العنوان حكومة أمراء الحرب في لبنان
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 15-مايو-1984
مشاهدات 112
نشر في العدد 671
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 15-مايو-1984
ماذا سيفعل المتقاتلون بري وجنبلاط وشمعون والجميل في وزارة استراحة المحارب؟
بداية نحب أن نؤكد على حقيقة أساسية تتفق مع المُنطلقات المبدئية التي تحكم مسار المجلة باعتبارها مجلة ملتزمة، هذه الحقيقة تتعلق بحرصنا على عودة الهدوء إلى ربوع لبنان واستقراره وإيقاف النزيف الدموي الذي دام عشر سنوات تقريبًا في واحدة من أعظم الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
إلا أننا مع ذلك لا بد أن نشير إلى حقيقة أخرى وهي أن هذا الحرص لا يعني تجاهل الحقائق وعدم التعرف على مسببات الحدث وأبعاده ودوافعه..... إلخ.
حيث إن هذا أيضًا يتفق مع منهج المجلة والتزامها....
* إن حرصنا على عودة الهدوء لا يعني قبولنا بالاستعلاء الطائفي..
* وإن حرصنا على الاستقرار لا يعني قبولنا بمواطنية الدرجة الثانية للمسلمين....
وأن حرصنا على إيقاف النزيف الدموي لا يعني قبولنا بعملية احتواء المسلمين...
ومن هنا كان من حقنا أن نسأل: هل جاءت حكومة كرامي لتحقيق الاستقرار أم لتهدئة الأوضاع؟؟؟
- في أول تصريح لرئيس الوزراء اللبناني حدد برنامج حكومته بثلاث قضايا هي: «قضية الجنوب- قضية الإصلاح السياسي- قضية الأمن».
* وسوف نتناول هذه القضايا الثلاث كل على حِدَة؛ ليتبين لنا إن كانت الحكومة جادَّة في إعادة الاستقرار لربوع لبنان... أم!!!؟؟
* أولًا: قضية الجنوب:
فور الإعلان عن التشكيلة الوزارية أعلن نبيه بري زعيم حركة أمل رفضه الاشتراك في الحكومة كوزير للموارد المائية والكهربائية والعدل مبررًا هذا الرفض بأن قبوله بهذه الوزارة سوف يبعده عما يجري في الجنوب، واشترط لدخول الوزارة إيجاد حقيبة وزارية خاصة بالجنوب وبعد اتصالات تمَّت في دمشق بين بري وجنبلاط وخدام، عاد بري إلى بيروت ليجد إعلانًا من كرامي يقضي بتعين بري وزير دولة لشؤون الجنوب إضافة لوزارة العدل والموارد، وعلى الفور دوَّت أصوات الانفجارات وانطلق الرصاص في الضاحية الجنوبية لبيروت والتي تقطنها أغلبية شيعية وتتركز فيها ميليشيات حركة أمل، ومعظم هؤلاء من سكان الجنوب الذين انتقلوا إلى الضاحية خلال الحرب الأهلية، وكان صوت الرصاص ابتهاجًا بما فسَّره بري بأنه انتصار سياسي لحصوله على وزارة لشؤون الجنوب.
ويفسر المراقبون تحركات وتصريحات بري حول الجنوب بأنها عملية دعائية هدف بري منها إلى تثبيت زعامته لدى الطائفية الشيعية التي يتوزع ولاؤها بين عدة زعامات سواء في الجنوب أو البقاع بينما تتركز زعامة بري على حركة أمل التي تتميز بالعمل العسكري فقط، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن ما ذهب إليه بري يهدف إلى إقناع الآخرين والعرب بالذات بما وصفته أجهزة الإعلام العربية المتعاطفة معه لسبب أو لآخر بكونه زعيمًا وطنيًّا وبالتالي فإن هذا الموقف يحقق لبري حسب اعتقاده كسبًا جماهيريًّا وانتخابيًا في المستقبل سواء على مستوى الطائفة الشيعية أو على مستوى أبناء الطوائف الأخرى وخاصة الإسلامية التي يهمها تحرير الجنوب.
* إن بري وغيره يعلمان تمامًا أن إنشاء وزارة أو وزارات متعددة لن يؤدي إلى تحرير الأرض وهناك أكثر من تجربة أمام بري وفي أكثر من قُطْر عربي تحولت وزارات التحرير إلى مجرد مكاتب لتقديم الخدمات بينما يزداد الاحتلال ترسيخًا مع الأيام ولذلك فإن إشارة كرامي لقضية الجنوب كانت تنطلق من وعي كامل بأن القضية أصعب من أن تُحل ببيانات وزارية، ولم يكن إعلانه بالعمل على تحرير الجنوب من الاحتلال سوى شعار سياسي لترضية بعض الأطراف اللبنانية والعربية لأنه يعلم تمامًا بأن هذا الشعار لا يمكن أن يتحول إلى خطة عمل ممكنة التطبيق.
* الموقف الإسرائيلي من الجنوب:
فور الإعلان عن تعيين بري وزير دولة لشؤون الجنوب أعلن متحدث حكومي إسرائيلي هودان جريدور أن تعيين نبيه بري وزيرًا لشؤون الجنوب لا ولن يغير شيئًا من مشكلة الأمن في هذه المنقطة، كما دعا مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية ديفيد كيمحي- نبيه بري للتعاون مع إسرائيل بشأن ترتيبات الأمن في الجنوب وأعلن أن ذلك سيكون مفيدًا لبري وجماعته.
ويقول مراقبون دبلوماسيون في تل أبيب: إن إسرائيل تمر بمرحلة انتخابية لذلك فإنها غير مستعدة لبحث وضع الجنوب سلبًا أو إيجابًا.
وأثناء الزيارة التي قام بها المنسق الإسرائيلي للبنان يوري لبراني لهضبة الجولان السوريَّة في نهاية الأسبوع الماضي أعلن للصحفيين رفض إسرائيل لأي خطط للانسحاب من لبنان.
وكانت تصريحات انتخابية متعددة لمعظم الاتجاهات والأحزاب السياسية الإسرائيلية وخاصة الليكود والمعراخ قد أكدت على أهمية الجنوب اللبناني لإسرائيل، ويعتقد المراقبون أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في الجنوب من إنشاء ميليشيات محلية عملية والانسحاب إلى خط الأولى... إلخ تهدف على ما يبدو إلى استمرار التواجد الإسرائيلي في المنطقة.
وكان الياهو بن ألِيسار رئيس لجنة الخارجية والأمن في البرلمان الإسرائيلي قد صرح في نهاية الأسبوع الماضي بأن إسرائيل على استعداد للاعتراف بالمصالح السوريَّة في لبنان في حالة الاعتراف بما أسماه بمصالح إسرائيل في لبنان.
ونتيجة لذلك كله، فإن المعتقد أن إسرائيل لا يمكن أن تتخلّى عن الجنوب، وقد عبر عادل عسيران وزير الدفاع الحالي عن ذلك أثناء مؤتمر لوزان بقوله إنه يعتقد أن إسرائيل ستبقى في الجنوب مهما كانت نوعية القرارات السياسية التي ستتخذ في بيروت أو حتى في مجلس الأمن، وقول عسيران لم يمكن ليغيب عن قناعة رشيد كرامي؛ لذلك أشار إلى قضية الجنوب بدون أن ينشئ وزارة خاصة به في بداية التشكيل الوزاري.
* ثانيًا: قضية الإصلاح السياسي:
تعتبر قضية الإصلاح السياسي محور الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت ما يقارب «10» سنوات ومنذ إعلان لبنان دولة منفصلة بذاتها ظهرت في الأفق قضايا التمثيل السياسي للطوائف الدينية التي يتشكل منها الشعب اللبناني ثم جاء ميثاق عام 1943م ليحدد هذه القضية بأطُر تمثيلية كان للطائفة النصرانية فيه النصيب الأكبر، والأهم في عملية التمثيل السياسي ثم جاءت تركيبة الجيش اللبناني لتؤكد على التفوق النصراني ودعمه، وهكذا كانت هذه القضية هي قضية القضايا في لبنان، إلى جانب أن هذه القضية كانت دائمًا هي عامل الانفجار الأول والمستمر، وقد اعتبر نصارى لبنان أن قضية التفوق السياسي الذي عاشوه منذ إعلان الدولة اللبنانية حقًّا مكتسبًا لهم لا يجوز بحال من الأحوال العمل أو حتى مجرد التفكير في العمل على اختراق هذا الحق لأي سبب من الأسباب، إذًا قضية الإصلاح السياسي تعتبر من أصعب القضايا لارتباط العمل السياسي في لبنان بقواعد الطائفية والتمثيل الطائفي.
وبعيدًا عن الملامح والمعطيات التاريخية للتمثيل الطائفي في لبنان الذي بات معظم من عاشوا القضية اللبنانية على بيِّنة منه ومن تفصيلاته فإن الذي يهمنا هنا هو موقف حكومة كرامي من هذه القضية والتي أشار إليها كرامي في أول بيان له عقب تكليفه بتشكيل الحكومة.
لقد ظهرت صعوبة حل هذه القضية منذ مؤتمر لوزان الأخير حيث تخلى سليمان فرنجية عن عضوية جبهة الخلاص بسبب مطالبة هذه الجبهة للمؤتمر بوضع قضية الإصلاح السياسي في مقدمة الأوليات واعتبر فرنجية أن هذا الطلب يهدد ميثاق «43» بالانهيار والحقيقة أن فرنجية كان ينطلق في هذا من كونه نصرانيًّا لا يقبل أي مساس بمكتسبات طائفته، والغريب هنا أن المراقب السوري في المؤتمر لم يعترض على مقولة فرنجية وتصرفه إنما اعترض على الأعضاء الآخرين في جبهة الخلاص وطالبهم بالكف عن إثارة الموضوع وقد أشار المراقبون في حينها إلى التصرف السوري هذا بقولهم أن تصرف المراقب السوري يعني أن قضية التفوق النصراني على أساس الصبغة القديمة لا يوافق أحد على المساس بها، وكان هذا كافيًا لتطمين نصاري لبنان بأن الهيمنة السياسية لن تسحب منهم وإن تغيرت بعض الأشكال والأطُر. ومن هنا يمكن أن نفهم سر التصريحات التي كان يطلقها جنبلاط ويرى بأنهما لا يرغبان في تغيير المعادلة اللبنانية إلى الحد الذي يهدد التفوق النصراني، ومن هنا كان دخولهما الوزارة الكرامية متفقًا مع هذا الموقف ومتفقًا مع شعار لا غالب ولا مغلوب.
* المناصفة بين المسلمين والمسيحيين:
خلال المناقشات العديدة والاجتماعات الجانبية التي جرت في مؤتمر لوزان أثيرت قضية التمثيل الطائفي كمقدمة للإصلاح السياسي وتوصلت الأطراف بشكل مبدئي في حينها على اعتماد مبدأ المناصفة في التمثيل بين المسلمين والمسيحيين ثم جاء لقاء الأسد والجميل ليؤكد على هذا المبدأ، حسب ما ذكر حينها ولكن هذه المناصفة في رأينا سوف تؤكد على صيغة الهيمنة والتفوق المسيحي من حيث إن الانتماء المسيحي واحد مع تعدد مذاهبه فالماروني والكاثوليكي... إلخ. تجمعهما النصرانية والمصير السياسي الواحد بينما نجد النصف الثاني من التركيبة الطائفية تختلف عناصره من حيث الانتماء والمذهب ولا يجمع بينهما الإسلام والمصير السياسي الواحد، فالمعروف أن الأطراف التي يطلق عليها بالجانب أو النصف المسلم تتكون من أهل السنة والشيعة والدروز وهنا لا بد أن نسأل: هل هذه الأطراف تمثل مجتمعة الجانب المسلم على حقيقته؟
إن الانفصال العقائدي والمذهبي بأصوله وفروعه بين أهل السنة والدروز قضية ثابتة لا مجال للبحث فيها أو مناقشتها ويكفي ذلك دلالة على انفراط الوحدة والتجانس فيما سمي بالجانب المسلم وما الأحداث الدامية التي شهدتها بيروت الغربة مؤخرًا حين فتحت الميليشيات الدرزية النار على أهل السنة من سكان بيروت واعتدت على ممتلكاتهم ومكاتبهم ومساجدهم إلا دليلًا حيًّا على الانفصال العقائدي التَّام بين أهل السنة والدروز مما لا يستقم معه أن تطلق عليهما معًا الجانب المسلم.
* ثالثًا: قضية الأمن:
إن قضية الأمن تتبع تلقائيًّا قضية الإصلاح السياسي وترتبط بها ارتباطًا وثيقًا فالملاحظ أنه حين يتم الوفاق بين أقطاب السياسة اللبنانية يسود الهدوء محاور القتال وحين ينتهي هذا الوفاق ينهار الأمن ويصبح الرصاص هو اللغة الوحيدة المعترف بها على الساحة اللبنانية؛ لذا فإن المصداقية الحقيقية لنزوع هؤلاء الأقطاب للتعايش وحل الأزمة اللبنانية مرهون بمدى استعدادهم لإنهاء دور الميليشيات العسكرية وحل تنظيماتها وسحب أسلحتها... إن الأمن اللبناني ومنذ بداية الأزمة اللبنانية قبل عشر سنوات كانت تتحكم به الميليشيات العسكرية والجيش اللبناني ونتيجة لتطورات الحرب الأهلية فقَدَ الجيش الإمكانات والمؤهلات التي تمكِّنُه من السيطرة على الوضع الأمنِي على الساحة اللبنانية إضافة إلى أن تركيبته الطائفية جعلته منحازًا للجانب النصراني بدل أن يكون جيشًا لكل الطوائف، وبذلك بقيت الميليشيات العسكرية المتعددة الأهداف والاتجاهات والانتماءات هي العنصر الوحيد المتحكم بعملية الأمن في لبنان.
إن إنهاء دور هذه الميليشيات وإعادة بناء الجيش اللبناني على أسس سليمة بحيث يصبح جيشًا لبنانيًّا وليس جيشًا طائفيًّا هو العامل الأهم في إمكانية تحقيق الأمن والاستقرار على الساحة اللبنانية وهنا كما قلنا تَكْمُن مصداقية هؤلاء الأقطاب في ادعائهم بأنهم سيعملون على تحقيق الاستقرار في لبنان.