; حكومة «جاناتا» الائتلافية تختنق بدخان تفجيراتها النووية | مجلة المجتمع

العنوان حكومة «جاناتا» الائتلافية تختنق بدخان تفجيراتها النووية

الكاتب سامر علاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 13

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 27-أبريل-1999

لم تشفع التجارب النووية والصاروخية التي تبناها التحالف الحاكم (سابقًا) في نيودلهي بزعامة حزب [بهاراتيا] جاناتا في الحيلولة دون سقوطه بعد أقل من ثلاثة عشر شهرًا في الحكم، كما لم يفلح صاروخ [أجني 2] الأخير في وقف انهيار الحكومة خاصة بعد أن تخلى عنها حزب إيادمك بزعامة الممثلة السابقة جايا [لاليثا].

لقد اعتبر تحالف الحكم أن إطلاق صاروخ [أجني 2] بعد أحد عشر شهرًا بالضبط من التفجيرات النووية مفخرة تاريخية، فيما نظرت إليه المعارضة على أنه محاولة يائسة لوقف التدهور السياسي بعد أن بدأ منحنى حزب بي جي بي المتزعم للتحالف بالانحدار منذ شهر ديسمبر الماضي على إثر أزمة البصل في الهند، وخسارة بي جي بي للانتخابات في أربع ولايات هندية مهمة وبدا انهيار التحالف وشيكًا بعد أزمة إقالة قائد سلاح البحرية، ومطالبة جايا [لاليثا] بإقالة وزير الدفاع جورج [فيرنانديز] على إثر ذلك مقابل الاستمرار في تحالف الحكم.

ظهر حزب «بي جي بي» بعد انتخابات فبراير - مارس 1998م باعتباره أقوى كتلة في البرلمان المركزي الهندي، وبديلًا عن حزب الكونجرس الذي هيمن على الحكم في نيودلهي منذ الاستقلال بصورة مباشرة وغير مباشرة، إلا أن «بي جي بي» كان يفتقد إلى الأغلبية التي تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده، إضافة إلى أنه لم يكن ذا تاريخ وخبرة سياسية برغم حنكة بعض رجاله مثل لال [كريشنا] أدفاني الذي عين وزيرًا للداخلية ومرشحه لرئاسة الوزراء آنذاك [أتال] بهاري فاجبايي الذي شغل منصب وزير الخارجية في نهاية السبعينيات. ولم يكن فاجبايي أحسن حظًا من سابقيه في بي [سينغ] وناراسيما راو وديف جودا، [وغوجرال] الذين ترأسوا حكومات ائتلافية قبله إذ لم يتمكن أي منهم غير ناراسيما راو من إكمال عام في رئاسة الوزراء، وبذلك فقد اعتبر تخطي العام لحكومة فاجبايي أمرًا غريبًا.

البي. جي. بي وتنفيذ «الأجندة»

يعتبر حزب بي جي بي وليد الأحزاب الهندوسية المتطرفة مثل [فيشوا] هندو [باريشاد] VHP، وسانج [باريفار] وراشتريا [سوايامسيفاك] سانغ RSS التي أرادت استخدام الحزب، وسيلة لتنفيذ أجندتها، وأداة سياسية لإحياء الهندوسية القومية في الهند، فقد حمل البرنامج الانتخابي لـ«بي جي بي» عدة نقاط في أجندته هي ملخص أفكار هذه التنظيمات وأهدافها، أهمها:

  • تطبيق [الهندوتفا] [Hindutva] التي تعني هيمنة الثقافة الهندوسية باعتبار الهند هندوسية.
  • إجراء تجارب نووية وإعلان الهند قوة نووية.
  • إلغاء الوضعية الخاصة بكشمير من الدستور وضم الجزء الذي تديره باكستان منها.
  • فرض قانون مدني موحد لعموم الهند يشمل أتباع الديانات الأخرى حتى في القوانين الشخصية.
  • الاستغناء عن الاستثمار الاقتصادي الأجنبي وبناء الاقتصاد محليًا.
  • العمل على إقامة حكومة نظيفة تضع حدًا للفساد المستشري في البلاد.
  • إقامة معبد رام على أنقاض المسجد البابري.

وبعيدًا عن الدعاية الانتخابية، فقد واجه الائتلاف الحكومي [تحديين] كان عليه أن يتجاوزهما بنجاح هما: كيفية الحفاظ على توازن التحالف بإرضاء المشاركين فيه من جهة، والتعاطي مع القوميين الهندوس والمتطرفين في حزبه، وحسن التصرف معهم.

وعلى الرغم من أن حكومة فاجبايي ضمت أكثر القوميين الهندوس تطرفًا ممثلًا في وزير الداخلية لال [كريشنا] أدفاني الذي لم يتوقف عن التصريح باستبدال القومية الهندوسية بالعلمانية والمناداة بضم كشمير بل أحيانًا باجتياح باكستان، وإلغاء قرار تقسيم شبه القارة الهندية، وإعلان [كونفدرالية]، فإن فاجبايي كان حريصًا على أن يقدم الوجه المتحضر لحزب بي جي بي، واستطاع الاستمرار بتحالفه بعاملين:

الأول: أنه نأى بنفسه عن المتعصبين الهندوس في العديد من القضايا مثل الهجوم على الأقليات خاصة المسيحيين وتطبيق [الهندوتفا].

والثاني: بالاستجابة لضغوط أحزاب التحالف والقبول بالحد الأدنى من الأجندة الوطنية بعيدًا عن التطرف.

وبذلك تمكن شركاء التحالف من تخفيف تطرف الـ«بي. جي. بي» فلم تطبق [الهندوتفا] بسبب التوجهات العلمانية الصريحة لعدد من أحزاب التحالف، كما لم يتمكن من بناء معبد رام على الرغم من الضغوط والاستعدادات الهندوسية خشية إحداث أزمة يفرط فيها التحالف كما لم يتمكن من تحقيق تقدم يأمله الهندوس المتعصبون في كشمير.

وتمكن بي جي بي من تحقيق وعده الانتخابي بجعل الهند قوة نووية منهيًا عهودًا من التكتم على السلاح النووي، ومخرجًا الهند من ورطة «نكون أو لا نكون» فيما يتعلق بالمسألة النووية، إلا أن باكستان قطعت الطريق على الهند بتفجيراتها المماثلة في أن تكون قوة عالمية وتحصل على مقعد دائم في الأمم المتحدة، كما أن مجاراة باكستان للهند في السلاح النووي والصاروخي أعاق تقدم الهند المشهور سياسيًا وعسكريًا باتجاه حسم القضية الكشميرية ولو بالقوة حسب تصريحات وزير الداخلية الهندي والمكلف بملف كشمير من قبل حكومة فاجبايي إذ إن إعلان باكستان عن قدراتها النووية وامتلاكها الصواريخ القادرة على حملها ولد إدراكًا بالواقعية لدى الطرفين، وإلا لكان الحال حول كشمير مخيفًا تمامًا عما هو الآن.

الأقليات تتنفس الصعداء

لعل أكثر من تنفس الصعداء بسقوط حكومة الـ«بي. جي. بي» هم مواطنو الأقليات الدينية على اختلاف أطيافها، والكشميريون الذين لم يعرفوا من حكومة بي جي بي سوى الخطط الأمنية المتتابعة بحجة ضرب المقاومة الكشميرية، ودعاة الانفصال، وكلفت رئيس الاستخبارات العسكرية الهندية السابق الجنرال [كريشنا] راو بمهام حاكم ولاية جامو وكشمير ووزير الداخلية الشخصية الأكثر تعصبًا ونفوذًا في الحكومة بملف كشمير، والذي سعى جاهدًا لتغيير الوضع الدستوري لكشمير والوضع السياسي والاجتماعي.

أما الأقليات فعلى الرغم من أنها تتمتع بضمانات دستورية قوية فإنها شهدت أسوأ حقبة في تاريخها في عهد حكومة الـ«بي. جي. بي» وخاصة الأقلية المسيحية التي كانت تعتبر من الأقليات المحترمة في البلاد بسبب امتدادها الخارجي، وبلغت الاعتداءات عليها من قبل المتطرفين الهندوس وأعضاء حزبي بي جي بي ذروتها في شهري ديسمبر ويناير الماضيين إذ أُحرق العديد من الكنائس، وقُتل عدد غير قليل من المنصرين الأجانب والمحليين.

أما المسلمون الذين حاولوا الإبقاء على علاقة مع حزب المؤتمر في العقود السابقة فإن الكونجرس أظهر عدم اكتراث بهم منذ عام 1991م، أي مع بداية عهد ناراسيما راو خوفًا من خسارة أصوات الهندوس، وقد ظهر ذلك جليًا في الموقف تجاه هدم المسجد البابري، وهو الموقف نفسه تجاه الاعتداءات على الكنائس هذا العام إذ حاول حزب الكونجرس توظيفها سياسيًا بدلًا من حمايتها بالضمانات الدستورية الواضحة للحفاظ على علمانية الديمقراطية في الهند، لذلك فإن المسلمين حبسوا أنفاسهم في العام الماضي متوقعين أيامًا عصيبة في ظل حكومة بي. جي. بي، إلا أن أحزاب التحالف منعت إلى حد ما سير الأمور وتدهورها دينيًا وطائفيًا من سيئ إلى أسوأ، وحالت دون فرض برنامج تطبيق القانون المدني الموحد، [والهندوتفا] (الثقافة الهندوسية الأحادية) واضطر بي. جي. بي إلى تجميدها ولو مؤقتًا، إلا أن هذه الأحزاب لم تستطع التفاهم مع حزب بي. جي. بي على صيغة للخروج من الأزمة في كشمير.

وجدت حكومة الـ«بي. جي. بي» نفسها مضطرة منذ اليوم الأول للوقوف موقف الدفاع في السياسة الخارجية وذلك بمحاولة تحسين صورتها أمام العالم، وتوضيح موقفها من التطرف المتهمة به، وهو ما دفعها إلى إيفاد عدد من الوفود لشرح الموقف الهندي بل إنها اختارت خبراء في الإعلام لتعيينهم سفراء في عدد من الدول مثل القاهرة، وأبوظبي ولندن، وغيرها، وقد تولى رئيس الوزراء نفسه حقيبة وزارة الخارجية لما تشكله السياسة الخارجية من أهمية قبل تكليف [جاسوانت] سينج قبل ثلاثة شهور من سقوطها.

وقد أدت السياسة الخارجية الضعيفة التي انتهجتها الحكومة السابقة إلى تراجع الهند دوليًا حتى إن وزير الدفاع السابق [مولايام] سينج رئيس حزب [ساماجوادي] قال في البرلمان إن حكومة فاجبايي جعلت من باكستان دولة موازية للهند على الساحة الدولية، ومكنتها من الظهور كقوة دولية نووية، وفتحت لها المجال لإظهار قضية كشمير كقضية دولية وهي اليوم أصبحت تقف على قدم وساق مع الهند.

وفي المحافل الدولية ظهرت الهند- التي كانت في السابق تعامل كقوة إقليمية- محط انتقاد في جميع المؤتمرات مثل قمة [الآسيان]، [وسارك]، ومجموعة الدول الصناعية الثماني، ومؤتمر حركة عدم الانحياز، والجمعية العمومية للأمم المتحدة وغيرها حتى إن فاجبايي عاد من قمة عدم الانحياز في بداية سبتمبر الماضي ليواجه اللوم في بلاده بسبب إخفاقه في تحقيق انتصار دبلوماسي في المنظمة التي كان للهند دورها الريادي فيها بل كانت من أهم مؤسسيها.

هذه الإخفاقات كلها صبت في مصلحة باكستان حتى إن أحد المراقبين للتطورات في جنوب آسيا قال إنه لم يعد من الممكن لشخصية عالمية زيارة الهند دون الابتداء بباكستان، أو الانتهاء بها.. أما التقدم الذي يكاد يكون الوحيد في مضمار السياسة الخارجية الهندية فقد كان مع روسيا التي تعتبر العلاقات معها إستراتيجية إذ توافقت المصالح معها في هذه المرحلة.

الرابط المختصر :