; حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر | مجلة المجتمع

العنوان حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2011

مشاهدات 57

نشر في العدد 1936

نشر في الصفحة 45

السبت 22-يناير-2011

عظيم هذا الإسلام وبديع هذا الدين الذي بزغ من الأكوان، وجاء رحمة للعالمين، وأحاط بالحياة الإنسانية، وسطر لها دستور سعادتها، ومهد لها طريق هدايتها، وأنار أمامها دربها الأمين وصراطها المستقيم، ومنحها نظاماً شاملاً يتناول مظاهر الحياة جميعها بتعاليمه القيمة، وهدايته الغامرة التي تستوعب الحياة كلها، ويملأ آفاق الكون، ويغطي أقطار المعمورة بأنواره الكاشفة وحلاه الناضرة،  وانساح في أعماق الزمان، وتجلى في أرواح الإنسانية؛ فأنشئها نشأة جديدة، وصيرها خلقاً آخر بوحي الله وهداه، فتبارك الله أحسن الخالقين ولهذا، جاء الإسلام فمنح أفراده كل هذا الزخم، فانتشلهم من العدم إلى الوجود ومن الجهالة، فجعلها خير أمة أخرجت للناس، وصدق الله: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ } (الأنعام:١٢٢)، فكانت حياة، ولكن بأنوار وشموس ساطعة أنارت العالمين، وعلمتهم كيف تعاش الحياة، وكيف تسعد الإنسانية وتتآخى.

وفي يوم من الأيام، جاء رسول كسرى إلى المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية آنذاك، لمقابلة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (ص)، فسأل عن قصره، قالوا، ليس له قصر، سأل عن حصنه، قالوا : ليس له حصن، قال : فأين يسكن ؟ فأشاروا إلى بيت أمير المؤمنين، فلما دنا منه إذا هو كأبسط بيوت فقراء المسلمين، فقال لأهله أين أمير المؤمنين ؟قالوا : هو ذاك الذي ينام تحت الشجرة، فلما دنا منه وجده نائماً في ملابس بسيطة تحت ظل شجرة قريبة، فقال مقولته الشهيرة: «حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر».

يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم، يمدح سيدنا عمر رضي الله عنه في هذا الموقف:

وراع صاحب كسري أن رأى عمراً

بين الراعية عطلاً وهو راعيها

وعهده بملوك الفرس إن لها

سوراً من الجند والحراص يحميها

رآه مستغرقاً في نومه فرأى

فيه الجلالة في أسمى معانيها

فوق الثري تحت ظل الدوح مشتملاً

ببردة كاد طول العهد يبليها

فهنا في عينه ما كان يكبره

من الأكاسر والدنيا بأيديها

وقال قولة حق أصبحت مثلاً

وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها

أمنت لما أقمت العدل بينهم

فنمت نوم قرير العين هانيها

لهينك نومك يا عمر ..فوالله لقد أتعبت الحكام..

حكم عمر رضي الله عنه بالعدل؛ فنام تحت شجرة بغير حرس ولا حراس، ولا مخابرات ولا كتائب من الجنود المدجاجين بالسلاح، حكم الفاروق بالعدل؛ فأمن رعيته، وجار حكام الزمان؛ فعادوا شعبهم، حتى صار الشعب أول أعداء الحاكم الذي عض على الكرسي بالنواجذ، وقدم بخبراء التعذيب من كل حدب وصوب، نكل بالبعض لمطالبته بلقمة العيش وهو عن السياسة أبعد ما يكون، أعد مقابر جماعية لدفن من طالب بتعديلات أو إصلاحات، نفي واعتقل من جمع حوله رأياً شعبياً، لم يدع لصاحبنا سبيلاً لقتله الآن فأجله إلى حين، حكام لم يحكموا بالعدل؛ فلم يذوقوا طعم الأمان.. وبعد، هل يخشانا الحاكم، أم أنه يذلنا حتى نخشاه، وترتعد فرائصنا ونسكت عن انتهاكاته ومخازيه؟

هل حاكمنا من أبناء أرضنا وشعبنا فعلاً، أم أنه من أعدائنا والمتربصين بنا؟

ما أولويات الحاكم؛ شعبه أم عرشه، العاملون في الأمة والمخلصون أم المنافقون والمفسدون؟

معتقلات البلاد العربية وجرائمها تشهد أن ملايين من أبناء مجتمعنا وطبقته الواعية المفكرة قد تم التنكيل بها، وحذفها نهائياً من الواجهة السياسية والمجتمعية وحتى الدنيوية، حتى صارت السياسة  من أكبر الكبائر، وماء عكراً يصطاد فيه بائعو الذمة والضمير إذا عارضت الحاكم فمصيرك الزوال،  وإذا ركبت أهواءه وطاوعته وتذللت له فأنت أقرب المقربين إليه وحاشيته، لكن ما يجعل قلبنا يعتصر من الحزن هي المعارضة «الموديون» المدجنة والمنافقون وعديمو الذمم التي أصبحت رمزاً للحرية في العالم العربي.

معارضة على مقاس الحاكم؛ ليضمن تعددية الرأي وثباته على الكرسي، ورضا الإمبراطوريات الأمريكية والأجنبية و «الإسرائيلية» حكام لم يحاربوا «إسرائيل» أو الأعداء الذين يفعلون بنا الأفاعيل، وانما يحاربون الإسلام والمسلمين وشعائر الدين، فبعد أن أنهى وزير الداخلية التونسي معاركه من أجل منع الحجاب عن التونسيات، لدرجة أن المرأة المتحجبة تخضع للمساءلة، ويوقع ولي أمرها إقرار بنزع الحجاب، ولدرجة أن بعض النساء التونسينيات عنفن داخل مقرات الشرطة، وتم تهديدهن بالاغتصاب إذا لم يمتثلن لقرار الدولة، بعد هذه المعركة دخل الوزير «الهادي مهني» فصلاً جديداً، فأعلن في مؤتمر صحفي في العاصمة عن بدء الإجراءات لترشيد الصلوات وارتياد المساجد، من خلال وضع بطاقات لكل مصل يحدد فيها المسجد الذي يجب أن يؤدي فيه صلاته، والقريب من مقر سكناه أو مقر عمله، وستحمل بطاقة الصلاة هذه اسم المصلي وصورته ومقر سكناه، واسم المسجد الذي سيؤدي به الصلاة.

ولتفعيل هذه الخطوة،  سيكون على أئمة المساجد أن يتأكدوا من أن جميع المصلين داخل قاعة الصلاة حاملون لبطاقتهم، كما يتعين على إمام المسجد طرد كل مصل لا يحمل بطاقة الصلاة، أما إذا قرر المصلي الانقطاع عن الصلاة، فعليه أن يسلم البطاقة لأقرب مركز للشرطة.

وقد شجع على هذا خنوع الشعوب الإسلامية، وعدم يقظتها لهذا الهراء وهذه الذلة  المقصودة للتركيع المسلمين وإذلالهم من قبل المستعمر الطاغوتي الظالم، وصدق أبو القاسم الشابي:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي

ولابد للقيد أن ينكسر

ومن لا يحب صعود الجبال

يعشق أبد الدهر بين الحفر

أبارك في الناس أهل الطموح

ومن يستلذ ركوب الخطر

هو الكون حي يحب الحياة

ويحتقر الميت مهما كبر

وأخيراً هب الشعب التونسي، وفر الطاغية، وهكذا الشعوب الحية التي تنفض الغبار وتنهد للحرية، تعطي الطغاة الدروس والعبر، وتحرقهم ليبدوا بهم الظلام الذي زرعوه في الأمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل