العنوان حسن عاشور.. عندما يكون الناشر داعية
الكاتب صلاح عبدالمقصود
تاريخ النشر السبت 29-نوفمبر-2008
مشاهدات 63
نشر في العدد 1829
نشر في الصفحة 39
السبت 29-نوفمبر-2008
فقدت الصحافة الإسلامية علمًا من أعلامها، ورائدًا من روادها العظام، ذلكم هو الحاج حسن عاشور -مدير مجلة الاعتصام، وصاحب دار الاعتصام للطباعة والنشر.
والحاج حسن عاشور (۱۹۲۹م - ۲۰۰۸م) هو أحد الناشرين الكبار، مارس مهنة النشر على أنَّها تجارةٌ مع الله، لا تجارةً مع الناس، وعمل في «دار الاعتصام» ما يقرب من نصف قرنٍ، ناشرًا للخير، مدافعًا عن الحق، ذائدًا عن الإسلام، محاربًا لحلف التغريب، والشيوعية، والعلمانية.
حسن عاشور هو النجل الأكبر للعالم الجليل، والداعية الشيخ أحمد عيسى عاشور - أحد علماء الأزهر- الذي مارس الدعوة للإسلام باللسان والقلم؛ داعية وكاتبًا أسس مجلته «الاعتصام» في نهاية الثلاثينيات لتكون مجلة إسلامية جامعة، وأنفق عليها من ماله الخاص دون دعم من أحد.
والحاج حسن عاشور ممن كان لهم الأثر الكبير في حركة النشر على مستوى العالمين العربي والإسلامي، فإلى جوار الحاج «حسن» كان الدكتور محمد عاشور -مدير التحرير بدار التعاون، ورئيس تحرير مجلة الاعتصام، ومؤلِّف، ومحقق عشرات الكتب الإسلامية المهمة، والحاج حسين عاشور مؤسس «دار المختار الإسلامي» للطباعة والنشر، ومطابع المختار الإسلامي، ومؤسِّس مجلة «المختار الإسلامي» أحد منابر الصحافة الإسلامية المهمة على مدى أكثر من ثلاثين عامًا -إضافةً إلى الأساتذة: طه عاشور، وعبد اللطيف عاشور، ومصطفى عاشور -وهم مؤسسو دور النشر الإسلامية التي حملتْ أسماء: «القرآن، والفضيلة، والطلائع، وابن سينا» وقدمتْ للمكتبة الإسلامية ما يزيد على أربعة آلاف عنوانٍ في مختلف العلوم والمعارف.
وشيخ الصحافة الإسلامية «حسن عاشور» أدار مجلة الاعتصام، وأصدرها لعشرات السنين، وهي التي قادتْ -مع شقيقتيها «الدعوة» و«المختار الإسلامي» -حركة إيقاظ الوعي لدى الشباب المسلم، وجابهتْ حلف الشيوعية، والعلمانية والتغريب، وخاضتْ المعارك العديدة دفاعًا عن الشريعة، وحريَّات الشعب، وحقوقه، إلى أن تمَّ إغلاقها بموجب قانون مشبوهٍ تمَّ تفصيله أيام الرئيس السادات عُرف بقانون سلطة الصحافة رقم ١٤٨ لسنة ۱۹۸۰م، الذي قضى بسقوط رخصة الصحيفة بوفاة صاحب ترخيصها؛ مما أدَّى إلى إغلاق الاعتصام بعد وفاة صاحب ترخيصها الشيخ أحمد عيسى عاشور ۱۹۸۹م، وكان قد سبقها في الإغلاق مجلة «الدعوة» بوفاة صاحب ترخيصها الأستاذ صالح عشماوي.
كان -رحمه الله- يعد «مجلة الاعتصام» وديعة والده إليه، فاهتمَّ بها، وبذل لها من جهده، ووقته، وماله، ويشرف على تحريرها، ويختار عناوين مقالاتها الساخنة التي جعلتْ أعداد المجلة متنفدٌ من الأسواق فور صدورها، كانتْ كلماته نابعةً من قلب مهموم بالإسلام وقضيته، وعقلٌ مشغول بأوضاع الإسلام والمسلمين، وعاطفةٌ مشبوبه تشعل عواطف الآخرين، وتحرِّك هممهم نحو العمل للإسلام ودعوته.
عرفتُه منذ آخر السبعينيات، عندما كنتُ طالبًا بكلية الإعلام، وشاركتُه الكتابة بالمجلة في مطالع الثمانينيات، إلى أن قررتْ السلطة إغلاق المجلة.
وفي آخر عدد من الاعتصام أعدَّه الحاج «حسن»، ونعى فيه والده -رحمه الله- وذكر سيرته وجهاده في سبيل دعوة الإسلام، وتمتْ طباعة العدد لكن السلطات رفضتْ توزيعه بحجَّة سقوط الرخصة، في الوقت الذي تركتْ فيه جريدة «وطني» التي كان يصدرها الأستاذ «أنطون سيدهم» ما يقرب من عامين رغم وفاة صاحبها الأستاذ «أنطون»، الأمر الذي يذكرني بمقولة الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي: «إنَّ المسيحيين في مصر لهم بابا يدافع عن حقوقهم، أما المسلمون فليس لهم بابا ولا ماما»!!
وأذكر أنَّني كلما زرت الحاج حسن عاشور -رحمه الله- سمعت منه أمنياته بعودة صدور «الاعتصام». ورغم بلوغه الثمانين من العمر، إلا أنَّه كان مليئًا بالأمل، يحمل بين جنباته عاطفةً جياشةً لقضايا الإسلام والمسلمين، وكثيرًا ما كنتُ أسمعه يتحدث، ثم تدمع عيناه على حال المسلمين، وتعنُّت بعض المسؤولين مع المؤسسات العاملة للإسلام.
بقيتْ روح «حسن عاشور» بيننا، كما بقيتْ أعماله، وآثاره من بعده، يحفظها رجال تأثروا به وبمنهجه وفكره وعلمه.
إنَّني مدين أنا وجيلي وأجيال سبقتنا وأجيال لحقتنا للأستاذ حسن عاشور -رحمه الله- وإخوانه الذين أسهموا منذ نصف قرن أو يزيد في نشر الوعي الإسلامي، وترشيد الصحوة، إضافةً إلى الذود عن الفكر الإسلامي الأصيل، ومقاومة الإلحاد، والتغريب، والتبعية في بلادنا.
رحم الله الحاج حسن عاشور، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وإخوانه الصبر الجميل، وجزاه على ما قدَّم للإسلام، وللصحافة الإسلامية خير الجزاء، ولا نقول إلا ربنا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل