العنوان حقيقتان تغافل عنهما الكثيرون
الكاتب عبدرب الرسول سياف
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1996
مشاهدات 48
نشر في العدد 1204
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 18-يونيو-1996
مما لا شك فيه ولا جدال معه أن أعداء الأمة يتربصون بها الدوائر، وأن الملة الكافرة بأسرها تسعى متوسلة بجميع ما تيسر لها من إمكانات أن تذل الأمة الإسلامية، وألا تترك لها فرصة لكي ترفع رأسها، وتجدد حياتها، وتبني كيانها على وجه الأرض من جديد.
ولعل أوضاعنا الراهنة، وما يقوم به الأعداء الآن من حيل ومكائد لخير شاهد، وأصدق دليل على هذا الأمر، ويظن البعض أنه بالإمكان أن تتغير نظرة الأعداء تجاهنا، ويتبدل عداؤهم إلى حب وصداقة إذا بذلت الجهود في هذا المجال وتذلل لهم المسلمون وتزلفوا، لذلك فإننا نجد بعض المحاولات لكسب رضا الأعداء وجلب صداقاتهم، لكن الواقع يبرهن على فشل هذه المحاولات، وأنها لم تسفر ولن تسفر إلا عن الذل والهوان، والوقوع في أحضان الأعداء أكثر فأكثر، ومع أن المنهزمين والمتزلفين يرون خناجر الأعداء وسيوفهم تمر فوق أعناقهم وأعناق شعوبهم، إلا أنهم يكذبون أعينهم، ويخدعون شعوبهم لضعف وانهزام في نفوسهم.
ولو أن هؤلاء كانوا يدركون ويعلمون ما أخبر الله به في هذا المجال، ويؤمنون به حق الإيمان، ويعملون بما يؤمنون به لما وقعوا في مثل هذه الأخطاء، ولما تركوا أمتهم تستعبد، وتستهان، وتنجرف وراء وعود الأعداء وأكاذيبهم، والله- سبحانه وتعالى- يقول: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120).
فالذين يسعون للحصول على رضا اليهود والنصارى لن يحصلوا كما ذكر ربنا على هذا، إلا بعد أن يدفعوا الثمن، والثمن هو ثمن باهظ، ويتمثل في التنازل عن الدين، وهذا يعني التنازل عن الحرية، والعزة، والإباء، والإنسانية، والرجولة، بل وحتى الآدمية.
فتصور بقاء المسلم على إسلامه مع رضا اليهود والنصارى عنه تصور باطل، يرده القرآن بوضوح، ووقوع أمر خلاف ما أخبر به القرآن أمر مستحيل، فالذين يسعون لكسب رضا هؤلاء مع ظنهم بأن هذا يحفظ عليهم دينهم، إما أنهم غافلون عن هذه الحقيقة القرآنية؛ فيسعون وراء المستحيل، وإما أنهم يعرفون ذلك، ولكنهم يتجاهلون، ويخدعون أنفسهم وأمتهم، وفي كلتا الحالتين هم الخاسرون.
والحقيقة الأخرى التي أخبر بها القرآن هي أن الأعداء لن يكفوا عن قتالنا في حين من الأحيان، إلا أن يردونا عن ديننا- لا سمح الله- وهذا يوجب على المسلمين ألا يفكوا حزامهم ويسترخوا، وإنما يجب أن يكونوا منتبهين حذرين، ومستعدين ليل نهار لمقابلة معارك الأعداء الظاهرة، وكيدهم ومكرهم الخفي؛ لأن الله- عز وجل- قال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: 217)، فتصور بقاء الكافرين معنا في دائرة السلم- مع كوننا مسلمين- تصور باطل يرده القرآن، ويعلن كذبه وبطلانه، والله هو العليم الخبير، وإن الله- سبحانه وتعالى- أخبرنا عن استمرارية قتال الأعداء ضدنا ما دمنا ثابتين على ديننا، فمعارك الكفار قائمة ضد المسلمين بحكم ما أخبر الله به، وحدوث أمر خلاف ما أخبر به القرآن مستحيل، فالذين يظنون أن مساعيهم الجميلة- على حد تعبيرهم- تمنع الكفار من قتال المسلمين مع بقاء المسلمين على دينهم، إما أنهم غافلون عن هذه الحقيقة القرآنية الثابتة، أو أنهم يتجاهلون ويخدعون أنفسهم وبني أمتهم، ويشعرونهم بالخطأ أنهم في مأمن من قتال الأعداء وكيدهم، وهذا ظلم عظيم يرتكبه هؤلاء مع أنفسهم ومع أمتهم، ومع أبناء أمتهم، وإن هذه المساعي لن تأتي إلا بذل وهوان وخسران في الدنيا والآخرة، وإذا أردنا أن نعيش مسلمين أحرارًا أعزاء فلنضع أنفسنا في ضوء ما أخبر به الله- عز وجل- وإخباره صدق وحق لا خلاف فيه، ولنستعد لمقابلة كيد الأعداء ومكرهم، ولنعد القوة التي نرهب بها أعداء الله وأعداءنا، وإن التاريخ لخير شاهد على أن المسلمين متى ما كانوا أقوياء غير متذللين للأعداء كانوا أعزاء أحرارًا، ولم يكن الأعداء يجرؤون عليهم.
وأريد هنا أن أؤكد على أني لا أقصد بهذه العبارات أن تقطع الأمة الإسلامية والبلاد الإسلامية علاقاتها مع غيرها من الدول الأخرى؛ لأن المسلمين يجوز لهم أن تكون بينهم وبين غير المسلمين علاقات، وسفارات، وعقود، واتفاقيات، ولكني أقصد من بيان هذه الأمور أن لا يغفل المسلمون عما يكنه الأعداء لهم، وألا يطمئنوا إلى الأعداء مهما لانت لهجتهم، ومهما لطفت معاملتهم؛ لأن ما أخبر به القرآن حق لا يحدث خلافه، فيجب على المسلمين أن يجددوا النظر في واقعهم، وأن يسعوا إلى إعداد أنفسهم، وأن ينفقوا أموالهم في بناء كيانهم بدلًا من السعي لإرضاء أعدائهم، لأن تقديم الأموال للأعداء- كما هو الوضع عليه الآن- لن يمنعهم من عدائنا، بل يقويهم ضدنا، ولن نستفيد منه إلا استفادة المريض من الحبوب المسكنة.
(*) سياسي ومفكر أفغاني ورئيس اتحاد إسلامي أفغانستان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل