; حكومة باجمال: ملفات شائكة وتحديات الأصدقاء والخصوم | مجلة المجتمع

العنوان حكومة باجمال: ملفات شائكة وتحديات الأصدقاء والخصوم

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2001

مشاهدات 64

نشر في العدد 1446

نشر في الصفحة 34

السبت 14-أبريل-2001

على الرغم من أن الرأي العام اليمني، ولا سيما المهتمون بالشأن السياسي كان يتوجس من أن يكون «رئيس الوزراء الذي تقرر أن يخلف عبد الكريم الإرياني» أحد الشخصيات القديمة التي تولت المنصب من قبل إلا أن الإعلان عن تكليف عبد القادر باجمال بتشكيل الحكومة السادسة منذ توحيد اليمن لم يخفف من الهاجس العام، رغم أن الرجل جديد في هذا المجال، بل زادت الهواجس والمخاوف باعتبار أن «باجمال» متحمس شديد الحماس لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المكروه شعبيًّا، ومتحمس لبرنامج الخصخصة والانخراط في اتفاقية التجارة العالمية بلا تحفظات، كما أنه في الأخير واحد من النخبة السياسية التي تحكم منذ سنوات شهدت فيها البلاد محطات ومواقف، مثيرة للجدل والخلاف على مستويات عدة.

التغيير الحكومي.. لماذا؟ 
منذ شهور ليست قليلة صار أمر التغيير الحكومي لا مفر منه، ويعيد متابعون للشأن جذور هذا الأمر إلى يونيو ۱۹۹۸م عندما اندلعت أعمال شغب عنيفة في أعقاب إعلان حكومة عبد الكريم الإرياني الجديدة آنذاك قرارات برفع أسعار عدد من المشتقات النفطية التي أطاح الخلاف حولها بالحكومة السابقة التي كان يترأسها د. فرج بن غانم، الذي رفض الموافقة على القرارات حتى تتاح له فرصة إجراء تغييرات حقيقية في الجهاز الإداري حتى يشعر الرأي العام بوجود برنامج حقيقي للإصلاح الاقتصادي، وكان مثيرًا أثناء المظاهرات الشعبية أن السهام كلها توجهت نحو شخص رئيس الوزراء، وتوحدت حتى الهتافات والألفاظ مما أعطى انطباعًا بأن هناك موجهًا واحدًا للأحداث؛ لتحقيق أهداف معينة وطوال العام الماضي اشتدت حملات صحفية ضد الإرياني حملته مسؤولية توريط اليمن في علاقات وسياسات مشبوهة مع جماعات اليهود المتنفذين في الولايات المتحدة، وكان من نتائجها فتح أبواب السياحة أمام وفود صهيونية بأوامر مباشرة دون التفريق بين اليهود ذوي الأصول اليمنية وغيرهم.
ومع أن وجود هذه الخلافات كان أمرًا متداولًا إلا أن تنحية الإرياني أو قبول استقالة حكومته لم يكن بالقرار السهل، فقد جاءت حكومته في أعقاب الخلاف الشهير بين رئيس الوزراء الأسبق فرج بن غانم، وهو مستقل سياسيًّا، وقيادة الحزب الحاكم انتهت باستقالته، وبالتالي فإن ذهاب حكومة الإرياني في زمن قصير، وفي أجواء أزمة كان سيعطي انطباعًا قويًّا بعدم استقرار الأوضاع، وفشل الحزب الحاكم في إدارة أمور البلاد بعد أن أحكم سيطرته تمامًا على السلطة في أعقاب انتخابات ۱۹۹۷م، وانفراده بتشكيل الحكومة.
عبد القادر باجمال ليس غريبًا عن المسرح السياسي، فهو أصلا من قيادات الحزب الاشتراكي الذي حكم في عدن، ومن جناح الرئيس السابق علي ناصر محمد، الذي انهزم في معارك الاقتتال الأهلي عام ١٩٨٦م، وتعرض باجمال للفصل حزبيًّا والاعتقال لكنه انضم بعد الوحدة إلى حزب المؤتمر الشعبي، وكل وجوده غير مؤثر حتى اندلاع الحرب الأهلية عندما اختير لمنصب، نائب رئيس الوزراء أثناء الحرب بديلًا عن مسؤول اشتراكي «جنوبي»، وبعد هزيمة مشروع الانفصال لمع نجم باجمال بقوة باعتباره من الشخصيات المنتمية للمناطق الجنوبية المؤيدة لبقاء دولة الوحدة، لكن حظوظه السياسية تحسنت في الأدوار التي قام بها في حل المشكلات الحدودية مع المملكة العربية السعودية، ثم أثناء توليه وزارة الخارجية منذ عام ١٩٩٨م.
ومن المعروف أن رئاسة الوزراء في اليمن ظلت محصورة في شخصيات قليلة وحتى في ظل النظام الشيوعي في عدن احتكر علي ناصر محمد منصب رئاسة الوزراء منذ عام (۱۹۷۱م) حتى عام ۱۹۸۰م، عندما انتزع منه انتزاعًا، أما في صنعاء فقد كان «محسن العيني» هو رئيس الوزراء الدوري في عهد القاضي عبد الرحمن الإرياني، ثم في بداية عهد الرئيس «إبراهيم الحموي»، وبعد إزاحة «العيني» استقرت رئاسة الوزراء عند عبد العزيز عبد الغني الذي تداولها مرة مع د. عبد الكريم الإرياني (۱۹۸۰ - ۱۹۸۳م) ثم عاد إليها حتى (۱۹۹۰م) وحينها تولى رئاسة الوزراء حيدر العطاس (١٩٩٠ - ١٩٩٤م) قبل أن يعود عبد العزيز عبد الغني مرة ثالثة (۱٩٩٤ ۱۹۹۷م)، ثم تركها الدكتور «فرج بن غانم» لمدة تسعة أشهر تقريبًا قبل أن تؤول إلى د. الإرياني.
وعندما صار واضحًا أن هناك حكومة جديدة ظلت أغلب الترجيحات ترشح «عبد العزيز عبد الغني» للعودة رئيسًا للوزراء باعتباره غير متطرف سياسيًا وينفع في تسيير الأمور حتى تهدأ التناقضات والمصالح المتصادمة.

مفاجأة:
ولم يكن اسم «باجمال» بعيدًا عن قائمة الترشيحات لكن إعلان اختياره بدا وكأنه مفاجأة، فما يزال المنصب يحتاج إلى شخصية يظن كثيرون في اليمن أن باجمال يختلف عنها، ولعل هذا سيكون التحدي الأول له، أي أن يؤكد أنه جدير برئاسة الوزراء، وقادر على تسيير الأمور ومراعاة التناقضات والمصالح المتنافسة.
ويستند عبد القادر باجمال إلى قوة التيار، أو الجناح السياسي الذي كان منتميًا إليه وهو جناح الرئيس السابق «علي ناصر محمد»، الذي انخرطت معظم مجاميعه في حزب المؤتمر بعيد الوحدة، وهو تيار يضم نخبة كبيرة من السياسيين والعسكريين الذين انشقوا على الحزب الاشتراكي عام ١٩٨٦م، ولهم وجود مؤثر في السلطة الآن بدءًا من نائب الرئيس، ومرورًا بتمثيل دائم في أي حكومة وانتهاء بمناصب قيادية عسكرية ومدنية ولا سيما في المناطق الجنوبية والشرقية؛ حيث يعدون أساس الحزب الحاكم في مواجهة الحزب الاشتراكي وحزب الإصلاح الإسلامي، بالإضافة إلى ذلك فإن باجمال أثبت خلال السنوات الماضية ولاء غير متردد للرئيس علي صالح وتوجيهات حكمه السياسية والاقتصادية، وظهر كأحد المساعدين القلائل جدًّا الذين يعتمد عليهم الرئيس في إدارة الأمور ومواجهة الاستحقاقات السياسية في الداخل والخارج.
ربما يكون غريبًا أن نقول: إن أهم التحديات التي ستواجه حكومة باجمال في مواجهة العداء الخفي الذي ستلاقيه من داخل الحزب الحاكم ومراكز النفوذ المتنافسة التي لم يرضيها أن نجح بإجمال فيما فشل فيه السابقون، كما أن نجاحًا ما يحققه سوف يعني ازدياد رصيده السياسي مستقبلًا على حساب شخصيات ترى أنها أحق وأجدر، بالإضافة إلى حقيقة مؤكدة من أي عملية إصلاح حقيقية تصطدم بمجموعات مصالح اقتصادية وسياسية وجهوية لم تستسلم بسهولة أمام أي محاولة للمس بها.
هذا بالطبع إذا نجحت الحكومة في امتلاك «إرادة حقيقية» للتغيير وإصلاح الأوضاع؛ لأن «داء التغيير والإصلاح» يكمن «في أداة التغيير والإصلاح» نفسها، فهي جزء من الأزمة، وتحمل كل موروثات الخلل والتنافس بين مراكز القوى النافذة في السلطة.
وعلى المستوى العام هناك ملفات بالغة الأهمية بانتظار الحكومة، وهي ملفات ليست جديدة على قيادات الحزب الحاكم، لكن التحدي سيبدو في طرق معالجتها ومدى الجدية في ذلك، فهناك أولًا الملف الاقتصادي الذي ارتبط ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المعمول به منذ عام ١٩٩٥م، وهو برنامج نجحت مراحله في تأمين مصادر دخل كبيرة للحكومة عن طريق رفع أسعار الخدمات العامة، وتقليص دور الحكومة في مجالات عديدة لحساب القطاع الخاص، لكن في المقابل فإن هذا البرنامج أرهق فئات ضخمة من الشعب تضررت مستويات عيشتها بقوة؛ لأنها تحملت الفاتورة، وحدها، بينما لا تزال نسبة البطالة والتضخم وتدهور مستوى الخدمات العامة علامات بارزة على أن برنامج الإصلاح الاقتصادي لم يحقق نتائج لصالح المواطنين تبرر تلك الصعاب التي يلقونها في حياتهم اليومية.

أحزاب المعارضة:
ومن الملفات المهمة كذلك ملف علاقة الحزب الحاكم بأحزاب المعارضة التي شهدت خلال فترة الانتخابات المحلية والاستفتاء على التعديلات الدستورية توترات ومصادات دامية عكست في الحقيقة حالة اللائقة التي يتبادلها الطرفان، وعلى الرغم من أن الحزب الحاكم لا يضع اهتمامًا كبيرًا للمعارضة باستثناء حزب الإصلاح، إلا أن استمرار التوتر بين الطرفين سيكون له تأثيرات سلبية على النظام بشكل عام على أداء الحكومة ولا سيما إن زاد الإسلاميون من مستوى معارضتهم، وهو أمر يعتمد على اختيارات الحكومة الجديدة في مجالات متعددة، لكن أخطرها هو إحساس قوي لدى جميع المعارضة بأن السلطة الحاكمة تؤسس لنظام سياسي يهيمن فيه الحزب الحاكم باسم الأغلبية، ويهمش المعارضة تهميشًا يجعلها بلا دور حقيقي، ويكرس لها دورًا ديكوريًّا وفق مصطلح المعارضة نفسها، ولعل ما يؤخر السلطة عن تنفيذ هذا المخطط هو وجود التيار الإسلامي ذي الشعبية الواسعة كما أثبتت الانتخابات الأخيرة.
وعلى المستوى الخارجي لم تعد هناك قضايا مهمة يمكن القول إنها تمثل تحديًا حقيقيًّا للحكومة، فكل مشكلات الحدود تكاد تنتهي وبقيت لمسات أخيرة لطي ملف الحدود اليمنية السعودية، لكن سيبقى ملف حساس بين الحكومة والمعارضة يتعلق بالعلاقات مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة، التي تجعل من مقتضيات العلاقة معها السير في طريق «التطبيع» التدريجي المعلن أو الخفي مع الكيان الصهيوني، وهي مسألة تثير ردود فعل شعبية وسياسية قوية ضدها، وتسبب إحراجًا للنظام، لكن «باجمال» من ذلك النوع من السياسيين الذين لا يجدون مبررات عقائدية كافية تمنع من التجاوب مع التمنيات الأمريكية لهم بكسر حواجز منصوبة على طريق بناء العلاقات الخارجية على أساس المصالح وحدها بعيدًا عن الأيديولوجيات والموروثات السياسية القومية والوطنية.

حكومة جديدة ومهام قديمة:
حكومة باجمال خلت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة من أسماء اعتادت أن تجد لها مكانًا محجوزًا في أي حكومة، وأبرز هذه الأسماء هو: د. عبد الكريم الإرياني، الذي يحتفظ عادة بوزارة الخارجية أو التخطيط إن لم يكن رئيسًا للوزراء.
وعلى الرغم من أن الحكومة شهدت دخول ٢٣ وزيرًا جديدًا إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن تغييرات حقيقية سوف تحدث، فحتى هذا التغيير جاء لأسباب ذاتية عند وزراء قدامى فضلوا الانسحاب، كما أن مطلب التغيير الشعبي والوعود الرسمية بتحقيق ذلك كانت وراء التوسع في عملية إدخال الوزراء الجدد الذين لم يجدوا أمامهم فرصًا كبيرة لتحقيق إنجازات واضحة تدعم قرار اختيارهم، فمعظمهم جديد على وزارته، ويحتاج إلى زمن مناسب لاستيعاب واقع العمل وإدارة الأمور ناهيكم عن تحقيق نتائج طيبة.
إن أهم تحد يواجه حكومة «باجمال» هو أن تثبت أنها جديرة بمهمتها، وأنها حكومة صاحبة قرار ورؤية للتغيير، وليست مجرد حكومة مؤقتة يراد لها أن تكمل مدة السنتين الباقيتين على موعد الانتخابات النيابية القادمة ٢٠٠٣ م.

الرابط المختصر :