; حصوننا مهددة.. فمن يحميها؟ | مجلة المجتمع

العنوان حصوننا مهددة.. فمن يحميها؟

الكاتب محمد يوسف الجاهوش

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000

مشاهدات 106

نشر في العدد 1401

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 23-مايو-2000

ما كنا نحسب أنه يأتي على أمتنا يوم تنهار فيه معاقلها الدينية وحصونها الإسلامية أمام اليهود، بل كنا نحسب -وقد انهار كثير من المواقف السياسية- أن حصوننا الإسلامية -من مساجد ومعاهد وجامعات- ستكون ملاذ الأمة في محنتها، وملجأها في شدتها، ومصدر قوة يمدها بالعافية يشد أزرها، ويشحذ عزيمتها، ويشعل في القلوب جذوة الإيمان، وعزة الإسلام، وبذلك تسترد الأمة عافيتها، وتفيق من غفوتها، وتشق -على ضوء الهدى- طريقها، لا تضعفها داجيات الخطوب، ولا تثنيها شدائد الأحداث، بل تمضي نحو هدفها بشجاعة وبسالة، تجاهد من أجل حفظ كرامتها، وصون مقدساتها، والذود عن حماها ومكتسباتها، يقود ركب مسيرتها الغر من بنيها، ممن استمسكت عزائمهم بحبل الله المتين، واستنارت قلوبهم بنور الذكر الحكيم، في ظلال تلك المعاهد نشأوا، وفي طهرها درجوا، ومن إرثها الإيماني عبوا ونهلوا، فأبت قناتهم أن تلين، واستعصت عقولهم على الترويض والتطبيع.

نعم كنا -إلى عهد قريب- نعتقد أن جامعاتنا الإسلامية ومساجدنا العريقة ستصمد في وجه الغزو الاستعماري الحديث -يهوديًّا أم صليبيًّا- كما صمدت في ماضيها المشرق، وتأبت على كل الغزاة والظالمين، الذين أرادوا أمتنا وعقيدتنا بشر أو سوء.

الأزهر وأداؤه الريادي:ويأتي الجامع الأزهر بمسجده ومعاهده وكلياته ومؤسساته العلمية والتعليمية كافة- في طليعة المعاقل والحصون الإسلامية التي يعقد عليها المسلمون الآمال في حمل راية الجهاد عن مقدسات الأمة ومكاسبها، والتفاعل مع آلام أبنائها وآمالهم، فقديمًا شع من بين سواريه ومناراته النور الذي أبصرت به الأمة دربها، وأحكمت مواقع خطوها، كما أمدها بفحول الرجال الذين لفتوها إلى ربها وقادوا -على طريق الهدى- مسيرتها. 

ولا عجب فالأزهر هو ذلك المعهد الذي فنيت القرون على جدرانه «وطوى الليالي ركنه والأعصرا»، من أفقه طلعت الكواكب، وعلى سناها تعلمنا السُّرى، طبقت شهرة رجاله الآفاق، وكانت منتدياته قطبًا ومحورًا لدائرة الدعوة والبلاد الإسلامية على امتداد رقعته الجغرافية واتساعها، ولدت قضايا الأمة على محرابه وشبت بين جوانبه، فحفظ الوديعة، ونهض بحمل الأمانة، وتقدم الركب يحرك المدن والقرى لا يخشى شيوخه ولا فتيانه عاديًا، ولا يهابون ظالمًا.

نعم، كانوا حرم أمن للخائفين، وملجأ حصينًا للتائهين الحائرين، بهم أصبح الأمي متعلمًا، والغافل مستبصرًا، والمستضعف قويًا، والغاصب منكسرًا ذليلًا.. جددوا ما اندرس من معالم الدين وأحيوا ما نسي الناس من أحكام الشريعة وقواعدها، وأعادوا للعقيدة صفاءها ونقاءها وعايشوا واقعها مرشدين ومحذرين: 

حتى ظننا الشافعي ومالكًا *** وأبا حنيفة وابن حنبل حضرا

ولا يزال رجاله المخلصون علامات بارزة، ومنارات سامقة، يحملون مشعل الدعوة في أنحاء المعمورة، ويبلغون رسالة الله في طول الدنيا وعرضها، أني توجهت وجدت منهم أمة -شيبًاوشبانًا- ينهضون بأمانة الدعوة، ويحرصون على حسن البلاغ، ولكم تعرض الأزهر -على امتداد ألف عام ونيف- لمؤامرات الحاقدين من الأعداء، والجاهلين المخدوعين أو المأجورين من الأبناء، فماذا كانت النتيجة؟ لقد فني المتآمرون، وبطل كيدهم، وبقي الأزهر شامخًا معطاء، وها هو الأزهر -رغم كل ما يعانيه- يواجه بشيوخه وشبابه كل التحديات الداخلية والخارجية، وها هم المخلصون من بنيه يحملون هموم الأمة، ويتصدون لمؤامرات الأعداء على اختلاف أغراضها وأهدافها.

المساءة الكبرى: ولعل ما حصل -منذ أيام- يعتبر المساءة الكبرى التي وجهت إلى الأزهر الشريف في وقتنا هذا، أو هي من كبرى المساءات على أقل تقدير، ولا ندري كيف يسمح لوفد من حاخامات يهود أن يؤدوا الصلاة اليهودية في حرمه، ولا ندري لماذا أخلي الأزهر من رواده قبل دخول الوفد؟ 

ألم يكن الأليق والأجدر -إن كان هذا الأمر حقًا لا غبار عليه- أن يتم تحت سمع الناس وبصرهم؟ أم أن الذين سمحوا بهذا يعرفون -يقينًا- أن مشاعر المسلمين لا تقبل مثل هذا الصنيع، ولا تسيغه، وأن حسهم الإيماني يرفض رفضًا قاطعًا ما هو أصغر -بكثير جدًّا- من هذا الذي حصل، ولا نحسب أن هذا العمل كان سيمضي بسلام لو أن الناس شاهدوا اليهود يدنسون مسجدهم، فضلًا عن أن يؤدوا فيه صلاتهم!.

وكيف تتحمل مشاعر المسلمين مرأى يهود يصلون في مسجدهم، وهم يشاهدونهم يهدمون المساجد على أصحابها في أرض الإسراء والمعراج، ويحولونها إلى مراقص وملاه، وحانات، وإلى إسطبلات وحظائر.

ليت شعري! أنسي رسميو الأزهر ما فعله ويفعله اليهود في الأقصى المبارك؟ أيحرق اليهود الأقصى وتكون جائزتهم أن يسمح لهم بالصلاة في الأزهر؟ ونعلم حقًا أنهم يحفرون الأنفاق ليدمرواالأقصى على الركع السجود من المسلمين، ونكافئهم على هذه الجريمة بإباحة حمى الأزهر وقدسيته لنجاستهم؟

الأمر العجب: وإن أعجب ما في هذه الحادثة: ما أعلنه وفد الحاخامات قائلين إن الأديان السماوية تعتبر الناس جميعًا إخوة، وقد أوجدنا الله لنتعارف، ونتبادل المنافع.

صدقوا وهم كاذبون: نعم صدقوا بأن الله خلق الناس للتعارف والتآلف، ولم يخلقهم للشقاق والخصام أو التحارب والتقاتل.

إن هذا من صميم عقيدتنا نحن المسلمين: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ( الحجرات: 13)، ولكن هل سار اليهود -على امتداد تاريخهم- مع الناس على هذه المبادئ؟ هل تعاملوا مع غيرهم على وفق هذه القيم والمنطلقات؟ إن القرآن يشهد عليهم أنهم: ﴿قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ( آل عمران: 75).

وتلك أهم مشكلات العالم كله مع اليهود، يفترون الكذب على الناس، وعلى رب الناس، فإذا كان الناس إخوة -كما يزعمون- فبأي حق يحتلون أوطان إخوانهم، ويغتصبون منازلهم وأموالهم، ويقتلون أبناءهم، ويهتكون أعراضهم وحرماتهم؟ أهذه هي الأخوة التي جمع الله الناس عليها؟

ولئن كان الناس إخوة فلم يزعم اليهود لأنفسهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وشعبه المختار؟

وإني لأعجب ممن يخدع بمثل هذا البهتان، ويغتر بباطل هذا القول وزوره، ولئن جاز لأتباع أي دين أن ينساقوا وراء هذا الهراء- فإنه من العار والجهل أن يصدقه مسلم عرف إسلامه، وفقه تعاليمه وأحكامه وجميعها مصرحة بمكر اليهود وكذبهم وتأمرهم.

جهل فاضح: وإنه لجهل -أيما جهل- ممن يحاولون هذه الأيام أن ينحرفوا بمعاقل الأمة وحصونها -وعلى رأسها الأزهر- عن مهامها الأصيلة في تبني قضايا الأمة العظيمة، وحفظ رسالتها الجليلة، وتحصينها ضد أنواع الغزو: الفكري والسياسي والاقتصادي. 

نعم إنه جهل بطبيعة هذا الدين الذي يحمل الأزهر رسالته وشعاره، وإنه دين يمد الناس بالقوة كلما تفيؤوا ظلاله، وجهل بسنة الله تعالى المطردة أنه سبحانه يهيئ للأمة في كل زمان ومكان من يجدد لها أمر دينها، ويحيي ما درس من أصالتها وقيمها، جهل بسنة الله الكونية في تقلب الدول وتحولها، وتغير الظروف بين طرفة عين وانتباهتها.

ولقد كان المؤمل أن يتعالى علماء الأمة -لا سيما رؤوسهم- على ضغط الواقع الذي أصاب الكثير من القيادات السياسية بالوهن والإحباط، والهزيمة النفسية، وأن يشحذوا عزائمهم للنهوض بالأمة من عثرتها، وملء الفراغ الفكري والخواء الروحي الذي تركز في مقاتلها .

وما هذا الذي نؤمله من علمائنا وفقهائنا بدعًا من القول، ولا نافلة من العمل، إنه من صميم واجبهم، أداء الخيرون من السلف، وسيتابع المسيرة الخيرون من الخلف، إنهم هم الفئة الظاهرة المنصورة بإذن الله، وهم بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».

الرابط المختصر :