الثلاثاء 04-يناير-1983
* معاول الهدم عادت من جديد لتنهش في جسم الحركة الإسلامية.
* الإدارة النبوية شملت السياسة والاقتصاد كما شملت أمور الدين جميعًا.
* الفصل بين الدين والسياسة قضية يغذيها الاستعمار ويتبنَّى ترويجها أذنابه.
إن المتتبع للكتابات الصحفية المتعلقة بالفكر السياسي يلاحظ كثرة المتصدين لهذه الكتابات وتعدد اتجاهاتهم ومدارسهم الفكرية وتزامن كتابتهم تلك مع بداية البعث الإسلامي الذي تشهده المنطقة الإسلامية، ومع كون هؤلاء الكتاب ينتمون إلى مدارس فكرية تتأرجح ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار إلا أن دراساتهم النقدية تلك كانت تسير في اتجاه واحد هو العمل على تشويه الفكر الإسلامي المعاصر ومحاولة إبعاده عن التأثير في الاتجاهات المختلفة للمجتمعات الإسلامية سواء منها السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية لذلك نرى البعض منهم يحاول ما أمكنه إقناع الجماهير المسلمة أن الماركسية والإسلام لا تعارض بينهما.
والبعض الآخر يبذل كل ما يستطيعه من جهد لكي، يدخل في أذهان تلك الجماهير أن الدعوة الإسلامية في العصر الحديث إنما هي دعوة يسارية في طابعها واتجاهها، حتى اليمين الرأسمالي أدلى بدلْوه وادعى أن الإسلام والرأسمالية صنوان لا يفترقان لذلك حاول بكل جهده أن يوظف البعث الإسلامي الناشئ لمصلحته الخاصة.
ولم يقف الأمر عند هؤلاء وغيرهم بل امتد هذا الأمر ليشمل قمة السلطة في بعض الدول الإسلامية من حيث تبنيها لمثل تلك الاتجاهات المنحرفة التي ابتلى بها العالم الإسلامي، فالحقيقة الظاهرة أمام كل ذي بصيرة أن كل هؤلاء وبدون استثناء بذلوا ويبذلون كل الجهد والإمكانيات من أجل الوصول إلى هدف واحد وهو «إقناع الجماهير المسلمة على امتداد الوطن الإسلامي بأنه لا علاقة للدين في السياسة ولا ارتباط بين السياسة والدين» ونسي الجميع قول الله الأزلي ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).
وقد طلع علينا مؤخرًا أحد هؤلاء الكتاب وهو الدكتور محمد خلف الله بأسلوب جديد حاول فيه أن يعطي القارئ انطباعًا بأنه حريص على اتباع الحق والطريق المستقيم وأنه ينطلق في آرائه من خلال تمسكه بالشريعة الإسلامية والهَدْي النبوي، وقد اعتقد الكاتب أن من خلال تجمله في الأسلوب سيجعل لحديثه تأثيرًا سحريًّا يمكنه من الوصول إلى الغاية التي يسعى إليها وهي إقناع القارئ بانفصال الدين عن السياسة وعدم وجود أي ارتباط بينهما.
وقد حاول الكاتب أن يؤكد للقارئ أن مسألة الحكم هي مسألة دخيلة على الإسلام وذلك في قوله:
«إن كل الآيات التي وردت في القرآن الكريم لا تعني من كلمة الحكم السلطة أو الحكومة وإنما تعني الفصل في المنازعات والخصومات».
ويلاحظ أن كل النقاط التي وردت في مقالة الكاتب المذكور تدور حول نقطة واحدة تعتبر من أهم وأخطر قضايا التشريع الإسلامي وهي قضية الحاكمية.
والكاتب في مقاله يحاول ما أمكنه أن يوهم القارئ إن الإسلام لا يبحث في قضايا الحكم والسلطة وأن جلّ اهتماماته تنحصر في دائرة فض المنازعات بين الناس وهو ما يعرف باسم القضاء، وأن عمل النبي الكريم- صلى الله عليه وسلم- كان ينحصر في فض المنازعات والخصومات التي تحدث بين الناس فيقول في ذلك:
«إن عمل النبي عليه السلام كان محصورًا بالقضاء بين الناس بما أنزل الله من أحكام».
ويذهب الكاتب إلى أبعد من ذلك حيث ينفي السلطة الدنيوية للرسول -صلى الله عليه وسلم- أو سلطة قيادة الدولة حسب التعبير العصري ويحصر هذه السلطة بالشؤون الدينية فيقول في ذلك: «إن النبي صلى عليه السلام لم تكن له وظيفة غير النبوة ولم يمده الله بسلطة غير سلطة النبوة».
ويقول أيضًا: «إن كل ما قام به محمد عليه السلام قام به باسم النبوة ولم يقم به باسم الدولة».
ويتابع قائلًا: «إن القرآن الكريم ينفي أن يكون النبي عليه السلام وكيلًا على الناس أو أن يكون له أي سلطان غير سلطان النبوة».
ومن خلال الفقرات السابقة من مقالة الكاتب يتبين لنا أنه يحاول جاهدًا إقناع القارئ أن مهمة الإسلام تتعلق بالقضاء والشؤون الدينية والعبادية وينفي عنه كل ما يتعلق بعبارة الدولة وتصريف أمورها سواء السياسية منها أو الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية..
وبهذا يحاول أن يعطي مفهومًا للدين الإسلامي يشابه مفهوم الديانتين اليهودية والنصرانية، ونسي أو تناسى أن الدين الإسلامي ذو مفهوم متكامل وشامل لكل منحى من مناحي الحياة وأن المصطفى عليه الصلاة والسلام كان قائدًا دينيًّا إلى جانب أنه قائد دولة.
وفي القوت الذي كان يعلم فيه القرآن كان يعقد الأحلاف ويُبرم الاتفاقات ويقيم الاتصالات السياسية مع القبائل والدول الأخرى.
وكما كان يحكم فيما شجر بين المسلمين كان يعمل لبسط حكم الله في الأرض فيوجه الدعاة ويجهز الجيوش ويقودها بنفسه.
وكما كان يرسي دعائم العدل في القضاء كان يرسي دعائم الدولة بكل ما تعنيه من أمن اجتماعي وتنظيم اقتصادي وتقاليد أخلاقية ومبادئ سياسية..
ولا يمكننا بحال من الأحوال أن نستعرض هنا حياة الرسول عليه الصلاة والسلام من خلال كونه قائد دولة لضيق المجال في المقالة الصحفية.
وهل الدولة حتى بالتعبير العصري إلا عبارة عن أرض وأمة وقواعد تسير عليها سياسية اقتصادية وعسكريا واجتماعية.. وهل كان محمد عليه الصلاة والسلام ومن خلفه إلا تعبيرًا عن هذا المعنى، وإلا فما نقول فيما قام به الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه من بعده من تنظيم العلاقات الاجتماعية، ووضع بيت المال وتسيير الجيوش والاتصال بالدول الأخرى.. إلخ.
ثم يأتي محمد خلف الله ليقول إن عمل الرسول هو فض المنازعات والخصومات بين الناس.
ولو كان الحال كذلك إذن لكانت هناك مصادر أخرى للتشريع للجوانب الأخرى من الحياة، وهذا أيضًا ما حاول الكاتب أن يعرضه من خلال الفاصل الذي أقامه بين فترة وجود النبي عليه الصلاة والسلام وبين خلفائه من بعده حين قال:
«إن وضع هؤلاء الخلفاء جاء نتيجة الاجتهاد العقلي وأن توليتهم كانت من خلال منطلق بشري لإقامة نظام بشري وليس لإقامة نظام ديني».
ويقول أيضًا حول هذه الموضوع:
«إن سُلطة النبوة قد توقفت بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام لذلك ليس من حق الخلفاء أن يَخْلُفوه في السلطة التي منحها الله لمحمد».
ويتابع الكاتب قائلًا:
«إن الحكام يستمدون سلطتهم من الناس لذا فإن الخلافة أو الحكم هو نظام بشري وليس نظامًا دينيًّا».
ومن خلال الفقرات السابقة يتبين لنا أن الكاتب يحاول عن طريق الفصل بين عهد الرسول الكريم وعهد الخلفاء من بعده أن يوحي بأن نظام الحكم كان نظامًا بشريًّا أوجده الاجتهاد العقلي وليس له صلة أو ارتباط بالمعتقد الديني.
ولا ندري من أين أتى الكاتب بهذه النظرية التي ما نظن أن أحدًا سبقه إليها، ولو قلنا إنها مخالفة للحقائق التاريخية، لكان ذلك وحده كافيًا لإسقاط نظريته تلك.
فما من أحد إلا ويعلم يقينا أن عهد الخلافة كان استمرارًا لعهد النبوة الكريمة من حيث الحكم بما أنزل الله وبما سَنَّتْه هذه النبوة الطاهرة، وإن هؤلاء الخلفاء ما خرجوا عن الحقيقة التشريعية الثابتة في النص القرآني. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: 7).
ولو استعرضنا حياة هؤلاء الخلفاء ابتداء بالخليفة الأول أبي بكر ومن ثم الفاروق عمر وعثمان وعليّ -رضي الله عنهم- ومع كل خليفة أو حاكم مسلم سار على ذات النهج الذي سار عليه أولئك، لوجدنا أن حياتهم كانت في جميع اتجاهاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمالية إنما كانت تسير وفق القاعدة واحدة ومبادئ ثابتة هي في حد ذاتها نفس القواعد والمبادئ التي سار عليها وأرساها القائد الأول للمجتمع الإسلامي محمد عليه الصلاة والسلام.
وما أحسب أن الكاتب يحتاج منَّا إلى أمثلة وشواهد من تاريخ هؤلاء الخلفاء، فليست هذه المقالة بالمكان المناسب لإيراد مثل هذه الشواهد والأدلة الموجودة في بطون أمهات الكتب التاريخية التي شهدت وتشهد دائمًا وأبدًا أن أنظمة حكم هؤلاء الخلفاء ومن تبعهم من الحكَّام الصالحين كانت أنظمة دينية إسلامية نفذت وتنفذ دائمًا بالجهد البشري.
إن القاضي العادل لا بد له من سلطان عادل وإلا فهل يرى محمد خلف الله أن المنطق السليم يسترعي أن يحكم القاضي بما أنزل الله في القضايا التي تعرض عليه ثم يحيل هذه الأحكام إلى سلطة تنفيذية ربما تكون كافرة أو ظالمة أو فاسقة ثم نأتي بعد ذلك لنقول إننا نقيم العدل في الأرض.
فأي منطق هذا الذي يقول بفصل السلطة الدينية عن سلطة الحكم وشؤون الدولة، وعلى سبيل المثال لا الحصر نقول:
إن الرسول عليه الصلاة والسلام عندما كان يرسل لملوك الدول وزعماء القبائل يدعوهم إلى الإسلام باعتباره قائدًا دينيًا كان في الوقت ذاته يمارس دوره كحاكم دولة عندما كان يفرض الجزية على مَن يرغب بالاحتفاظ بعقيدته ودينه أو يجهز جيشًا لقتال من يعترض دعاته، فهل كان ما يفعله نتيجة سلطته الدينية أم كونه قائد دولة؟
وهذا ما نعتقد أنه حق وليس بعد الحق إلا الضلال والحمد لله رب العالمين.