; حوار المذاهب الإسلامية.. ضرورة يحتمها الحاضر ويفرضها المستقبل | مجلة المجتمع

العنوان حوار المذاهب الإسلامية.. ضرورة يحتمها الحاضر ويفرضها المستقبل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007

مشاهدات 62

نشر في العدد 1736

نشر في الصفحة 5

السبت 27-يناير-2007

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ  ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ  إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (فصلت: 33 : 36).

شهدت العاصمة القطرية الدوحة الأسبوع الماضي فعاليات مؤتمر حوار المذاهب الإسلامية، والذي حفل بمناقشات جادة وصريحة حول العلاقة بين الشيعة والسنة، وقد جاء انعقاد هذا المؤتمر في وقت مهم ودقيق تمر فيه العلاقة بين الطرفين السني والشيعي بتوترات وانفعالات، وتلبد سماء الحاضر والمستقبل غيوم تنذر بشر مستطير.. وإن المتابع لما يجري في العراق من عمليات قتل ومذابح وتشريد للأبرياء على الهوية يتأكد أن الوضع جد خطير، وأن ذلك البلد المسلم بات على أعتاب حرب أهلية حارقة بسبب الممارسات الطائفية الإجرامية من فرق الموت والاغتيالات وبسبب الصراع المرير على تحقيق مكاسب سياسية رخيصة على حساب الطرف السني.
كما أن محاولات الترويج للمذهب الشيعي، كما جاء في المؤتمر - في بلاد.. المسلمون فيها جميعًا من السنة مثل مصر والسودان والجزائر وغيرها - أحدثت ردود فعل غاضبة في تلك البلاد، انعكست بالسلب على العلاقة بين الطرفين السني والشيعي وأسهمت في تعكير صفو العلاقة بينهما. ولذلك فإن الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي كان واضحًا وصريحًا أمام المؤتمر عندما أشار إلى أنه لا يجوز أن يسعى أحد الطرفين السنة أو الشيعة، إلى محاولة نشر مذهبه في البلد الآخر، ولا يجوز أن يحاول الشيعة اختراق المجتمعات السنية، ولا بد أن نقف جميعًا لنحاول درء الفتنة الكبرى في العراق، وإننا يجب أن نتحدث بصراحة عما يجري هناك؛ فأكثر الخسائر التي يواجهها العراق الآن تقع بين أهل السنة الذين يقتلون ويهجرون من مناطقهم بسبب فرق الموت التي تلاحقهم.
وقد لخص العالم الشيعي محمد حسين فضل الله أهم العوائق التي تحول دون أي تقارب حقيقي بين السنة والشيعة، والتي تتمثل في عدم التصارح بين المسلمين، ووجود ذهنيات قلقة وخائفة من التواصل والابتعاد عن الأساليب الإسلامية عند الاختلاف، والإستراتيجية الأمريكية التي لا تعيق وحدة المسلمين فحسب، بل تؤسس لكل انقسام في العالمين العربي والإسلامي.
وهكذا وضع هذا المؤتمر -الذي ضم جمعًا مهمًّا من العلماء السنة والشيعة - يده على حقيقة العلاقة بين السنة والشيعة، وهو بذلك يستطيع الانطلاق بمبادرة لتصحيح هذه العلاقة، وإعادة الوئام والإخاء والتعاون إليها، بمواصلة الحوار الجاد والصريح والسعي الدؤوب لإزالة كل أسباب التوتر، وأن يقف الطرفان بكل حزم أمام ما يعكر صفو العلاقة بينهما، وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال والتسامح في الحوار والتعامل مع الآخر وتجنب الغلو في المواقف.
إن الناظر إلى العالم من حولنا يجده يسعى إلى التوحد وإزالة كل أسباب الاختلاف.. والأمة الإسلامية - والحمد لله - تمتلك من عناصر ومقومات التوحد الكثير الكثير، وهي اليوم في أمس الحاجة للالتفاف حول تلك المقومات، لتكون صفًّا واحدًا أمام كل التحديات والأخطار المحدقه بها ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).
وإن درس التاريخ يؤكد أن الخلافات والحروب والصراعات الطائفية لم تسفر يومًا عن فناء طائفة وتمكن أخرى، وإنما أسفرت دائمًا عن إنهاك كل الطوائف وهزيمتها وخسارتها.. فليس هناك في مجال الصراع الطائفي غالب ومغلوب، وإنما الكل – في ساحة الحرب - مغلوب ومهزوم.
ومن هنا فإننا نطالب علماء الأمة سنة وشيعة بمواصلة ما بدؤوه في مؤتمر الدوحة لإطفاء نار التوتر التي بدأ لهيبها يتسع، وأن يبذلوا كل ما لديهم من جهد علمي وحوار هادئ، واتصالات بكل الأطراف لإعادة العلاقات بين السنة والشيعة إلى سابق عهدها توحيدًا لصف الأمة في مواجهة المخططات الشريرة التي تتربص بالعالم الإسلامي وبالإسلام ذاته، وترمي إلى إهلاك المسلمين في خلافات وصراعات وحروب وتمزيق أرضهم، حتى يسهل استعمارهم وتذويبهم ونهب ثرواتهم، والإبقاء عليهم في قاطرة التخلف والتبعية والانحدار. وهذا لن يكون بإذن الله؛ فالخير ما زال موجودًا في الأمة، والأمل ما زال معقودًا في الله سبحانه وتعالى، ثم في علماء الأمة العاملين المخلصين، وعلى الله قصد السبيل.

الرابط المختصر :