; حكم دعوة المرأة إلى الله | مجلة المجتمع

العنوان حكم دعوة المرأة إلى الله

الكاتب صالح الحمادى

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1987

مشاهدات 59

نشر في العدد 826

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 21-يوليو-1987

مدخل الدعوة إلى الله -عز وجل- واجبة على كل مسلم ومسلمة، وهي أشرف الأعمال وأفضل مقامات العبد، وهي وظيفة الرسل الكرام -صلوات  الله وسلامه عليهم-، قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:25) (۱) ولقد قام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بتبليغ ما أمره الله -عز وجل- ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (المائدة: 67) (٢)، كما قام الصحابة -رضوان الله عليهم- بتبليغ الدعوة وعرضها على الناس، وكان النساء شريكات الرجال في هذا الأمر، ذلك أن القاعدة في واجبات المرأة كالقاعدة في حقوقها، فهي كالرجل إلا فيما يختلفان فيه مما هو مناط التكليف وأساس هذه القاعدة أنها إنسان ولها أهلية وجوب أي صلاحية اكتساب الحقوق وتحمل الواجبات. قال -تعالى- : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ (النساء:1) (۳) فالنساء كالرجال مطالبات بتقوى الله أي بإطاعة أوامره واجتناب نواهيه. (٤).
فالمرأة بصفة عامة متساوية مع الرجل في خطاب الله -عز وجل-، فقول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1) يشمل الرجال والنساء، وهو على عمومه والقاعدة في الأصول أن الخطاب في القرآن المخاطب به المؤمنون داخل فيه النساء إلا إذا قام الدليل على خلاف ذلك. فقوله -تعالى-: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (النساء: 1) (٥) يشمل الرجال والنساء.
إن النساء مخاطبون بما خوطب به الرجال، ومكلفون بما كلف به إلا ما كان خاصًا بهن دون الرجال، أو ما كان خاصًا بالرجال دون النساء فهن مطالبات بالإيمان وبالإسلام وبالإحسان وبالعمل الصالح سواء بسواء فمسؤوليتهن كمسؤولية الرجال.
يقول سيد قطب -رحمه الله- وآيات الله -سبحانه-  تبين أن النساء والرجال من جنس واحد لا قوام للإنسانية إلا بهما وعن عائشة -رضي الله- عنها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما النساء شقائق الرجال» (٦)، ويقول أيضًا: «والمرأة تذكر بجانب الرجل في القرآن؛ وذلك لرفع قيمة عمل المرأة وترقية نظرة المجتمع إليها في إعطائها مكانها إلى جانب الرجل فيما هما فيه سواء من العلاقة بالله ومن تكاليف هذه العقيدة في التطهر والعبادة والسلوك القويم في الحياة» (۷) (والمرأة كالرجل في أركان الإسلام) (۸) فهي مأمورة بالشهادتين والتلفظ بهما والعمل بمقتضاهما ومكلفة بالصلاة والصيام والزكاة والحج (فالإسلام قرر أهليتها للعبادة، وكلفها بالتكاليف الشرعية، وجعل لها دورًا في إصلاح المجتمع) (9). وسأتناول حكم قيام المرأة بالدعوة إلى الله -عز وجل- من شقين: الأول: حكم دعوتها العامة، الثاني: قيام المرأة بالدعوة من خلال جمعية خيرية.
أولًا- قيام المرأة بالدعوة العامة، وذلك بدعوتها لبنات جنسها من خلال احتكاكها في وظيفتها كطبيبة أو مدرسة أو موظفة ودعوتها لجيرانها وفي بيتها وما أشبهه فالدعوة هنا واجبة (۱۰) وذلك لأنها مكلفة من قبل الله -تعالى- بالدعوة إليه وذلك لما كان خطاب الله للمؤمنين خطابًا للمؤمنات في نفس الوقت، ولما كان النساء مخاطبات بأحكام الإسلام، ومكلفات بأمور الدين وأركانه، ومطالبات بعبادة الله وحده وإخلاص العبودية له واتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل ما أمر وما نهى، لما كان كل ذلك كانت المرأة مكلفة بحفظ الإسلام والعمل به والدعوة إليه كالرجل سواء بسواء، وكانت مسؤوليتهما واحدة في تنفيذ طاعة الله -تعالى- وتنفيذ أوامره والدعوة إليه، وتحمل كل ما يصيبهم في سبيل الله -تعالى-، وقد جاءت دعوة الإسلام ولم تفرق بين الرجل والمرأة (وقد فهم المسلمون هذا في الدعوة وفي تبليغها على حد سواء الرجل والمرأة) (۱۱)
الأدلة على وجوب دعوة المرأة:
أولًا من القرآن الكريم: وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة توجب الدعوة إلى الله، منها: ما كان الخطاب فيه للنبي -صلى الله عليه وسلم- فتدخل أمته في الخطاب تبعًا له، ومنها ما كان الخطاب فيه موجها إلى الأمة مباشرة.
أولًا- الآيات التي تخاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- والأمة تبعًا له:
۱- قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب: 45-46) (۱۲).
۲- وقوله -تعالى-: ﴿وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: 67) (۱۳).
٣- وقوله -تعالى-: ﴿وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (القصص: 87) (١٤).
4- وقوله -تعالى-: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (النحل: 125) (١٥)، فالأمة تبع لرسول -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله؛ لأن القاعدة عند الأصوليين هي إذا أمر الله -تعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بلفظ ليس فيه تخصيص كقوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ﴾ (المزمل: 1-2) أو أثبت في حقه حكمًا فإن أمته يشاركونه في ذلك الحكم، ما لم يقم على اختصاصه به دلیل. (16)
    ولفظ الأمة يشترك فيه الرجال والنساء على حد سواء، والمرأة المسلمة مكلفة بالدعوة كالرجل المسلم، وهو كل بالغ عاقل ذكرًا كان أم أنثى، ومن الأدلة على دخول النساء أيضًا:
5- قول الله -تعالى-: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108) (۱۷)، فالدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة، يقول الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه القيم أصول الدعوة (فأتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- المؤمنون به يدعون إلى الله على بصيرة أي علم ويقين، كما كان رسولهم يدعو إلى الله على بصيرة ويقين، ومعنى ذلك أن من اللوازم الضرورية لإيمان المسلم أن يدعو إلى الله، فإذا تخلف عن الدعوة دل تخلفه هذا على وجود نقص أو خلل في إيمانه) (۱۸)، والآية دليل على مشروعية دعوة المرأة وقيامها به فقوله -تعالى-: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ و «من» هنا عامة أي من الرجال والنساء فهي تشمل الرجال والنساء؛ لأن الرسول أرسل إلى الثقلين، بل إلى العالمين كافة قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء :107)(۱۹).
(۱) الأنبياء ۲٥ (۲) المائدة ٦٧، (۳) النساء ۱ (٤) أصول الدعوة د. عبد الكريم زيدان ص ۱۱۷، ط الثالثة، نشر جمعية الأماني بغداد سنة ١٣٩٦ ه- ١٩٧٦ م (٥) النساء ۱۲۳ (٦) أبو داود ٢٣٦ والترمذي ۱۱۳ وابن ماجة ٦١٢، ومعنى شقائق: أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهم شقق من الرجال، قاله الخطابي ثم قال وفيه الفقه: إثبات القياس وإلحاق حكم النظير بالنظير، وأن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابًا للنساء (٧) مختصر حقوق النساء في الإسلام محمد رشيد رضا ص ١١، (۸) الإسلام والمرأة المعاصرة البهي الخولي ص ٢٣ ط الثالثة، دار القلم- الكويت.
إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها والله أعلم، سنن أبي داود ومعه كتاب معالم السنن للخطابي، إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاسي 1\162ط الأولى بيروت سنة ١٣٨٨ه-١٩٦٩م، وانظر قول سيد في دستور الأسرة في ظلال القرآن جمع أحمد فائز ص ٤٣ ط الأولى، مؤسسة الرسالة سنة ١٤٠٠ه-١٩٨٠ م.
(9) في ظلال القرآن، سيد قطب 5\2863، وانظر أيضًا المرأة المسلمة وهبي سليمان الألباني ص ٦٤ وما بعدها. (۱۰) الفواكه الدواني (2\385) ط مصطفى الحلبي والفتح المبين ص (۱۲٥) ط عيسى الحلبي، والقرطبي (4\165،48) ط دار الكتب المصرية، والشرح الصغير (4\741) ط دار المعارف والآداب الشرعية لابن مفلح (1\174) ط المنار وابن عابدين (1\234) ط بولاق، وأعني الدعوة هو أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر ومطلق الدعوة إلى الخير، (۱۱) مجلة الأزهر، الأزهر وتعليم المرأة فضيلة الشيخ عبد اللطيف السبكي ص (796-801) سنة1955  (۱۲) الأحزاب ٤٥، (١٣) الحج ٦٧، (١٤) القصص ۸۷ (۱٥) النمل ٢٥ (١٦) روضة الناظر وجنة المناظر للأمام موفق عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي ص (۱۰۹) ط الرابعة بالمطبعة السلفية، القاهرة سنة ١٣٩١ ه، (١٧) يوسف ۱۰۸ قال القرطبي في تفسيره قال الربيع: قل هذه سبيلي: دعوتي، الجامع لأحكام القرن لأبي عبد الله محمد القرطبي 9\274 تحقيق أبو إسحاق إبراهيم اطنيش ط الثانية (۱۸) أصول الدعوة ص ٢٩٩ (۱۹) الأنبياء ۱۰۷.
 

الرابط المختصر :