العنوان حطم القيود (٣٥): حب الآخرين
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004
مشاهدات 60
نشر في العدد 1632
نشر في الصفحة 58
السبت 25-ديسمبر-2004
تناولنا في الحلقة السابقة الخطوة الأولى لتنشيط القوة الداخلية، وهي معرفة البيئة التي أتحرك فيها والناس الذين يعيشون فيها، کی أستطيع التأثير عليهم، ونتناول في هذه الحلقة الخطوة الثانية وهي:
حب الآخرين
إن الدافع لفعل الخير هو حب الآخرين، فحب الخير لهم وبذله دون انتظار الجزاء منهم يجعل الإنسان يحس بلذة أكبر في هذه الحياة، ويجعله يشعر بقوة داخلية عظيمة، فالناس جبلوا على حب من يحبهم، وتهفو القلوب وتتجمع حول من تشعر بعطفه ورعايته لها.
الأصول الثلاثة
يخبرنا القرآن الكريم عن الأصول الثلاثة التي تنطلق من خلالها لحب الآخرين وهي:
١- دلالتهم علي الخير.
٢- تجنيبهم الشر.
٣- الصبر علي أذاهم.
والتي لخصها لقمان وهو يعلمها لابنه في قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان:17)
فأكبر مظهر من مظاهر حب الآخرين دلالتهم على ما ينفعهم من الخير، وأعظم خير ندل الناس عليه تذكيرهم بهدف الخلق، وما يسعدهم في الدنيا والآخرة، وعدم منازعتهم على زخارف الدنيا.
والمظهر الثاني من مظاهر حب الآخرين تجنيبهم الشر بكل أشكاله ومعانيه، وأعظم ذلك شر جهنم، وعقوبة الخالق ويتبعها كل الشرور الدنيوية من المخلوقات والأطعمة والأحوال النفسية، والعادات الضارة.
والمظهر الثالث هو الصبر على أذى الآخرين، خاصة فيما يتعلق بالنفس فنصبر على حماقاتهم وجهلهم وضعفهم وغبائهم.
البحث عن الجانب الطيب:
إذا أردنا أن نحب الآخرين علينا أن نستيقن أنه لا يوجد إنسان مجرد من جانب من جوانب الخير، وما علينا إلا البحث عن هذا الجانب لنكتشف بعد ذلك كنوزًا مخبوءة من الخير في ذلك الإنسان الذي يبدو في ظاهرة الشر.
يقول سيد قطب يرحمه الله: «عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الآخرين نجد أن هناك خيرًا كثيرًا قد لا تراه العيون أول وهلة.. لقد جربت ذلك، جربته مع كثيرين» حتى الذين يبدو في أول الأمر أنهم شريرون أو فقراء الشعور.
شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم.. شيء من الود الحقيقي لهم، شيء من العناية غير المتصنعة باهتماماتهم وهمومهم.. ثم نكشف لك النبع الخير في نفوسهم حتى يمنحوك حبهم ومودتهم وثقتهم في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك متى أعطيتهم إياه في صدق وصفاء وإخلاص (1).
متى نكره الآخرين؟
ومن عرف وأدرك الطريق إلى حب الآخرين من خلال ما ذكره سيد قطب يعرف الإجابة من غير عناء، على أن السبب الرئيس في كراهيتنا للآخرين هو عدم تجشمنا العناء في البحث عن صفة أو جانب الخير في نفوس الآخرين، واتباعنا الطريق السهل للهروب من دعوتهم للخير وهو طريق «التعميم»، والحكم عليهم بأنهم يخلون من الخير بعبارات نقنع بها أنفسنا حتى نتخلى عن واجب الدعوة «ما فيه خير» «ما وراءه إلا الشر» «لا ترجى منه فائدة..» وغيرها من عبارات اليأس.
لقد تحمل رسولنا ﷺ السب والتشكيك والاستهزاء والتعيير والعذاب النفسي، وما يئس أبدًا من دعوة قومه، لأنه كان دائمًا يبحث عن خصلة الخير المخبوءة في نفوسهم، بل بالغ في البحث عن خصلة الخير في أبناء وأحفاد من يدعوهم حينما ضربوه وطردوه وأدموا قدمه الشريف في الطائف فرد على الملك الذي أرسله الله للانتقام منهم «بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل لا يشرك به شيئًا» (۲)
إنه شرط دخول الجنة
لقد رفع الإسلام منزلة حب الآخرين إلى الدرجة التي جعلها شرطًا لدخول الجنة عندما قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟
افشوا السلام بينكم» (٣)
والسبب في هذا الاهتمام أنه أحد الدوافع الرئيسة التي تدفع الدعاة إلى دعوة الآخرين وإنقاذهم من النار، فالشفقة على الآخرين، وإرادة الخير لهم، وتمني دخولهم الجنة، والخوف على مصيرهم، وتحمل الأذى في سبيل إيصال الدعوة لهم، كلها مرادفات وتوابع وآثار لمحبة الآخرين، وهذه لا تجدها إلا عند الدعاة الذين يفهمون الدعوة ومراميها فهمًا عميقًا، منهم ذلك النبي الذي ذكره لنا رسولنا ﷺ: «إن نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم، ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (٤) لم يسبهم ولم ينتقم منهم ولم يدع عليهم، بل التمس لهم العذر وتمنى لهم الهداية وهو يمسح الدم عن وجهه وآلام الضرب ما زال يشعر بها، إنها لمحبة للآخرين وتعني الخير لهم، والتي لا يملكها إلا أصحاب القلوب الكبيرة، الذين يملكون قوة داخلية كبيرة.
الهوامش
(1) أفواج الروح- ط- دار ابن القيم ص ۱۰.
(۲) رواه البخاري (٤/٤٥٨).
(۳) رواه الإمام أحمد وصححه الألباني (صحيح
الجامع الصغير (٧٠٨١).
(4) متفق عليه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل
61