; حملة إسرائيلية لاسترداد بقايا اخطر جاسوس في تاريخ الموساد | مجلة المجتمع

العنوان حملة إسرائيلية لاسترداد بقايا اخطر جاسوس في تاريخ الموساد

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999

مشاهدات 46

نشر في العدد 1344

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 06-أبريل-1999

جاسوسية

إيلي كوهين كاد يصبح رئيسًا لوزراء سورية

حملة إسرائيلية لاسترداد بقايا

أخطر جاسوس في تاريخ الموساد

عمان: محمود الخطيب

* الانحرافات اللاأخلاقية لكبار المسؤولين والضباط أخطر طريق لانكشاف الأمن القومي

لعله لم يبرز على امتداد تاريخ جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية «الموساد» شخصية مغامرة وجريئة خدمت القضية الصهيونية والدولة اليهودية كما فعل «إيلي كوهين»، فالمعلومات التجسسية والاستخبارية المهمة والخطيرة التي قدمها كوهين للدولة اليهودية ساعدتها على الانتصار في يونيو 1967م خلال ساعات معدودة، وقد أوشك هذا الجاسوس اليهودي أن يتقلد منصب وزير الدفاع، بل ورئيس وزراء في عهد الرئيس السوري الأسبق أمين الحافظ في منتصف الستينيات قبل أن يكتشف أمره عام 1965م.

وإذا كانت الموساد قد بلغت هذا الحد من الاختراق في الجسم العربي قبل خمسة وثلاثين عامًا، وإسرائيل ما زالت دولة ناشئة فكيف حجم الاختراق الذي نجحت في إحداثه في يومنا هذا بعهد أن تمكنت واخترقت البيت الأبيض الأمريكي وغيره من خلال اللوبيات اليهودية المتنفذة في العالم الغربي؟ وإذا كان نظام عربي قد اكتشف إيلي كوهين وأعدمه، فكم عدد «الكوهينات» الذي يصولون ويجولون، وربما يتقلدون مناصب قد تكون حساسة جدًا في بعض أجزاء الرقعة العربية ولما يكشف أمرهم بعد؟

ولا نكون واقعيين إذا استبعدنا الأدوار التي يلعبها جهاز الموساد في مسارح الأحداث التي تدور في عدد من دول عالمنا العربي، وهي ليست بمالغة في تقرير قوة هذا الجهاز الذي مني خلال الشهور القليلة الماضية بسلسلة من الخيبات والسقطات في عدد من مناطق العالم لكنها لم تكن بدرجة تلغي فاعليته، فالموساد يحقق نجاحات على جبهات أخرى أخرها في كينيا حيث تشير المعلومات إلى ضلوعه في اعتقال الزعيم الكردي عبد الله أوجلان وتسليمه للأتراك! ثم اتهمت مصادر إيطالية مطلعة الموساد بالضلوع في خطف وتصفية ألدو مورو رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق في عام 1979م، وهي التهمة التي ألصقت وقتها بالمافيا الإيطالية!

وإذا علمنا أن اليهود يديرون الآن أكبر وأقوى جهازي استخبارات في العالم الأمريكي «سي. أي. إيه»، والروسي «كي. جي. بي»، فإن الحقيقة التي لا يمكن إغفالها هي أن هؤلاء اليهود المتنفذين في أجهزة الاستخبارات العالمية هم خدم للدولة اليهودية التي ينتمون إليها وجدنًا وسلوكًا ومن ثم فإن حصيلة معلوماتهم ستصب في نهاية الأمر في جعبة الموساد، ولعل هذا سر قوة الموساد!

لم تهدأ الدولة العبرية ولم تكف عن المطالبة برفات «بطلها القومي» إيلي كوهين الذي ترفض السلطات السورية حتى هذه اللحظة إعادته إلى «إسرائيل» لكي «ترتاح روحه بصلاة الكاديش» كما يطالب ذووه وحكومته، والكاديش هي صلاحة الجنازة اليهودية التي كان إيلي كوهين قد طلبها من عائلته في أخر رسالة بعث إليهم قبل أيام من إعدامه.

ويقوم المدعو موريس كوهين شقيق الجاسوس اليهودي ومن اليهود المتدينين بتحويل كنيسة الذي أقامه في ضاحية رامات غان قرب تل أبيب إلى مركز ديني محلي ضخم تخليدًا لذكرى أخيه الجاسوس، وهناك موقع على شبكة الإنترنت مخصص لذكرى كوهين ولجمع رسائل الاسترحام وإرسالها إلى الرئيس السوري لإطلاق سراح ما تبقى من عظام إلي الذي عاش بين الشوريين تحت اسم كامل أمين ثابت «!» وتمثل الحملة التي يقوم بها اليهود والإسرائيليون للضغط على الحكومة السورية منذ أكثر من ثلاثين عامًا لتسليم رفات كوهين إلى ذويه صورة مثيرة تعكس مدى تقديس اليهود لأحيائهم وأمواتهم على حد سواء «!»

قود ألفت كتب عديدة حول أسطورة رجل الموساد كوهين بمختلف اللغات بعضها تمادي في تبجيل الجاسوس وبالغ في وصف ذكائه وعبقريته، لكن مالا خلاف عليه أن الرجل نجح في عمله إلى الحد الذي رشحه لنصب وزير الدفاع في دولة عربية مواجهة للعدو الصهيوني، ويقال أيضًا إن أمين الحافظ كان يريد تعيينه رئيسًا لوزراء سورية، البلد التي زرع فيها.

قصة اكتشاف الجاسوس

الرواية الرسمية السورية قالت: إن سلطات الأمن السورية ألقت القبض على كوهين متلبسًا بجريمته، حيث كان يرسل رسائل عن طريق الراديو «اللاسلكي» إلى إسرائيل، وتضيف أن رجال الأمن السوريين وضعوا فخًا لكوهين بعد أن شكوا بحدوث تسريب كبير وإرسال لاسلكي يتم إلى خارج دمشق غير محدد مصدره، والذي أثار شكوك رجال الأمن السوريين شكاوى كثيرة وصلتهم من السفارة الهندية المجاورة لشقة كوهين في دمشق بحدوث تشويش على جهاز اللاسلكي المستخدم في السفارة، وحاولت السلطات السورية معرفة مصدر التشويش لكنها لم تكن تملك أجهزة متطورة قادرة على ذلك، فاستعانت بالخبراء الروس الذي أحضروا جهازًا متطورًا استطاع في النهاية تحديد مصدر التشويش في شقة كوهين والقبض عليه متلبسًا بالجريمة.

ومع كوهين اعتقلت السلطات السورية أكثر من 500 ممن كان يعتقد بوجود علاقة لهم بكوهين، وضمت قائمة الاعتقال سكرتيرات في الحكومة، ومضيفات طيران، كن يترددن على شقة كوهين معهم مسؤولين وضباط كبار، ولم تكن لأحد منهم علاقة عمالة بكوهين، الذي كان يبدو وقد خدع كل من عرفه.

وعلى الرغم من أن الرئيس الحافظ هو الذي جاء بكوهين إلى دمشق بعد أن التقاه في بيونس أيرس بالأرجنتين بصفته مواطن من أصل سوري ولد في بيروت ونشأ في الإسكندرية وهاجر إلى الأرجنتين عام 1961م يوم أن كان الجنرال الحافظ يعمل ملحقًا عسكريًا في السفارة السورية في دمشق، وعلى الرغم من العلاقة الحميمة الخاصة التي كانت تربط بين الرجلين إلا أن اعتقال كوهين بتهمة التجسس وكشف هويته الحقيقية جعل الحافظ يتنصل من معرفته، بل إنه في مقابلة صحفية بعيد القبض على كوهين حاول قلب الحقائق.

وأوضح الرئيس الحافظ كيف نجح في كشف هوية الجاسوس عندما طلب منه قراءة سورة الفاتحة «!» وربما كان إيلي كوهين يحفظ الفاتحة وسورًا أخرى من القرآن لم يسمع بها الرئيس الحافظ ولم يقرأها، فقد تلقى كوهين باعتراف الموساد دورات تدريبية مكثفة في اللغة العربية واللهجة السورية التي لم يكن يتقنها، حيث إنه كان يتكلم اللهجة المصرية إضافة إلى العبرية، كما أنهم ذهبوا به إلى شيخ مسلم في منطقة الناصرة يدعى محمد سليمان لتعليمه القرآن الكريم والصلاة، وكان يتدرب على ذلك بالتردد على المساجد لتأدية الصلاة حتى يألف الدين الإسلامي ويتشربه.

وكان كوهين مخلصًا للعمل الذي جاء إلى سورية من أجله، فشقته التي استأجرها مقابل قيادة أركان الجيش السوري تمامًا وفي شارع تكثر به السفارات الأجنبية في دمشق كانت مفتوحة لكبار المسؤولين في عهد أمين الحافظ وكبار ضباط الجيش، بل كان يفتح لهم شقته ويعيطهم مفاتيحها أحيانًا للعربدة والفسوق دون أن يشاركهم ودون أن يبدو عليه أدنى حرج من تواجدهم في شقته التي كانت تحتوي على أجهزة الإرسال والتجسس! ولم هيكن ذلك يثير ريبتهم وكان هو مطمئنًا إلى استحالة كشف هويته.

ومن خلال إطلالة شقته على مقر قيادة الجيش السوري، وانفتاح المسؤولين والضباط عليه دون حرج وكشفهم له أدق المعلومات الخاصة بالعمليات العسكرية والمناوشات بين الجيشين السوري والإسرائيلي على جبهة الجولان وباستعدادات سورية للحرب استطاع كوهين جمع معلومات حساسة وخطيرة كان يرسلها لمسؤوليه في الموساد عن طريق الراديو، وكانت علاقاته هذه تسمح له بدخول مكاتب كبار المسؤولين وتصوير ما شاء من وثائق دون أن يثير الريبة في نفوسهم ودون أن يبدي أمامهم فضول الجواسيس، بل إن بعضهم كان يصحبه إلى جبهة الجولان لمعاينة الاستعدادات السورية للحرب.

الحملة السياسية والدبلوماسية العالمية التي قام بها الإسرائيليون لإنقاذ حياة عميلهم باءت بالفشل الذريع ولم تفلح وساطات رؤساء الدول والحكومات وأصحاب المراكز والبابا بولس السادس في ثني السلطات السورية عن قرارها إعدام كوهين.

ولم تسمح السلطات السورية لأحد بمقابلة كوهين قبل إعدامه سوى صحفي لبناني، نقل عنه قوله: «ذهبت إلى سورية للعمل من أجل بلدي، من أجل مستقبل شعبي وزوجتي وأطفالي الثلاثة ويهمني أن يعرف الناس أنني لم أخن إسرائيل قط»!

لم يكن أحد في «إسرائيل» يعلم عن طبيعة المهمة التي كان كوهين يقوم بها في سورية إلا عدد محدود من ضباطه في الموساد، ولم تكن عائلته تعلم عن طبيعة عمله أو عن مكان وجوده، حتى أخوه موريس الذي كان وقتها يعمل في الموساد في استقبال الرسائل والإشارات التي يبعث بها كوهين من دمشق لم يكن يعلم أن كوهين هو الذي يرسل تلك الرسائل إلا قبل شهور قليلة من القبض على أخيه.

ويقول موريس: «كنت أستلم كل رسائل إيلي التي يبعث بها مشفرة من دمشق وأحللها دون أن أعرف أنها من أخي، وفي أحد الأيام استلمت رسالة منه تقول: هل استلمت ناديا ماكينة الخياطة سينجر التي أرسلتها لها؟ لم يكن هناك في دليل الشيفرات كلمات مثل «ناديا» و «ماكينة خياطة سينجر»، سألت رؤسائي ما معنى تلك الرسالة فكانت إجابتهم أن تلك كانت رمزًا سريًا جدًا لا أعرفه، وبداعي الفضول ذهبت إلى ناديا زوجة أخي في ذلك اليوم ووجدت أنها قد استلمت ماكينة الخياطة التي ذكرها إيلي في رسالته.

محطات في حياة الجاسوس كوهين

- 1951م: السلطات المصرية تعتقل كوهين للاشتباه بقيامه بأنشطة صهيونية، ثم تطلق سراحه بعد فترة قصيرة.

- 1956م: على إثر العدوان الثلاثي على مصر الحكومة المصرية تشن حملة إبعاد ضد اليهود في مصر بعد تورط كثيرين منهم في التجسس ضدها، وكان كوهين من بين الذين تم إبعادهم إلى أوروبا، ومن هناك سافر إلى فلسطين المحتلة.

- 1960م: كوهين ينضم إلى الموساد، وبعد دورة تدريبية مكثفة يتم إرساله إلى الأرجنتين ليباشر أول مرحلة من مهمته تحت اسم كامل أمين ثابت، سوري الأصل، هناك يتعرف إلى الملحق العسكري في سفارة سورية وتتوطد العلاقة بينهما... الحافظ «يقنع» كامل بالانضمام إلى حزب البعث.

- 1961م: انقلاب عسكري في سورية يأتي بأمين الحافظ رئيسًا، كوهين يغادر الأرجنتين إلى سورية.

- 1962م- 1965م: كوهين يقوم بزيارات متكررة إلى جبهة الجولان اعتمادا على علاقاته مع ضباط كبار في الجيش السوري، ويبعث لإسرائيل بصور ومخططات ثبتت قيمتها في حرب الأيام الستة.

- 1963م: انتخاب كوهين عضوًا في القيادة القومية لحزب البعث «!» مما مكنه من حضور جميع الاجتماعات القيادية في الحزب، وجعله مقربًا من الدوائر الرسمية العليا.

- 28 فبراير- 19 مارس 1965م: محاكمة كوهين أمام محكمة عسكرية سورية.

- 8 مايو 1965م: صدور حكم الإعدام ضده بدون استئناف.

- 18 مايو 1965م: إعدام الجاسوس كوهين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 584

76

الثلاثاء 24-أغسطس-1982

لماذا الاستغراب؟

نشر في العدد 1416

74

الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

رأي القارئ (1416)