; حكم الحل السلمي والصلح مع الروس- الحلقة الثانية | مجلة المجتمع

العنوان حكم الحل السلمي والصلح مع الروس- الحلقة الثانية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1984

مشاهدات 56

نشر في العدد 657

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 07-فبراير-1984

كما نشرنا في العدد الثاني الحلقة الأولى من موضوع «حكم الحل السلمي والصلح مع الروس» ونتابع في هذه الحلقة الموضوع ذاته الذي يتضمن شروط المعاهدة مع الكفار ورأي الشرع الإسلامي فيها.

كثير من الكتاب يخطؤون عندما يكتبون عن جواز السلم ويستشهدون بالنصوص القرآنية دون معرفة المراحل التاريخية للنصوص فلا بد من معرفة التدرج في النصوص الجهادية في القرآن حتى نزلت آية السيف في سورة التوبة ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة التوبة: 36).

﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (سورة التوبة: 5) فقد قرر ابن القيم في زاد المعاد أن الجهاد كان محرمًا في مكة المكرمة... ثم مأذونًا فيه عند الهجرة، ثم مأمورًا به مع من بادأهم بالقتال. ثم مأمورًا به مع المشركين كافة.

ويقول ابن عابدين: «1»

اعلم أن الأمر بالقتال نزل مرتبًا: فقد كان صلى الله عليه وسلم مأمورًا أولًا بالتبليغ والإعراض. يقول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (سورة الحجر: 94) ثم بالمجادلة بالأحسن ﴿ادْعُ إلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة النحل: 125) ثم أذن لهم بالقتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (سورة الحج: 39). ثم أمروا بالقتال إن قاتلوهم ﴿فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 191) ثم أمروا بشرط انسلاخ الأشهر الحرم ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ (سورة التوبة: 5). ثم أمروا به مطلقًا ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (سورة البقرة: 190) ولذا لا بد من معرفة المرحلة الزمنية التي نزلت فيها الآية ولا بد من الإشارة ابتداء أنه: لا تجوز المفاوضات السياسية في مراحل الدعوة الأولى قبل أن يقوم للدعوة كيان وسلطان يحمي مبادئها. وإذا دخلت الدعوة الإسلامية في أوائل مراحلها في المفاوضات السياسية فإن المبادئ تتميع وتختلط ويلتبس على الناس مفاهميها ولا يقوم لها قائمة وتضيع الدعوة في غمرة الألاعيب السياسية والأحابيل الدولية.

وهذه الفترة تمثلها السورة الكريمة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد﴾ (سورة الكافرون: 1-3) ويمثل موقف المؤمن فيها ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (سورة الأعراف: 195-196).

لا بد من إعلان المبادئ واستعلاء الدعاة حتى يصلب عودهم على نار المحنة وتصقل أرواحهم في الصبر على الفتنة. 

وهذا كان موقف الرسول صلى الله عليه وسلم الواضح والصحابة معه في مكة المكرمة أما بعد قيام دولة للإسلام فلا مانع من عقد المعاهدات.

شروط المعاهدة مع الكفار

اختلف الفقهاء في جواز عقد صلح مع الكفار فمنهم من أجازه قياسًا على صلح الحديبية ومنهم من أجازه إذا كان المسلمون في ضعف شديد. ومنهم من لم يجز الصلح أبدًا وقالوا نسخت آية السيف كل معاهدة مع الكفار.

ولكنا نقول: يجوز للمسلمين عقد معاهدة إذا كان ذلك مصلحة للمسلمين ولكن بشرط أن لا تتضمن المعاهدة شرطًا يبطل المعاهدة أو يفسدها ومنها:

1- لا يجوز أن تتضمن المعاهدة شرطًا فيه اعتراف «2» أو إقرار الكفار على شبر من أراضي المسلمين لأن أرض الإسلام ليست لأحد فلا يحق لأحد أن يفاوض عليها. وهذا الشرط يبطل العقد لأن الأرض الله ثم للإسلام فلا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك غيره ولا بيع لابن آدم فيما لا يملك ولذا بالنسبة للروس لا يجوز التفاوض معهم حتى ينسحبوا من كل شبر من أراضي أفغانستان.

2- كل شرط تضمن تعطيل شريعة الله أو إهمال شعائره فهو باطل فلا يجوز للروس أن يتدخلوا في نظام الحكم لأن هذا إفساد للجهاد وهدفه. 

لا يجوز أن يتضمن العقد شرطًا فيه إذلال للمسلمين أو يشعر بهذا: كما جاء في الحديث عن الزهري «3» «قال: لما اشتدت على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن أبي عوف المزني -وهما قائدا غطفان- فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهما الصلح، ولم تقع الشهادة فلما أراد ذلك بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما فيه فذكر الحديث مفصلًا وفيه: قد علمنا أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فهل ترون أن ندفع إليهم شيئًا من ثمار المدينة؟ قالوا يا رسول الله إن قلت عن وحي فسمعًا وطاعةً وإن قلت عن رأي فرأيك متبع، كنا لا ندفع إليه تمرة إلا بشرى أو قرى ونحن كفار وقد أعزنا الله بالإسلام فسر النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم مرسل قوي. 

وقد شعر الأنصار من هذا أن فيه استذلالًا لهم ولذا جاء في بعض الروايات -لا نعطيكم إلا السيف-

4- أن لا يتضمن العقد شرطًا يخالف الشريعة الإسلامية مثل.

أ- إقرار المشركين السكن في أرض الحرمين لأنه في الحديث «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» «4».

ب- أو إرجاع امرأة مسلمة إلى الكفار.

﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (سورة الممتحنة: 10).

أما إرجاع المسلم إلى الكفار فقد اختلف الفقهاء فيه فبعضهم أجاز إرجاعه قياسًا على شرط الحديبية ولكن الفقهاء الآخرين رجحوا عدم جواز هذا الشرط أما شرط الحديبية فهو خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه علم أن الله سيجعل لهم مخرجًا- وهذا هو الراجح. 

«عن البراء بن العازب، قال: وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية على ثلاث... من أتاهم من عند النبي صلى الله عليه وسلم لن يردوه، ومن أتى إلينا منهم ردوه إليهم... قال صلى الله عليه وسلم: من ذهب منا إليهم فأبعده الله» متفق عليه وزاد مسلم «ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجًا «5»».

ولا يجوز كذلك أن يتضمن العقد إظهار شعائر الكفار في بلاد المسلمين مثل السماح لهم ببناء الكنائس والأديرة أو إرسال المبشرين الذين يفتنون المسلمين ويفسدون عقائدهم، وخاصة في جزيرة العرب وعليه: 

فالحل السياسي والمفاوضات في أفغانستان تجوز بشروط: 

1- أن ينسحب الروس من أرض المسلمين جميعًا. 

2- أن تقوم دولة الإسلام في أفغانستان بعد خروجهم، وأن لا يتدخلوا في نظام الحكم المقبل كإرجاع الملك، أو إملاء بعض الشروط الثقافية التي تريد إفساد عقائد الشعب الأفغاني.

3- أن يكون الانسحاب دون قيد أو شرط.

4- أن يعترف الروس بالمجاهدين وأن يطلبوا منهم الصلح ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: 61)، قال السدي، وابن زيد: «أن دعوك إلى الصلح فأجبهم» «6» قال ابن حجر الهيثمي «والشرط الفاسد يفسد العقد على الصحيح، بأن شرط فيه منع فك أسرانا، أو تركه ما استولوا عليه أو رد مسلم أسير أفلت منهم، أو سكناهم الحجاز، أو إظهار الخمر بدارنا، أو أن نبعث إليهم من جاءنا منهم» «7»

5- أن يطمئن المجاهدون أن الروس صادقون في طلب السلم وليسوا مخادعين ولذا فالذين يطالبون بالحل السلمي أو يريدون حلولًا وسطا بعدم إعلان هدف الجهاد وهو: قيام دولة إسلامية بحجة أن الدول الغربية لا تقبل هذا وتقاومه، هؤلاء لا يدركون هدف الجهاد بل ليس عندهم تصور إسلامي واضح وهؤلاء لا يجوز أن يكونوا جنودًا في الجهاد فضلًا عن أن يكونوا قادة لأن الله عز وجل يقول : ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إلىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ (سورة التوبة: 83). 

قال القرطبي «8»: وهذا يدل على أن استصحاب المختل في الغزوات لا يجوز. وقد نص معظم الفقهاء في كتاب الجهاد على أنه لا يجوز أن يستصحب في الجيش مخذل ولا مثبط ولا مرجف.

«1» حاشية ابن عابدين ج 3/239

«2» نهاية المحتاج 8/58

«3» علاء السنن جـ 12/48

«4» صحيح الجامع للألباني رقم 230

«5» الفتح الرباني للبنارج 14/120

«6» القرطبي 8/39

«7» حاشية الشرواني وابن القاسم على تحفة المحتاج 9/306

«8» القرطبي 8/218

الرابط المختصر :