العنوان حكم البكاء عند سماع القرآن
الكاتب سلمان سعید
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1975
مشاهدات 97
نشر في العدد 254
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 17-يونيو-1975
حكم البكاء عند سماع القرآن
إن التأثر والبكاء عند سماع القرآن سمة لعباد الله- من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين- قال الله- سبحانه وتعالى- بعد أن ذكر في الكتاب إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم: 58)
وقال أيضًا: ﴿تَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ* وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ* وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ* فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (المائدة:82-83-84-85) وقال أيضًا في الذين أوتوا العلم: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: 109) من الإسراء وقال أيضًا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (سورة الزمر: ٢٣).
وقال الله -سبحانه وتعالى- في أهل الغفلة منكرًا عليهم فعلهم: ﴿أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (سورة النجم: 59-61).
وجاءت أحادیث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في البكاء، منها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم ظل إلا ظله: الإمام العادل، شاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، هذا مما انقلب على بعض الرواة. الصحيح الثابت عند «البخاري» وغيره من الأئمة: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، ورجل ذکر الله خاليًا ففاضت عيناه» (متفق عليه).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (أخرجه الترمذي).
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم» (أخرجه الترمذي) (والنسائي وأحمد).
أولًا- المعنى اللغوي للبكاء:
قال صاحب مختار الصحاح: (بكى) يبكي بالكسر (بكاء) وهو يمد ويقصر، فالبكاء بالمد الصوت، وبالقصر الدموع وخروجها و(أبكاه) إذا صنع ما يبكيه، و(تباکی) تكلف البكاء). أ هـ.
ويقال بكى يبكي بكاء وبكيًا، قال الخليل: إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن، أي ليس معه صوت، ومنه قول الشاعر:
بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل.
ثانيًا- صورة البكاء التي كان عليها الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم-.
(والبكا) بالقصر أي حزن القلب، ودمع العين فقط، بغير صوت أو نشيج هو الذي كان يصدر أحيانا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعون لهم بإحسان عند سماع آيات الله، وإليك بيان هذا الأمر:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا، فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فخطب، فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية» اللؤلؤ والمرجان ج (٣) رقم الحديث (١٥١٨) قال الإمام النووي في شرح مسلم: «فيه الحث على الاقتداء به -صلى الله عليه وسلم- والنهي عن التعمق في العبادة، وذم التنزه عن المباح، شكًا في إباحته، وفيه حسن المعاشرة بإرسال التعزير والإنكار في الجمع، ولا يعين فاعله، فيقال ما بال أقوام ونحوه، وفيه أن القرب إلى الله -تعالى- سبب العلم به وشدة خشيته، وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فوالله لأنا أعلم بالله وأشدهم خشية، فمعناه أنهم يتوهمون أن رغبتهم عما فعلت أقرب لهم عند الله، وأن فعلي خلاف ذلك، وليس كما توهموا، بل أنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية، وإنما يكون القرب إليه -سبحانه وتعالى- والخشية له على حسب ما أمر، لا بمخيلات النفوس وتكلف أعمال لم يأمر بها» أ هـ.
فالرسول -صلى الله عليه وسلم- أعلم الناس بالله -تعالى-، وأشدهم له خشية، ومع هذا فكان بكاؤه عند سماع القرآن بدمع العين، وحزن القلب فقط، كما هو واضح بنص الحديث، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اقرأ عليَّ» قال: قلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أشتهي أن أسمعه من غيري» قال فقرأت النساء، حتى اذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ - قال لي: «كف» أو «أمسك» فرأيت عينيه تذرفان، اللؤلؤ والمرجان ج (1) رقم الحديث (٤٦٣).
وهذا الحديث دليل واضح أن الرسول عندما بكى تأثرًا من قراءة ابن مسعود للنساء لم يخرج صوتًا ولا نشيجًا، وإنما ذرفت عيناه فقط، ولم يعلم بذلك ابن مسعود -رضي الله عنه- حتى نظر الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن قال له «حسبك» أو «كف» أما ما جاء في حديث عبد الله بن الشخير قال: «رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي، وفي صدره ازيز كازيز المرجل، من البكاء» (رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي).
فهذا خصوصية للرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه -صلوات الله وسلامه عليه- عندما يبكي يخرج لصدره صوت كصوت القدر الذي يغلي وتلك كخاصية تسبيح قلبه كما جاء في الحديث: «يا عائشة تنام عيناي ولا ينام قلبي». والله أعلم.
وعن ابن عمر، قال: لما اشتد برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعه قيل له، الصلاة، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء. قال: «مروه فليصل»، فعاودته فقال: «مروة فليصل، إنكن صواحب يوسف» رواه البخاري وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما قالت: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم قيل لها: فإن أناسًا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًا عليه فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. التفسير الواضح عند الآية ۲۳ من سورة الزمر.
وقال ابن القيم -رحمه الله- تعالى: «وأعلم وفقك الله أن قلوب الصحابة كانت أصفى القلوب وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع» تلبيس إبليس ص ۲۸۰ أ.هـ
ثالثا: أقوال العلماء في البكاء:-
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (مريم: 58)
«أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة حمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة»
وقال صدیق حسن خان نقلًا عن الزجاج في تفسيره لهذه الآية: «قد بين الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آیات الله بكوا وسجدوا خضوعًا وخشوعًا وخوفًا وحذرًا». فتح البيان ص ٣٦ المجلد ٦.
وقال سيد قطب رحمة الله تعالى: «أولئك الأتقياء الحساسون الذين تفيض عيونهم بالدمع وتخشع قلوبهم لذكر الله» وذلك عندما تتلى عليهم آيات ربهم وخالقهم- الرحمن- -سبحانه وتعالى-.
وقال صاحب البيان في مقاصد القرآن في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة: 83) «والمعنى أنهم عرفوا بعض الحق فاشتد بكاؤهم منه فكيف إذا عرفوه كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة» المجلد الثالث ص ٧٦.
وقال سيد قطب عليه رحمة الله تعالى في الظلال عند تفسيره لهذه الآية: «هذه الفئة من الناس، الذين هم أقرب مودة للذين آمنوا.. إنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول من هذا القرآن اهتزت مشاعرهم ولانت قلوبهم وفاضت أعينهم بالدمع تعبيرًا عن التأثر العميق العنيف بالحق الذي سمعوه، والذي لا يجدون له في أول الأمر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير- وهي حالة معروفة في النفس البشرية حين يبلغ بها التأثر درجة أعلى من أن يفي بها القول، فيفيض الدمع ليؤدي مالا يؤديه القول، وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق العنيف».
وقال ابن كثير -رحمه الله- تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: 109)
«أي خضوعًا لله -عز وجل- وإيمانًا وتصديقًا بكتابه ورسله ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: 109). أي إيمانًا وتسليمًا.
وقال الشوكاني في فتح القدير عند تفسيره لهذه الآية: وكرر ذكر الخرور للأذقان لاختلاف السبب، فإن الأول لتعظيم الله سبحانه وتنزيهه، والثاني للبكاء بتأثير مواعظ القرآن في قلوبهم ومزيد خشوعهم، ولهذا قال: ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ (الإسراء: 109). أي سماع القرآن، أو القرآن بسماعهم له ﴿خُشُوعًا﴾ (الإسراء: 109).
أي لين قلب ورطوبة عين، وكذا قال صاحب البيان في مقاصد القرآن.
أما صاحب الظلال فيقول: «ويغلبهم التأثر فلا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ (الإسراء: 109)
﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: 109) فوق ما استقبلوه به من خشوع».
أما ما جاء في معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الزمر: 23). فيقول ابن كثير في تفسيره: هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار فهم يخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه- أحدها- أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات «الثاني» أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا بأدب وخشية ورجاء، ومحبة، وفهم وعلم.
كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (الفرقان: 73) أي لم يكونوا عند سماعهم متشاغلين لاهين عنها، بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.
الثالث - أنهم يلزمون الأدب عند سماعهم كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. لم يكونوا يتصارعون ولا يتكلفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية مالا يلحقهم أحد في ذلك ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة.
قال عبد الرزاق حدثنا معمر قال تلا قتادة -رحمه الله- ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ﴾ ( الزمر: 23) قال هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله -عز وجل- بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.
وقال صاحب فتح البيان في مقاصد القرآن: روى أن ابن عمر مر برجل من أهل العراق ساقط، فقال ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرى عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط، فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط، وعنه قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد -صلی الله عليه وآله وسلم-.
ويقول سيد قطب -رحمه الله تعالى-: «والذين يخشون ربهم ويتقونه، ويعيشون في حذر وخشية وفي تطلع ورجاء، يتلقون هذا الذكر في وجل وارتعاش، وفي تأثر شديد تقشعر منه الجلود، ثم تهدأ نفوسهم، وتأنس قلوبهم بهذا الذكر، فتلين جلودهم وقلوبهم، وتطمئن إلى ذكر الله، وهي صورة حية حساسة ترسمها الكلمات، فتكاد تشخص فيها الحركات، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، فما ترتعش القلوب هكذا إلا حين تحركها إصبع الرحمان إلى الهدى والاستجابة والإشراق.
أما ما جاء في معنى قوله -تعالى- في سورة النجم: ﴿أَفَمِنْ هَٰذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (سورة النجم: 59-61) ذكر ابن كثير وغيره فيما معناه: «أي كيف تعجبون من القرآن تكذيبًا، وتضحكون منه استهزاء مع كونه غير محل للتكذيبً ولا موضع للاستهزاء ولا تبكون خوفًا وانزجارًا لما فيه من الوعيد الشديدً وأنتم على هذا الحال من الغفلة واللهو والبهو، والتكبر، والإعراض، والخمود؟ قلت: «والله -سبحانه وتعالى- يستنكر موقف أهل الغفلة والإعراض عند سماعهم للقرآن، فما ينبغي لأهل الإيمان أن يقفوا هذا الموقف، بل الواجب عليهم عند سماع آيات الله تتلى أن يبكوا بخشوع على النحو الذي بيناه» والله أعلم. أ هـ.
رابعًا- تزيينات الشيطان لأهل البدع ومغالاتهم عند سماع القرآن: قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «هذا حديث العرباض بن سارية، وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب» قال أبو بكر الأجرى: ولم يقل: صرخنا ولا ضربنا صدورنا كما يفعل كثير من الجهال الذين يتلاعب بهم الشيطان (1)
وعن عكرمة قال: سألت أسماء بنت أبي بكر هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف، قالت: لا ولكنهم كانوا يبكون. (۲)
وعن قتادة قال: قيل لأنس بن مالك أن ناسًا إذا قرئ عليهم القرآن يصعقون، قال: ذاك فعل الخوارج. (۳)
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير، قال: جئت إلى أبي فقال لي: أين كنت؟ فقلت وجدت أقوامًا ما رأيت خيرًا منهم، يذكرون الله -عز وجل- فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله -عز وجل- فقعدت معهم، قال: لا تقعد معهم بعدها، قرآني كأني لم يأخذ ذلك في (أي لم يؤثر في ذلك)، فقال: رأیت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن لا يصيبهم هذا، أفتراهم أخشع لله من أبي بكر وعمر، فرأيت أن ذلك كذلك فتركتهم. (٤)
وعن عمران بن عبد العزيز قال: سمعت محمد بن سيرين وسئل عمن يستمع القرآن فيصعق، فقال: ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن سقطوا فهم كما يقولون. (٥)
وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت أبا عصام الرملي عن رجل عن الحسن (يعني الحسن البصري) أنه وعظ يومًا فتنفس رجل في مجلسه، فقال الحسن: إن كان لله -تعالى- فقد شهرت نفسك، وإن كان لغير الله فقد هلكت. (٦)
ومعنى التنفس هذا التأوه وإظهار التألم والتأثر للموعظة، وعن عبد الكريم بن رشيد قال: كنت في حلقة الحسن فجعل رجل يبكي وارتفع صوته، فقال الحسن إن الشيطان ليبكي هذا الآن. (۷) أ هـ.
ونخرج من هذا البحث بما يلي:
ا – أن البكاء بدمع العين وحزن القلب، وبلا صوت عند سماع القرآن صفة من صفات الذين يخشون ربهم ويخافونه ويفهمون كلامه -سبحانه وتعالى-.
٢ – أن قساة القلوب وأهل الغفلة لا تنفرج قلوبهم لذكر الله وفهم آياته؛ ولذلك فإنهم لا يصيخون سمعًا له، بل استهزاء وعنادًا وكأنه لم يقرأ عليهم.
٣– أن المتصارخين المتصايحين عند سماع القرآن الذين يبكون بالصوت والنشيج- إما أن يكونوا مبتدعين مرائين يحبون أن يشهروا أنفسهم بالصلاح والتأثر، وإما أن يكونوا جهلة بمعنى البكاء وصورته التي حث عليها القرآن وطبقها رسول الله وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.
وبعد هذا البيان أدعوك أخي المسلم إلى التزام حدود الله -سبحانه- وذلك بتدبر كلامه، وخوف لقائه حتى يخشع قلبك، وتدمع عينك، وأحذرك ونفسي من تكلف ما ليس عندك، أو إظهار تأثرك بالصوت والنشيج؛ لأن في هذا مخالفة لأدب الإسلام وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الأطهار، ورياء وسمعة مبطلة لكل عمل صالح.
1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، تلبيس إبلیس، ص ٢84 – ٢97.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل