; حكايات أفغانية بطاقات من زيارة ميدانية لأرض المجاهدين | مجلة المجتمع

العنوان حكايات أفغانية بطاقات من زيارة ميدانية لأرض المجاهدين

الكاتب تميم العدناني

تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984

مشاهدات 66

نشر في العدد 683

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 18-سبتمبر-1984

لقد وفقني الله عز وجل للسفر خلال شهر رمضان المبارك إلى بشاور ومنها إلى داخل أفغانستان للمشاركة في الجهاد في سبيل الله على أرض أفغانستان؛ فكان  حقًّا علينا جميعًا أن نقف بجانبهم ونشد من أزرهم ونجاهد معهم بأنفسنا وأموالنا امتثالًا لقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 111)

  • زيارة في رمضان

اتجهت مع بعض الإخوة الذين أرادوا الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وكان ذلك في ليلة الأول من رمضان ووصلنا مطار إسلام أباد ثم سافرنا فورا إلى بشاور بالطائرة أيضا رغم أن المسافة بين إسلام أباد وبشاور لا تزيد عن 180 كيلومترًا فقط. ووصلنا عصرًا وكما توقعت فإن الأستاذ سياف أمير المجاهدين لم يكن في بشاور وإنما كان في جبهة «جاجي» داخل أفغانستان للجهاد في سبيل الله والإشراف بنفسه على سير المعارك، وقد أخبرني أحدهم بأنه طلب منه إرسالنا إليه في الجبهة حالما نصل. وفي صباح يوم الجمعة غادرنا بشاور فيسيارة المجاهدين لنصل إلى بلدة تري منجلًا على الحدود الأفغانية حيث بدلنا السيارة بسيارة أخرى أحسن منها صعدت بنا الجبل لتدخل أفغانستان الحبيبة المسلمة والتي ستبقى مسلمة بإذن الله تعالى رغم أنف الشيوعيين. وصلنا عند أذان المغرب إلى معسكر المجاهدين في جاجي وما أن رآني الحراس حتى أخبروا الأستاذ سياف بوصولي فاستدعاني إليه في الحال حيث رحّب بي ودعاني للإفطار معه ومع بعض قادته الذين كانوا معه في الخيمة، وبعد الإفطار وأداء الصلاة تذكرت أن معي سطلين من الكيك والحلوى أعدتها إحدى الأخوات للمجاهدين. وسارعت بتقديم الكيك والحلوى للمجاهدين الذين تقاسموها بينهم ثم رفع الأستاذ سياف يديه إلى السماء فدعا الله تعالى. وبعد أن صلينا العشاء والتراويح خلف الأستاذ سياف استأذنت منه للذهاب والنوم في خيمة الشباب العرب، وهي خيمة كبيرة مليئة بالشباب العرب الذين جاءوا للجهاد في سبيل الله مع إخوانهم من الأفغان، إلا أنه أكرمني أيما إكرام فقد أمر على أن أكون ضيفه الخاص فأبقى معه وأبيت معه في خيمته الخاصة، خيمة القيادة.

  • سياف المجاهد

وفي صباح اليوم الثالث صعدت إلى أعلىالجبل مع الأستاذ سياف وبعض قادة المجاهدين حيث كان يوجد مدفع «زيجو ياك» ذو فوهتين مضاد للطائرات، وما كدنا نصل إليه حتى سمعنا أزيز الطائرات فوق رؤوسنا وأسرع الأستاذ سياف يأخذ مكانه خلف المدفع ثم يطلق لهيبًا من الحمم على طائرات الأعداء وهو يدعو ربه ويقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ (الأنفال: 17). وقد علمت من بعض المجاهدين أن الأستاذ سياف قد أسقط بنفسه طائرة هليوكوبتر مصفحة قبيل وصولنا الى جبهة «جاجي». وبقينا في موقع هذا المدفع المضاد للطائرات الى ما بعد العصر والطائرات تروح وتغدو وهي تلقي بقنابل النابالم الحارقة والمحرمة دوليًّا تحرق بها الأخضر واليابس وتشعل بها الغابات لترتفع ألسنة اللهيب إلى عنان السماء. ومع ذلك كله، وعلى الرغم من عشرات القنابل التي كانت تلقى علينا كل يوم فقد كان الله عز وجل يكرمنا دائمًا بأن تسقط هذه القنابل معظمها بعيدًا عن المجاهدين.

وفي صباح يوم الأحد الرابع من رمضان علمت بذهاب بعض الإخوة العرب مع المجاهدين إلى الداخل لمهاجمة القلعة المحاصرة التي يحتلها الروس والأفغان الشيوعيون فاستأذنت الأستاذ سياف في أن أذهب معهم لأنال شرف الجهاد في سبيل الله والمشاركة في المعركة عن قرب ولكنه رفض في بادئ الأمروقال: بل تبقى معي للضرب على الطائرات، ولكنه بعد إلحاح شديد مني وافق وأرسلني مع بعض الإخوة المجاهدين من العرب والأفغان، وسارت بنا سيارة المجاهدين قرابة نصف ساعة ثم وصلنا إلى مكان لا يمكن للسيارة أن تسير فيه فنزلنا من السيارة ونحن نحمل أمتعتنا وأسلحتنا وانطلقنا نصعد جبلًا عاليًا كبيرًا ثم نهبط منه بعد ذلك ونسير قليلًا لنصل إلى أحد المراكز الأمامية للمجاهدين. وبقيت في هذا المركز أربعة أيام متوالية، وكنا نخرج كل يوم في دوريات بالقرب من القلعة للاشتباك مع الأعداء، وكنت ألاحظ دائما أن المجموعة التي أكون فيها لا تشتبك مع الأعداء بعكس المجموعات الأخرى، وشعرت أن هذا الأمر مدبر بهذا الشكل من القائد وحاولت أن أقنعه بإشراكي مباشرة في القتال، ولكن محاولاتي كلها باءت بالفشل، وذهبت أدراج الرياح، فما كان مني إلا أن أرسلت رسالة شفوية للأستاذ سياف أشكو إليه فيها المسئول وما فعله معي من عدم إشراكي في المعارك.

  • مشاركة عملية

وجاءني الرد السريع من الأستاذ سياف وكان  ردًا عمليًّا فقد أرسل أحد الضباط الذين انضموا إلى المجاهدين ووضعوا خبراتهم العسكرية كلها في خدمة الجهاد وكلفه بأن يصحبني إلى قائد أحد المواقع وكان بطلًا من أبطال المجاهدين، وكان يقوم مع مجموعته بعمليات هجومية كل ليلة على قلعة الأعداء. وذهبت عصر يوم الأربعاء السابع من رمضان مع الضابط «وهو برتبة كابتن» واثنين آخرين من المجاهدين حضرًا معه من معسكر القيادة لمرافقتي إلى مقر القيادة. ووصلنا إلى هناك قبيلالمغرب حيث التقيت للمرة الأولى بالمجاهد البطل «قائد الموقع» الذي سمعت عنه وعن بطولاته الشيء الكثير، وسرعان ما كنا نصعد الجبل الذي يفصل بيننا وبين قلعة الأعداء «وهي قلعة محصنة كبيرة جدًّا إذ يبلغ طولها (2) كيلومتر وعرضها (ا) كيلومتر وتحيط بها حقول الألغام من جميع الجهات». وما أن وصلنا أعلى الجبل حتى طلب مني القائد أن أبقى مع الكابتن ومع رامي الهاون لمساعدته في إطلاق العديد من قذائف الهاون على القلعة لتغطية تقدم المجاهدين نحو القلعة، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة أن أقنع القائد بأن يسمح لي بالذهاب معه ومع مجموعته للاشتراك في الهجوم المباشر على القلعة ولكن دون جدوى فقد كنت كمن ينفخ في قربة مقطوعة. وانصرف القائد بسرعة وبدأنا إطلاق الهاون على القلعة وأخذ الكابتن يطيب خاطري ويؤكد لي أن قذائف الهاون التي تطلقها الآن على القلعة أشد خطرًا على الأعداء وأكثر فتكًا بهم من أي سلاح آخر. وبعد أن أطلقنا آخر طلقة هاون بقليل بدأ هجوم القائد ومجموعته على القلعة مباشرة بالمدافع عديمة الارتداد وبالرشاشات، واستمرت المعركة إلى ساعة متأخرة من الليل، وعلمنا فيما بعد من بعض الأسرى من الجنود الأفغان الحكوميين الذين انضموا إلى المجاهدين بعد هروبهم من القلعة أن عدد القتلى والجرحى في تلك الليلة قد وصل إلى (35) بين قتيل وجريح.

  • عودة وبشريات

عدت مع الكابتن إلى مقر القيادة ومنها إلى مقر القيادة الرئيسي وكانت الساعة آنذاك حوالي الثانية بعد منتصف الليل، وهناك كانت المفاجأة تنتظرني، فقد وجدت أحد كبار المستشارين العسكريين للأستاذ سياف ومعه أربعة منحراس سياف الخصوصيين بانتظار عودتي بفارغ الصبر، حيث طلبوا إليّ أن أعود فورًا إلى معسكر القيادة عند الأستاذ سياف بناء على طلبه. وحاولت تأجيل العودة إلى الصباح لأنني كنت متعبًا جدًّا من صعود الجبال ونزولها ولكنه أصر على سفرنا فورًا حتى نصل عند الفجر قبل أن تبدأ الطائرات هجومها المعتاد. وفعلًا انطلقنا في الحال عائدين إلى معسكر القيادة وفي الساعة الخامسة والنصف من صباح الخميس الثامن من رمضان وصلنا إلى حيث كانت السيارة تنتظرنا، وبعد نصف ساعة تقريبًا كنا في معسكر القيادة حيث دخلت في الحال إلى خيمة القيادة حيث كان الأستاذ سياف ينتظرني. وشكوت إليه قادته هناك وكيف أنهم لم يشركوني في القتال المباشر وإذا بسياف يضحك وهو يقول لي: أنا الذي أمرتهم بذلك حرصًا على حياتك!! فسألته لماذا استدعاني من الجبهة ولم يتركني هناك مدة أطول فقال: عندي لك مفاجأة سارة أحببت ألا تفوتك. ولما سألته عن هذه المفاجأة السارة أخبرني بأنهم حصلوا على عدة صواريخ أرض أرض وسوف يقومون بإطلاق ثلاثة منها عصر اليوم على قلعة الأعداء بحضور عدد من الضيوف الذين وصلوا الليلة من بعض البلدان الإسلامية. وفعلا ذهبنا عصر ذلك اليوم في عدة سيارات جيب إلى جبل مرتفع يشرف على قلعة الأعداء من بعد، وتم إطلاق الصواريخ الثلاثة التي أصابت أهدافها إصابة مباشرة ولله الحمد وقتلت من قتلت وجرحت من جرحت من الأعداء كما بثت الرعب في قلوبهم ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ  وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾ (الأنفال: 17) 

يتبع في العدد القادم

الرابط المختصر :