العنوان حكومة العمل بين مطرقة الشارع الصهيوني وسندان العمليات العسكرية الفلسطينية
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1995
مشاهدات 58
نشر في العدد 1135
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 24-يناير-1995
تحليل سياسي
عمان:
مع بدء العد التنازلي لانتخابات الكنيست الصهيوني المقرر إجراؤها عام 1996م، بدأت حكومة حزب العمل تعاني من انحسار شعبيتها في الشارع الصهيوني؛ حيث أظهر استطلاع الرأي الذي أجرته خدمة الأخبار في أسبوعية «التايم»، بناءً على طلب من رابين، أنه لو جرت الانتخابات في الكيان الصهيوني الآن، فإن حزب العمل يحصل على (27) مقعدًا فقط مقابل (11) مقعدًا له في الكنيست الحالي، فيما يحصل حزب الليكود على (47) مقعدًا مقابل (32) مقعدًا في الوقت الحالي.
ويستدل من الاستطلاعات التي أجرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصهيونية خلال الأشهر القليلة الماضية أن رابين حصل على نسبة 32% من أصوات الذين أجري عليهم الاستطلاع خلال شهر أغسطس (آب) عام 1994م، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 29 في شهر أكتوبر (تشرين أول)، وإلى 23% في شهر يناير
«كانون ثانٍ» 1995م، وفي المقابل فإن زعيم تكتل ليكود اليميني حصل على 18% في شهر أغسطس (آب) وارتفعت هذه النسبة إلى 22 في شهر أكتوبر «تشرين أول»، وإلى 25% في شهر يناير «كانون ثانٍ» 1995م.
فما هي أسباب تراجع حكومة العمل بعد مضي حوالي نصف المدة المقررة لها في قيادة الكيان الصهيوني؟ وما هو تأثير ذلك على مسيرة التسوية؟
يمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسة وراء ذلك.. هي:
1- اهتزاز الشعور بالأمن لدى الفرد الصهيوني، وذلك بسبب العمليات العسكرية الناجحة التي نفذتها حركة حماس في قلب المجتمع الصهيوني في القدس الغربية وتل أبيب والخضيرة والعقولة.
2- الخلافات الداخلية المتزايدة في صفوف حزب العمل، والتي أثرت كثيرًا على أداء حكومة رابين في الكنيست وأضعفت الثقة فيها شعبيًا، وأبرز هذه الخلافات كانت استقالة وزير الصحة حاييم رامون من منصبه في الوزارة وتشكيله قائمة منافسة لحزبه (حزب العمل) في انتخابات اتحاد العمال (الهستدروت) ونجاحه في هزيمة حزبه في أحد معاقله الرئيسية، هذا بالإضافة إلى الخلافات المتواصلة بين وزراء العمل حول الإسكان، والتعليم، والشئون الصحية، وغيرها، هذا عوضًا عن الخلاف بين كتلتي الائتلاف العمل وميريتس حول بعض المسائل السياسية مثل الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، وأسفرت هذه الخلافات عن مطالبات في صفوف الشبان في حزب العمل بإقصاء زعامة الحزب التي يتربع عليها رابين وبيريز، حيث أعلن وزير الشرطة موشيه شاحال أنه سيرشح نفسه لرئاسة الحزب في الانتخابات القادمة.
3- إخفاق حكومة العمل في تحقيق الوعود الاقتصادية التي قدمتها للناخب الصهيوني مثل تحسين مستوى حياة الطبقات الضعيفة وتوفير المساكن لها، حيث لم يتحقق تحسن ملموس على حياة طبقة الفقراء، وارتفعت أسعار المساكن إلى 44% رغم أن مستوى دخل الفرد لم يرتفع إلا بنسبة 21%، ولم تفلح الإنجازات الاقتصادية الأخرى لحكومة العمل مثل خفض نسبة البطالة والنمو الاقتصادي وتحسين البنية التحتية للطرق في التغطية على هذه الإخفاقات.
وهكذا فإن مجمل هذه العوامل الثلاثة أدى إلى تضعضع القاعدة الشعبية لحكومة العمل، ويبدو أن العامل الأهم بين هذه العوامل جميعها هو العامل الأمني الذي يشكل العقدة الكبرى في العقلية اليهودية، إذ يؤكد أحدث استطلاع أجرته صحيفة «يديعوت أحرنوت» أن 73% من سكان الكيان الصهيوني لا يؤمنون بأن ياسر عرفات قادر على الالتزام بالاتفاقية معهم، وفي استطلاع آخر أجراه معهد داحف لصالح حيفة «يديعوت أحرنوت» أن 46% من الصهاينة يعتقدون أن الأمن الداخلي سيشهد مزيدًا من التدهور خلال عام 1995م فيما رأى 26 أن الوضع لن يشهد أي تحسن.
وبناءً على هذه المعطيات، فإنه من المتوقع أن تستمر وتيرة التشدد الصهيوني في تطبيق اتفاق أوسلو في محاولة من حكومة رابين لمنع تدهور موقفها الداخلي استعدادا للانتخابات المقبلة، وبالتالي فإن هذه الحكومة ستطرح التطبيق المتدرج للشق الثاني من اتفاق أوسلو بحيث تتم عملية إعادة الانتشار في إحدى أو بعض المدن الفلسطينية كمرحلة اختبارية لإعطاء الاتفاق فرصة لكي تظهر إيجابياته الأمنية على الكيان الصهيوني قبل أن يتم تطبيقه بالكامل، ويبدو أن هذه العملية ستكون محفوفة بالمخاطر نظرًا لعقدة الأمن التي تسيطر على الشارع والقيادة الصهيونية، ونظرًا لضعف موقف القيادة الفلسطينية التي لا تملك أوراقًا تمارس بها عملية ضغط حقيقية على حكومة العمل لتنفيذ بنود اتفاق أوسلو.
وقد أبرزت مشكلة مستوطنة «افرات» في بيت لحم حجم مشكلة الاستيطان وإصرار حكومة العدو على المضي فيه حتى ولو أدى ذلك إلى الإضرار باتفاق أوسلو، ومن هنا يتأكد أن استخدام رابين لمصطلح «الاستيطان الأمني» لم يكن إلا تغطية لاستمرار الاستيطان بنفس الوتيرة التي كان فيها في عهد الليكود.
ويبدو أن حكومة العمل ستعمل على البدء بتطبيق المرحلة الثانية من اتفاق أوسلو مع الأخذ بعين الاعتبار متطلباتها الأمنية والحفاظ على المستوطنات القائمة وحفظ أمنها في محاولة لرفع أسهمها في الشارع الصهيوني دون أن يؤدي ذلك إلى إشعار المواطنين الصهاينة بأنهم قد تضرروا، ولكن تحقيق ذلك يعترضه قدرة المعارضة الفلسطينية وخصوصًا حركة حماس في استمرار فرض برنامجها المقاوم، وهو الأمر الذي سيجعل عملية التسوية على حافة الانهيار بسبب التعنت الصهيوني وعدم حصول الفلسطينيين على إنجازات عملية حقيقية من ورائها.
وعلى الرغم من محاولة حكومة رابين إيجاد اختراقات تطبيعية على مستوى الخليج والمغرب العربي، فإنها لن تستطيع تجاوز حقيقة أن المشكلة الفلسطينية هي لب الصراع العربي الصهيوني، وأنه لن يكون هناك «سلام» إلا بحل هذه القضية، ونظرًا لأن المسلك الصهيوني والعقلية الصهيونية لا تقبل إلا بغرض الاستسلام على الطرف الآخر، فإن هذه التسوية ستبقى تتأرجح تحت رحمة الشارع الصهيوني المتصلب الذي لا يحرص سوى على مصالحه، وتحت إصرار برنامج المقاومة في فرض نفسه كبديل عن برنامج التهافت و«الاستسلام».