العنوان حقوق الإنسان في تونس.. إلى أين المصير ؟!
الكاتب راشد الغنوشي
تاريخ النشر السبت 23-يناير-2010
مشاهدات 71
نشر في العدد 1886
نشر في الصفحة 28
السبت 23-يناير-2010
بين استئصال حركة النهضة».. واستقلال قطار الحداثة
● أخشي من تقليص مطالب النضال السياسي إلي مطالب حقيقة جزئية بدلا من معالجة قضية الحريات العامة
● ظل الإسلاميون يبحثون عن تسوية مع الدولة لإدماجهم سياسيا لكنهم لم يجدوا منها أي استعداد للحوار!
● صحوة إسلامية واسعة انبعثت في الشعب التونسي تؤكد فشل الحل الأمني في تجفيف ينابيعه الدينية
● القمع أنهك جسم «النهضة» لكنه زادها رسوخا وانفتاحا.. ونجحت في إفشال خطة استدراجها إلى مستنقع العنف
● وضحايا مخطط استئصالها: ثلاثون ألف سجين.. وعشرات القتلى والمعوقين.. وآلاف من المشردين!!
● د. الصادق شورو.. أعادوه للسجن بعد ٢٠ يوما من الإفراج عنه عقابا له على تعبيره عن رأيه
● من مظاهر وعي وحراك المجتمع المدني:
- تصاعد حالات التذمر الشعبي ومبادرات الاحتجاج
- وقوع إضرابات يومية في مؤسسات عديدة
- تعدد وقائع الإضراب عن الطعام تعبيرا عن الظلم
- تحركات داخلية وخارجية دفاعاً عن حقوق المواطنين - انتعاش الحركة الطلابية رغم الملاحقة الأمنية والمحاكمات
- تنامي الإعلام الحر وبخاصة عبر شبكة الإنترنت
يُعد الوطن العربي في ميزان التنمية الشاملة - وخصوصاً التنمية السياسية القائمة على المقاييس الديمقراطية - في مؤخرة الركب العالمي والثقب الأسود الذي ظل بمنأى عن أمواج الديمقراطية في القارات الخمس لا بسبب زهد ذاتي في الحرية أو عشق للأغلال، فقد دفعت شعوبنا أثمانا عالية كبتا وسجنا وقتلا وتشريدا للأحرار، لكنها لا تزال غير كافية لتعديل الميزان لصالح الحرية وحقوق الإنسان، أمام إصرار القوى الدولية على دعمها للمستبدين خدمة لمصالحها، وما جرى ويجري في فلسطين ومصر وغيرهما شاهد على ذلك.. فكيف الحال والمستقبل في تونس؟
لا يختلف حال تونس عن كثير من بلاد العرب من حيث الطبيعة الفردية للحكم بتمركز السلطات في شخص الحاكم وإفراغ بقية المؤسسات من سلطاتها ، تشريعا وقضاء وهيئات تنفيذية مركزية وجهوية وصحافة ومجتمعاً مدنياً، مع حصانة دستورية للرئيس من كل مساءلة، وتضخم للجهاز الأمني باعتباره العمود الفقري للسلطة ويدها الطولى المطلقة في أعراض الناس وأموالهم وأرواحهم، وفي مؤسسات الدولة والمجتمع كالنقابات والمساجد ودور الثقافة فضلا عن السياسة حيث تطبق بصرامة آليات الإقصاء والقمع والاحتواء للمخالفين أما الثروة العامة فقد تفاقمت أخبار خصخصتها والاستحواذ عليها، في غياب صحافة حرة وقضاء مستقل ومعارضة قوية مما كان له انعكاساته السلبية على الأحوال المعيشية لعامة الناس، فتفاقمت أخشى من تقليص مطالب النضال السياسي إلى مطالب حقوقية الديون والبطالة والشعور بالغين، إضافة إلى انعكاسات الأزمة الاقتصادية الدولية على قطاعات السياحة والتصدير والاستثمار الخارجي، وذلك رغم دعم الاتحاد الأوروبي وتغاضيه عما يرتكب من انتهاكات للحقوق والحريات ورفض للإيفاء بمتطلبات الإصلاح الديمقراطي المنصوص عليها في اتفاقية الشراكة، التي تزعم أوروبا حرصها عليها في ازدواجية مفضوحة.
شطب الحركة مثلت أول انتخابات في «العهد الجديد» سنة ١٩٨٩م اختباراً لشعارات التغيير؛ حيث ووجه الحزب الحاكم منذ عام ١٩٥٦م) لأول مرة بحركة شعبية شابة «حركة النهضة»، علق عليها الناس آمالاً عريضة في التغيير، بعد أن ملوا حزباً أسن، وسلطة لا تفي بوعودها، فلم تتردد في اللجوء إلى ما أدمنت عليه من التزييف للانتخابات، وساور الشعب الأمل في أن تحترم فيها إرادته، فأقبل عليها جاداً.
ورغم أن السلطة لم تعترف للنهضة إلا بحوالي ۲۰ ، ومع أن ذلك دون الحقيقة بكثير، فإنه كاف ليجعلها زعيمة المعارضة، لكنه لم يكن كافياً حتى للاعتراف بها على غرار بقية الأحزاب، بل كان مبرراً لشطبها من الخريطة السياسية جملة، وما يعنيه ذلك من اعتداء على مبادئ التعددية وتمهيد لإلغاء المعارضة بعد إدخالها إلى البرلمان عبر أسلوب الكوتا المهين مقابل الصمت أو الولاء والانخراط بكل مؤسسات الدولة في مخطط استئصالي غير مسبوق للنهضة (ثلاثون ألف سجين، وعشرات من القتلى والمعوقين، وآلاف من المشردين، وتحويل أكبر ملف سياسي في البلاد - ملف الحركة الإسلامية - ملفا أمنيا لا سياسيا كما هي حقيقته منذ الإعلان عن حركة الاتجاه الإسلامي عام ١٩٨١م.
● تقويم التجربة
وقد أدى حشد أجهزة الأمن والإعلام والقضاء في مواجهة حركة النهضة لاستئصالها واعتماد سياسات الإقصاء والملاحقة إزاءها وإزاء غيرها من القوى السياسية، أدى إلى إضعاف البلاد وهدر الطاقات وتفشي المظالم وثقافة العنف والانتقام، بديلا عن ثقافة الحوار والسماحة بما أساء إلى سمعة الوطن، ووضع على الرف مشروع الإصلاحات الموعودة، غير أن القمع لثن أنهك جسم «النهضة»
فإنه لم يستأصل فكرتها بل زادها رسوخاً وانفتاحا، وقد نجحت بفضل الله في إفشال خطة استدراجها إلى مستنقع العنف، ردا على العنف الرسمي على غرار ما حصل في أوضاع مشابهة، وبذلك جنب تعقلها حسب تعبير الأستاذ محمد المصمودي جنب البلاد كارثة كبرى، بل بادرت رغم عمق جراحاتها إلى القيام بتقويم جاد لتجربتها السياسية للوقوف على مواطن الخلل فيها متحملة نصيبها من التبعة، فيما حصل من تدهور مريع للآمال في التغيير الديمقراطي بصرف النظر عن جديتها أصلا - وذلك إثر مشاركتها الواسعة في انتخابات عام ۱۹۸۹م، تلك المشاركة التي لم تحسن فيها الحركة تقدير حجم الاندفاع الشعبي الواسع في اتجاهها، رغبة في التغيير، بما هدد التوازنات القائمة التي لم يكن للحركة قصد في الإخلال بها، حتى إنها قبلت مقترح الحزب الحاكم دخول كل الأحزاب في قائمة انتخابية واحدة تحدد فيها الأنصبة سلفاً.
لكن المقترح رفض، وهكذا فتحت الطريق أمام مصارعة انتخابية حرة، حملت مفاجآت لنا وللآخرين هددت بانهيار التوازنات القائمة وفقدان الحزب الحاكم هيبته وهيمنته ومن ثم ازدادت الشكوك وتنامت عوامل التوتر وردود الأفعال، وزادها تأجيجا من لهم مصلحة في قمع الحركة ومواجهتها .. بينما في وضع مشابه - في ثلاثينيات القرن الماضي - دعا رئيس وزراء مصر الإمام حسن البناء، وقد علم أنه يزمع الترشح للانتخابات، فأفهمه أن وضع البلاد وهي تحت الاحتلال لا يحتمل مشاركته عارضا عليه بدائل أخرى قبلها الإمام، بما أنقذ الموقف وحافظ على الاستقرار. كما نقل عن الملك المغربي الراحل أنه بلغه أن إسلاميي الجماعة الإسلامية - وهم اليوم كوادر حزب العدالة والتنمية زعماء المعارضة في البرلمان - يزمعون الإعلان عن تشكيل حزب إسلامي ( سنة ۱۹۹۲م)، فأرسل إليهم مستشاره أحمد بن سودة، فقال لهم ما معناه: أنتم ترون ما يحدث في الجزائر وإذا رخصنا لكم بحزب الآن فليس ذلك من مصلحتنا ولا مصلحتكم، ولذا لا يمكننا الترخيص لكم حالياً، ويمكن النظر في الموضوع بعد إجراء الاستفتاء في الصحراء
نقلا عن د. عبد السلام البلاجي. وقد فهموا الرسالة، وأجلوا مبادرتهم، حتى حان حينها، فتجنب المغرب كارثة شبيهة بما حصل في تونس.
● تحديث مغشوش
لقد ظل إسلاميو تونس باستمرار - بحكم اعتدالهم - باحثين عن تسوية مع الدولة، لكنهم لم يجدوا منها استعدادا للحوار ليندمجوا في المنتظم السياسي بدل قمعهم بما حرم بلدنا من ريادة وتوفير طاقات التنمية أولى بها.
والسؤال: إلى متى تستمر الدولة في اعتماد سياسة تقوم على تسليط التونسي على التونسي، يكيد له ويطارده داخل البلاد وخارجها، وتشحن القلوب والعقول بالأحقاد والثارات وتبدد الثروات في مراكمة وسائل القمع بدل وسائل النمو؟
لقد وضع البلد في مشروع فوقي للتحديث العنيف المغشوش على طريق التفكك والتوتر المنذرين بأشد الأخطار، فهو الأول عربيا في نسب الطلاق والعزوبية والتدخين والانتحار وتدهور نسبة زيادة النسل، لدرجة استشراف شيخوخة للمجتمع، والاضطرار لإغلاق عديد من المدارس بسبب انخفاض عدد الأطفال الملتحقين لأول مرة بالمدرسة بحوالي سبعين ألف طفل عن السنة التي قبلها، إضافة إلى التفاوت المجحف في التنمية بين الجهات والتفاوت المتزايد بين الفئات والحجم المخيف لنسب البطالة وما تفرزه من أمراض اجتماعية كالانحراف والتفكك الأسري وتنامي الأوبئة ومنها المخدرات... إلخ. كما أن الأمراض والآفات التي تهدد نسيج مجتمعاتنا بالتفتيت ليست قليلة، والإجراءات والسياسات المتبعة بعيدة عن تحقيق المناعة الاجتماعية والتنمية المتوازنة والرخاء والأمن الاجتماعي لقصور في أسسها ووجهتها ولاعتمادها أساليب الإكراه.
ومرة أخرى بدل أن تجدد الانتخابات الشرعية وتطلق الأمل، لم تتحمل السلطة النقد اللاذع لانتخاباتها الشكلية التي أجرتها السنة الماضية، وهو النقد الذي نهض به عدد من الصحفيين الشجعان في دوريات محلية الموقف، والطريق الجديد، ومواطنون، وفي الصحافة الدولية ومواقع الإنترنت.. كما لم تتحمل انتقادات المناضلين الحقوقيين ومنظماتهم، فلجأت إلى الاعتقال واستخدام القضاء لفرض الصمت كما فعلت من قبل مع د. الصادق شورو، وسخرت «الإعلام» شؤون عربية الدائر في فلكها لشن حملات ضربت المثل الأسفل في الإسفاف وهتك الأعراض.
● كرامة المواطن
ولأن من عادات دولة الاستقلال ركوبها صهوة كل موجة تنبعث في الغرب، فقد ركبت تونس قطار الحداثة وحرية المرأة والاشتراكية والاقتصاد الحر والمجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنذ سنوات وهي تركب موجة الحرب على ما يسمى بـ الإرهاب، وتتخذها ذريعة لتعزيز ترسانتها القانونية المحاصرة للحريات والانخراط فيما تسميه المجهود الدولي للحرب على الإرهاب، جلبا للمساعدات وشراء للصمت فزجت بأفواج من شباب تونس في عمر الزهور في المعتقلات، وسلطت عليهم صنوفا من النكال والأحكام القاسية، وهؤلاء يكادون يغدون نسياً منسياً في أدبيات بعض مدعي الحداثة المتواطئين مع سياسات الإكراه والقمع، شأن محنة مرتديات الخمار، وكأنهم ليسوا بشراً ومواطنين مظلومين.. لولا جهود حقوقيين شجعانا تشبعوا بأن حقوق وكرامة المواطن فوق كل اختلاف وهي إما أن تكون للجميع وإما ألا تدوم لأحد..
● مبادرات حيوية
غير أنه مع ما سلط على المجتمع من ضروب المحن وسياسات الخوف فقد توالت وتصاعدت مبادراته المعبرة عن حيويته النضالية وأصالته الدينية وعمق مواريثه الإصلاحية التحررية، وتمثل أهم مظاهرها فيما يلي:
- تصاعدت في المجتمع حالات التذمر الشعبي إزاء تفشي البطالة وأخبار التمييز أو الاعتداء على المال العام، فاستأنف مبادراته الاحتجاجية رفضاً للاستغلال ومطالبة بالعدالة، ومن ذلك ما حدث السنة الماضية في منطقة المناجم، إذ انتفضت مدينة الرديف»، وتوجست السلطة شراً من هذا التحرك الجماعي خشية أن يغري مناطق أخرى مشابهة بتحرك مشابه فواجهته السلطة بكل عنف فكان القتلى والجرحى والزج بالعشرات في غياهب السجون، وتولى القضاء الباقي.
ولا يمر يوم دون وقوع إضرابات في مؤسسات كبيرة وصغيرة متنوعة.. واللافت للنظر تعدد وقائع الإضراب عن الطعام وهي خصوصية تونسية دالة على مدنية هذا المجتمع.
- شهدت السنوات الأخيرة حركة حقوقية نشطة، داخل البلاد وخارجها، لم تنتظر إذناً رسمياً للقيام بواجبها في شجب ما يتعرض له المناضلون وحتى عامة المواطنين من ضروب الانتهاك لحقوقهم.. متحملة ضروبا شتى من المحاصرة والملاحقة وحتى القمع، وقد أحرج هذا الأمر السلطة، وزاد من تشنجها وردود أفعالها العنيفة وساهم في حملها على إطلاق سراح سجناء انتفاضة المناجم ونقابييها، كما أطلق من قبلهم سراح بقية سجناء حركة النهضة بعد قضاء ثماني عشرة سنة، باستثناء رئيسها السابق د الصادق شورو الذي أعادوه للسجن بعد ثلاثة أسابيع من خروجه عقاباً له على إعلانه اعتزازه بالانتماء لحركة النهضة وتمسكه بحقه في التعبير عن رأيه.
- كما شهدت البلاد تناميا للإعلام الحر وبخاصة عبر شبكة الإنترنت - المتحرر من سيف الحجاج، رغم كل الجهود والوسائل الأمنية والتقنية، التي سخرتها السلطة لحجب المواقع وملاحقة المدونين وقطع البريد الإلكتروني وقطع خدمة الإنترنت...
وكانت مبادرة مئات من الصحفيين الجسورين بتأسيس نقابة صحفية مستقلة جزءا من حركة مجتمعية متنامية تتجه إلى رفع وصاية السلطة عن المجتمع.. وقد سارعت السلطة إلى الانقلاب عليها، كما فعلت بجمعية القضاة
- أخذت الحركة الطلابية تنتعش في سبيلها إلى استعادة دورها الطليعي في الحراك المجتمعي التحرري، وذلك رغم ما يتعرض له الطلبة من ملاحقات ومحاكمات لمنع استئناف مسيرتهم التاريخية، عوداً إلى جامعة حاملة لهموم المجتمع، وليست منعزلة عنه.
- كثيراً ما كانت الحركة السياسية تزداد ثقة وفاعلية بوجود ودعم الحركة النقابية العمالية والطلابية، ولما دجنت القيادة النقابية اتجهت السلطة إلى استهداف الحركة الإسلامية ثم الطلابية ثم استفردت ببقية الأطراف السياسية فمزقتها، أو دجنتها حتى الذين تحالفوا معها في قمع الإسلاميين.
ولأن هناك بوادر كثيرة تبشر بعودة الحركة المجتمعية، فمن المنتظر انتعاش الحركة السياسية، لاسيما وقد نجحت جماعاتها الأساسية في حركة ١٨ أكتوبر في إدارة حوار مثمر بينها أثمر عددا من الوثائق المهمة تشكل أرضية مشتركة لمعالم أساسية لتصور مجتمعي يسعى إليه الجميع بما نزع ذريعة التشتت التي اتكأ عليها البعض فشاغب لتبرير الانعزالية والاستئصال.. ولم يبق اليوم مسوغ أمام مكونات ۱۸ أكتوبر للانتظار والتردد في ترجمة مشتركاتهم إلى تدشين تحالف معارض يتسع لكل القوى المناهضة للانغلاق، والداعية لانتقال ديمقراطي جدير به شعبنا، يفتح أمامه آفاقا أرحب ووسائل أنجع المعالجة مشاكله وإصلاح أمره.
● الهم الأعظم
وباعتبار تونس جزءا من وضع عربي قد تخلف بسبب الدعم الدولي للدكتاتوريات عن السير في موكب التحولات الديمقراطي، فلا يبدو بعيدا عن الصواب أن أزمتها تشتد بما قد يغريها أو يسوقها إلى تطبيع صريح مع الكيان الصهيوني خضوعا لضغوط الخارج، وطمعاً في العطاء، وهرباً من استحقاقات الواقع وفي ضوء الخبرات السابقة يكون التساؤل: هل ستطور السلطة سياستها وتستجيب لمقتضيات العدل والصالح الوطني فتتعامل مع ملف حركة النهضة باعتباره ملفاً سياسيًا كما تفعل عموم الدول العربية والإسلامية؟ أم ستستمر في إقصائها والتعاطي معها على أنها مشكلة أمنية وعبر جهاز الأمن الذي لا يدخر أي جهد لتشديد قبضته الحديدية والتخويف من كل انفتاح إعلامي أو سياسي أو حقوقي أو نقابي؟ وهل تراها ستعمد إلى تخليق كيانات مصطنعة بديلة، كما فعلت مع تيارات أخرى؟
لقد انبعثت في السنوات الأخيرة صحوة دينية واسعة اخترقت كل الفئات والجهات تؤكد تشبث التونسي بالبقاء ومواجهة أخطار تفكك مقومات شخصيته، وتشهد على عمقه الديني وفشل الحل الأمني في تجفيف ينابيعه فهل ستستمر السلطة في رفض التعامل السياسي مع هذا التيار المتعاظم متذرعة بمنطق أمني تجزيئي - عبر القمع والمحاكمات - يستدرج الضحايا إلى القبول به فيسلخون عشرات السنين من أعمارهم في المطالبة بالخروج من السجن الضيق ليجدوا أنفسهم، وقد نقلوا إلى ما يشبه السجن الموسع فيبدأ نضالهم لاستعادة الدرجة الأولى من الحقوق كالحق في العمل والتنقل والعلاج، فضلا عن الحقوق الأخرى: كالحق في الكلام، وقد أعيد الشيخ الصادق شورو إلى السجن لأنه تجرأ على
ممارسة هذا الحق. وما إن أخذت السجون الضيقة تخلى من «النهضويين»، ليحل محلهم جيل آخر من الإسلاميين حتى بدأ مئات المهجرين يطالبون بحق العودة، فلم يجدوا غير التعامل الأمني وأساليب الابتزاز والمساومات والعودة المحفوفة بالأخطار.. وهكذا، برزت مخاوف من تقليص مطالب النضال السياسي والحقوقي إلى مطالب حقوقية جزئية تتبدد فيها الأعمار بدل الاتجاه بإرادة جماعية إلى معالجة القضية الكبرى قضية الحريات فتتضاءل الاختلافات في مواجهة الهم الأعظم.
● الإصلاح الذاتي
إن فرص التسعينيات التي قدمت سنداً للقمع، ومنها تأزم المحيط التونسي والازدهار الغربي يتسارع تراجعها بما يراكم أسباب أزمة لا ينجي منها غير التعامل السياسي مع الملفات السياسية بديلا عن الحلول الأمنية، وذلك بالإقدام على إصلاحات حقيقية تبدأ بإطلاق سراح السجناء واسترداد حقوقهم وعودة المهجرين وإطلاق حرية الصحافة والأحزاب والجمعيات بما يفسح المجال أمام حوار عام حول الخيارات الكبرى لا يقصي طرفا، ويفضي إلى إصلاحات دستورية وقانونية تنهي تمركز السلطات وتكرس الفصل بينها وتوازنها واستقلالها، وتحترم المجتمع المدني وتدعم اللامركزية على كل المستويات الوطنية والجهوية، وتوقف - أو على الأقل تحد - من النهب.
شيء من هذا بدأ يحدث في المغرب وليبيا، إذا تواصل فيمكن أن يمثل سابقة في الإصلاح الذاتي الذي يجنب البلاد الهزات والأزمات.. فهل سيشهد العام الجاري (۲۰۱۰م) في بلادنا وأشباهها إصلاحات جادة لا مناص منها، سواء فرضتها تحركات شعبية تقودها جبهات وتحالفات ديمقراطية أم مبادرات جادة من قبل أهل الحكم؟ وهل سيغادر العمل المعارض مواقع التشرذم متجها إلى أصل الداء؟ أم سيحبس في مطالب جزئية تتفنن في براعة الخطاب، بينما الأزمة تتفاقم، ومصائر البلاد لعقود قادمة تطبخ في مطابخ خارج البلاد وداخلها لنفاجأ بالمجهول لا قدر الله؟