العنوان حقائق في وثائق.. المستشرقون والحضارة الإسلامية
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1990
مشاهدات 55
نشر في العدد 963
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 17-أبريل-1990
«واشنجتون ايرفنج» من
أعلام الكتاب الذين فاخرت بهم الدول الأوروبية وأمريكا، وقد كتب سيرة النبي العربي
في كتاب عرض فيه هذه السيرة عرضًا، فيه قوة بيانية تملك قارئه في كثير من أجزائه،
وفيه إلى جانب هذه القوة إنصاف أحيانًا وتحامل في الكثير. وقد وضع للكتاب خاتمة
عرض فيها لقواعد الإسلام، وجسد المصادر التاريخية التي استندت إليها هذه القواعد،
وفي مقدمتها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ثم قال:
القاعدة السادسة والأخيرة من قواعد
العقيدة الإسلامية هي «الجبرية»، وقد أقام محمد كل اعتماده على هذه
القاعدة لنجاح شؤونه الحربية، فقد قرر أن كل حادث يقع في الحياة قد سبق في علم
الله تقديره، فكتب في لوح الخلد قبل أن يبرأ الله العالم، وأن مصير كل إنسان وساعة
أجله قد عينت تعيينًا لا مرد له، فلا يمكن أن تتقدم أو أن تتأخر بأي مجهود من
مجهودات الحكمة الإنسانية أو بعد النظر. بهذا الإقناع كان المسلمون يخوضون
غمار المعارك دون أن ينال منهم الخوف، فمادام الموت في هذه المعارك هو عدل
الاستشهاد الذي يسرع بصاحبه إلى الجنة فقد كانت لهم الثقة بالفوز في
حالي الاستشهاد والانتصار.
2- هذه المذاهب الذي يقرر
أن الناس غير قادرين بإرادتهم الحرة على اجتناب الخطيئة أو النجاة من العقاب،
يعتبره بعض المسلمين منافيًا لعدل الله ورحمته. وقد تكونت عدة فرق جاهدت ولا تزال
تجاهد لتهوين هذا المذهب المحير وإيضاحه، ولكن عدد هؤلاء المتشككة قليل
وهم لا يعتبرون من أهل السنة.
3- وقد ألهم محمد مذهب
الجبرية، من وحي الساعة فكان ذلك إلهامًا معجزًا لحدوثه في أنسب أوقاته، فقد حدث
توًا بعد غزوة أحد المنكوبة التي ذهبت فيها أرواح عدد غير قليل من أنصاره ومن
بينهم عمه حمزة- عندئذ، وفي ساعة وجوم وهلع تحطمت أثناءها قلوب أصحابه
المحيطين به، أصدر هذا القانون ينبئهم أن لا مفر لإنسان من أن يتوفى في ساعة أجله
في فراشه كان أو في ساحة الوغى.
4- أية عقيدة يمكن أن
يصورها صاحبها أدق من هذا التصوير ليدفع بها للغزو طائفة من الجنود الجهلاء
الأغرار دفعًا وحشيًا، إذ يقنعهم عن يقين بالفيء لمن يبقى، والجنة لمن يموت.. ولقد
جعلت هذه العقيدة جند المسلمين لا يكاد يغلبه غالب، لكنها احتوت كذلك السم الذي
يقضي على سلطانه، فمنذ اللحظة التي كف فيها خلفاء النبي عن أن يكونوا غزاة فاتحين
ومنذ أغمدوا سيوفهم بصفة نهائية بدأت العقيدة الجبرية تعمل عملها الهدام.
فقد أرهف المسلم أعصاب المسلمين كما
أرهفها المتاع المادي الذي أباحه القرآن والذي يفصل فصلًا حاسمًا بين مبادئه ودين
المسيح، فصار المسلم ينظر إلى ما يصيبه من بأساء على أنها بعض ما قدر الله عليه
ولا مفر منه، وما يجب الإذعان له واحتماله، ما دام كل جهد وكل حكمة إنسانية
عبئا لا نفع له.
5- ولم تكن قاعدة «أعن
نفسك يعنك الله» مما يرى اتباع محمد تنفيذه بل كان عكسها نصيبهم، ومن ثم لحق
الصليب الهلال.
التعليق:
هذا كلام واشنجتون أيرفنج وهو مثل
كلام بعض المستشرقين الآخرين أمثال مونتجمري وات وغيره، وهو كلام أناس لم تمكنهم
دراستهم من إدراك روح الإسلام وأساس حضارته، فذهبوا هذا المذهب الخاطئ في تأويل
مسألة القضاء والقدر وكتاب الأجل.
يقول الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا
النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا
يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) (يونس:108)،
وقال تعالى: ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ
فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء:15).
وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ
حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ
الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (الشورى:٢٠).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:١١).
ومثل هذا في القرآن كثير وهو صريح في
الدلالة على أن إرادة الإنسان وعمله هما مصدر مثوبته وعقابه، وقد حث الله الناس أن
يسعوا في مناكب الأرض، وأن يأكلوا من رزقه، وأمرهم بالجهاد في سبيله بآيات قوية
غاية القوة. وهذا لا يتفق وما يقوله أيرفنج وما يقول بعض رجالات الغرب من أن
الإسلام دين تواكل وقعود وأنه يعلم أهله إنهم لا يملكون لأنفسهم بعملهم نفعًا ولا
ضرًا فلا فائدة لهم من السعي والإرادة، لأن السعي والإرادة معلقان بمشيئة الله.
فإذا سعينا وكان مقدرًا ألا يثمر سعينا لم يثمر، وإذا لم نسع وكان مقدرًا أن نصبح
أغنياء أو أقوياء أو مؤمنين أصبحنا كذلك من غير سعي ولا عمل، فالآيات السابقة
تناقض هذا الرأي وتنفيه.
الفهم السقيم للمستشرقين
ألم
يعتمد هؤلاء الذين ينسبون تواكل المسلمين في هذه العصور الأخيرة إلى دينهم على ما
جاء في القرآن من آيات القدر كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ
إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ (آل عمران:145) وكقوله
تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا
يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف:34). وكقوله
تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ
إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرٌ﴾ (الحديد: 22). وكقوله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا
كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:51).
إن يكن ذلك ما يعتمد عليه بعض
المستشرقين فقد فاتهم معنى هذه الآيات وأمثالها، وما تصوره من صلة وثيقة بين العبد
وربه، ودعاهم ذلك إلى الظن بأن الإسلام يدعو إلى التواكل مع أنه الدين الذي
يدعو إلى الجهاد وإلى الاستشهاد وإلى الإباء والأنفة، كما يقيم حضارته على أساس من
الإخاء والرحمة.
بين جبرية الإسلام والجبرية
الغربية
إن الجبرية الإسلامية لأكثر حضارة
على السعي إلى الخير والفضل وإلى ابتغاء الرزق من الجبرية الغربية التي تخضع
المرء لبيئته ووراثته خضوع إذعان لا محيص عنه ولا مفر منه، وتجعل إرادة الإنسان
بعض ما يخضع لبيئته فلا سبيل له لذلك إلى أن يغير نفسه. فأما القرآن فيدعو إرادة
كل فرد لتتوجه بحكم العقل إلى ناحية الخير ويذكر لهم أنه إذا كان قد قدر لهم الخير
فيما كسبت أيديهم وأنهم لا ينالون هذا الخير اعتباطًا من غير سعي.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:١١).
ففي مقدورهم إذن أن يفكروا وأن
يتدبروا بعد أن هداهم الله بكتبه إلى الواجب عليهم، وبعد أن دعوا إلى النظر في
الكون وتدبر سننه ومشيئة الله فيه، ومن يؤمن بهذا، ومن يوجه نفسه وجهته فلن يصيبه
إلا ما كتب الله عليه، فإذا كان قد كتب عليه أن يموت في سبيل الحق أو الخير
الذي أمر الله به فلا خوف عليه وهو وأمثاله أحياء عند ربهم يرزقون. أية دعوة إلى
الإقدام وإلى السعي وإلى الإرادة كهذه الدعوة؟ وأين فيها ما يزعم «إير
فنج» والمستشرقون من تواكل؟
الجهل بدلالات الألفاظ
التواكل ليس من التوكل على الله في
شيء، فالتوكل على الله لا يكون بقعود المرء والتخلف عن أمر ربه، بل بالعمل الجدي
لما أمر به، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
(آل عمران:159) فالعزم والإرادة يجب إذن أن يسبقا التوكل. وأنت ما عزمت ثم توكلت
على الله بالغ نهاية أمرك بفضل منه، وأنت ما ابتغيت وجهه وحده، وما خشيته وحده،
وما سلكت سبيله وحده، مهتد إلى الخير بحكم سنة الله في الكون، وسنة الله لا تحويل
لها ولا تبديل. وأنت بالغ هذا الخير، أدى بك سعيك إلى النجاح والفوز أو أدى بك إلى
الموت، وما ينالك من الخير فمن عند الله، أما ما يصيبك من مكروه فبما كسبت
يداك وباتباعك سبيلًا غير سبيل الله، فالخير كله بيد الله والضلال والشر
من نزع الشيطان وعمله.
أما علم الله بكل ما يقع في الوجود
قبل أن يبرأ الله الوجود، وأنه جل شأنه ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا
أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (سبأ:3) فيرجع إلى أن الله برأ للكون سننًا
لا تحويل لها ويجب أن تنشأ عنها آثارها. وإذا كان العلماء يذهبون إلى
ما قدمنا من أن العلم الواقعي يستطيع إذا عرف أسرار الحياة الإنسانية وسننها،
أن يعرف ما قدر لكل فرد ولكل أمة على وجه اليقين، كما يعرف مواقيت الكسوف والخسوف،
فإن الإيمان بالله يقتضي حتمًا الإيمان بعلمه بكل شيء من قبل أن يبرأ العالم، وإذا
كان المهندس الذي يصنع «تصمیم» دار أو قصر ويراقب تنفيذ هذا التصميم، يستطيع
أن يعلم مدى ما يعيش هذا البناء وما قد تتعرض له أجزاؤه المختلفة على مضي السنين.
وكان علماء الاقتصاد يذهبون إلى أن السنن الاقتصادية تهديهم على سبيل القطع إلى
معرفة ما ينشأ في حياة العالم الاقتصادية من أزمة أو رخاء، فإن مناقشة علم الله
بكل صغيرة وكبيرة مما خلق في الكون تجديف لا يقبله عقل منطق.
وهذا العلم لا يصح أن يقف الناس عن
التفكير في مآلهم، والعمل جهد الطاقة لاتباع جادة الحق، وتنكب طريق الضلال، فعلم
الله غيب عليهم وهم مهتدون آخر الأمر إلى الحق ولو بعد حين، والله قد كتب على نفسه
الرحمة، وهو يقبل توبة التائب من عباده ويعفو عن كثير، وما دامت رحمته وسعت كل شيء
فليس لإنسان أن ييأس من الاهتداء إلى الحق والخير ما دام ينظر في الكون ويتدبر ما
فيه، وليس لإنسان أن يقنط من رحمة الله إذا هداه نظره آخر الأمر سبيل الله.
وإنما الويل لمن ينكر إنسانيته
ويستكبر عن النظر والتفكير ابتغاء الهدى، أولئك يعاندون الله ولا يبتغون وجهه،
وأولئك ختم الله على قلوبهم، فلهم جهنم ولهم سوء الدار.
أفيرى أولئك المستشرقون سمو الجبرية
الإسلامية وانفساح مداها؟! وهل يرون فساد ما يزعمون من أنها تدعو إلى القعود
عن السعي أو قبول المذلة أو الرضا بالخضوع لغير الله؟! ثم هي من بعد تجعل باب
الرجاء في مغفرة الله ورحمته مفتوحًا دائمًا لمن تاب وأناب، فما يزعمونه من أنها
تدعو المسلم إلى النظر لما يصيبه من خير أو شر على أنه بغض ما كتب الله فيقعد لذلك
صابرًا محتملًا الضر والمذلة، بعيدًا عن الحقيقة في أمر هذه الجبرية التي تدعو إلى
دوام الدأب ابتغاء رضا الله، وإلى عزم الأمر قبل التوكل على الله، فإذا لم يوفق
الإنسان للخير اليوم، فليعمل لعله يوفق له غدًا، وله من دائم الرجاء في الله
أن يسدد خطاه وأن يتوب عليه وأن يغفر له، خير حافز إلى التفكير المتصل والسعي
الدائب لبلوغ الغاية من رضا الله، إياه يعبد وإياه يستعين، منه جل شأنه الهدى،
وإليه يرجع الأمر كله.