مواقع القيادة في ظروف وأحوال صحية وذهنية ونفسية یرى باراك أنها الأنسب والأفضل لتحقيق السلام على الطريقة الإسرائيلية.

إن بقاء عرفات زعيمًا أوحد وهو في هذه الحال من شأنه- خاصة في عصر الهيمنة الأمريكية والبلطجة والمكر الإسرائيليين - أن ينتهي به إلى أن يبصم على تفريغ القضية وإغلاق الملف، ومن حوله الذين يصفقون للبطل الذي تهتز شفتاه وترتعش يداه وقد فقد القدرة على التجميع، وارتمى على صدر بيريز وصار يحلم بمعانقة باراك.

الرابط المختصر :