; حوار.. بين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن | مجلة المجتمع

العنوان حوار.. بين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن

الكاتب سامي فؤاد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1975

مشاهدات 64

نشر في العدد 276

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 25-نوفمبر-1975

إن من الدعائم الرئيسية، بل نقول، إن الدعامة الرئيسية التي ترتكز عليها النظرية الشيوعية هي عدم الإيمان بالغيب وإن كل ما في الكون هو مادي لا يتعدى إحدى الصور المادية التي نعرفها والتي يمكن أن نخضعها لتجاربنا المجزية ولدراستنا العلمية، حتى أن القيم التي نتعامل بها ما هي إلا صورة منعكسة من غرائزنا الداخلية النابعة من بعض التفاعلات في أجزاء معينة من الجسم أو بعض التوافقات في بعض خلايا المخ، فهي أيضًا- في زعمهم. قضية مادية بحتة. ولما كان التاريخ هو تلك الحوادث التي تتسطر على لوح الكون المادي فهو كذلك مادي

والبحث فيه يخضع إذن إلى منهاج مادي. أما البحث في أسرار الكون والتعرف على تناسقه وجميل نظامه فهو كذلك ينضوي تحت منهج مادي في الدرس والتقصي. ذلك أنه، حسب زعمهم، كل ما في الكون مادي بحت. وبالجملة، أن العلاقات الإنسانية وغير الإنسانية وكل الحوادث التي تسطرت في أحقاب الزمن، وكل الحوادث المستقبلة والتي ستسجل على لوح الكون الفسيح ما هي إلا ضروب مختلفة وأوجه متعددة لعملة واحدة هي «المادة».

وقبل ذلك، وبعد ذلك، ماذا كان وماذا سيكون، فسؤال يحتاج إلى جواب- فقالوا كانت المادة في الماضي السحيق منذ الأزل وستبقى كذلك إلى الأبد. ولما تبين لهم، ولمن يلهث وراء منهجهم أن الكون كان له بداية في الخلق، وأنه خلق منذ حوالي خمسة آلاف مليون عام- حسب حساباتهم- وأن مصير الكون هو البرود المطلق بعد أن تستنفد طاقته.. بعد هذا أسقط في أيديهم وأثبتوا بطلان نظريتهم من أساسها بأنفسهم ومن أعجب العجب، بعد كل ذلك، أنهم يصرون على صحة نظريتهم رغم ظهور زيفها لذوي الأبصار والبصائر وليس لنا بعد تبين الحق إلا أن نتساءل عن سر هذا الإصرار وهذا العناد.

ولا نجد أمامنا إلا جوابًا واحدًا، هو أن ما يحكم هؤلاء في سيرهم ليس صحة دعوى ما يقولون، بل أن ما يحكم سيرهم هو الفلك العام لمصالحهم الذاتية والشخصية والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدوائر اليهودية، بل هي في الحقيقة حلقة متصلة من خلايا الصهيونية العالمية، اقتضت مصلحتها أن ترفع شعارات شتى في بقاع مختلفة من العالم.

ولا شك أن نظرة الشيوعيين السطحية للكون والحياة والإنسان قد أوقعتهم في أخطاء فادحة وتصرفات مقيتة، لا تمت إلى الطبائع البشرية بصلة. وإننا إذ سنفند آراءهم ونرد عليها في هذه العجالة، سيتبين لنا في نهاية البحث أن العقل الإنساني بما وهبه الله من سعة الأفق، وبما وجه تطلعاته بقبس من الوحي الإلهي المنزل على الأنبياء والرسل قد استنار أمامه منهج مكمل وصورة شاملة عن الكون والحياة والإنسان. وإن مغايرة هذا المنهاج الذي رسمه الله لعباده، ما هي في الواقع إلا شطحة خائبة من شطحات العقل وهو ما يطلق عليه عادة لفظ «الجنون».

مما تقدم يتضح لنا أن الماديين انطلاقًا من نظرتهم التي بيناها لا يؤمنون بالله، ولا برسله ولا بكتبه ولا يؤمنون باليوم الآخر، وبالتالي فلا إيمان كذلك بالقضاء والقدر ولا إيمان بالملائكة ولا وجود للجن زاعمين أن كل ذلك ما لا تراه أعينهم ولا يقع تحت إمكانية تجاربهم التي سموها «علمية» وإننا قبل أن نرد على مزاعمهم. هذه يجدر بنا أن نوضح أن الإيمان بالغيب أساس عقيدي ترتكز عليه أركان الإسلام كما قال تعالى:

﴿الم*ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ*وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ*أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

(البقرة: 1-2-3-4-5)

وأن الإسلام لم يطلب من أتباعه أن يؤمنوا بالغيب تقليدًا أو تزمتًا، بل بيّن لهم دعائم هذا الإيمان العقلية والحسية بما لا يدع مجالًا لذرة من شك أو ريب على أننا لا يجب أن ننسى أن الفطرة الإنسانية القائمة على التوحيد- قبل أن يحرفها صاحبها- لهي وحدها كافية أن نعتبرها دليلًا على وجود الله تعالى.

ودعنا الآن نستعرض هذه المناقشة حول موضوعنا بين رجل مؤمن يدين بالإسلام وبين رجل مادي ممن اعترفوا بالتزامهم بالمنهج المادي.

المؤمن: هل تؤمنون بالله؟

الملحد: كلا

المؤمن: لماذا؟!

الملحد: لأننا لا نراه.

المؤمن: هل أنت مؤمن بنظرية ماركس وفرويد؟

الملحد: نعم

المؤمن: فهل رأيتهما؟

الملحد: كلا

المؤمن: فكيف آمنت؟!

الملحد: عن طريق كتبهما.

المؤمن: فهل هناك كتاب أوسع من كتاب الكون يدلك على وجود الله تعالى فكيف استدللت عليهما بكتبهما ولم تستدلل على الله تعالى بهذا الكون العظيم.

الملحد: لا جواب.

وكان أمامنا كأس فيه ماء موضوع على الطاولة.

المؤمن: من سكب الماء في الكأس؟

الملحد: أنا

المؤمن: ألا يمكن أن يأتي الماء ويسكب نفسه في الكأس بنفسه.

الملحد: مستحيل

المؤمن: حسنًا، ومن جمع عناصر الكأس الأولية فصنع منها كأسا لتشرب فيه. الملحد: المصنع، أعني عاملي البشر والآلات

المؤمن: أنت قلت إن الماء لا يسكب نفسه في الكأس بنفسه. وإن الكأس على بساطته اشترك عدد كبير من الناس والآلات في صنعه، فكيف لا تؤمن أن هذا الكون المعقد له صانع وأنه لم يخلق نفسه بنفسه؟

الملحد: قلت لأنني لا أراه

المؤمن: فهل رأيت الناس والآلات التي صنعت كأسك هذا بالذات؟

الملحد: كلا.

المؤمن: فكيف آمنت أن له صناعًا وأن هذا الكون على فسيح أرجائه وتناسق نظامه ليس له صانع بحجة أنك لا تراه؟

الملحد: لا جواب

وهكذا نكون قد استعرضنا وجهًا من القضية الأولى التي طرحها الملحد وهي «عدم الرؤية للحق تعالى» ووجهنا عليها الضوء من زاويتين:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾                    (الطور: 35)

وهو ما عبرنا عنه بسكب الماء لنفسه في الكأس

﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾                                                         (البقرة: 260)

وهو ما عبرنا عنه بتجميع المواد الأولية ليصنع منها الكأس.

وقبل أن ننتقل من موضوع الرؤية لله تعالى كان لا بد من أن نستنفد المناقشة فيها حتى نتناول بعد ذلك قضية أخرى.

المؤمن: قلت إنك لا تؤمن بالله تعالى لأنك لا تراه؟

الملحد: نعم

المؤمن: الأعمى لا يرى الأشياء، فهل الأشياء غير موجودة أساسًا، أم أن الأعمى لا يراها لقصور في بصره؟!

الملحد: ذلك أعمى، أما أنا فأبصر.

فتبسم المؤمن: إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

المؤمن: حسنًا قلت إنك تبصر، فإذا ما أطبق الليل وأصبح ظلامه دامسًا فهل ترى من شيء؟

الملحد: كلا

المؤمن: الأشياء موجودة، ولكنك لا تراها لقصور في بصرك عن إدراك أكثر مما صمم له، نقطة أخرى، لو زودناك بجهاز يصدر أشعة خاصة يمكنك من رؤية الأشياء في الليل وكأنك تراها في النهار. أفلا يكون ذلك دليلًا كافيًا ليقنعك بأن إمكانياتك البصرية ضعيفة وأنك إذا أضفت إليها وسائل أخرى يمكن أن توسع لك مدى الرؤية؟

الملحد: نعم

المؤمن: وأحب أن أضيف أنك على كل حال مهما حسنت في وسائل توسيع إمكانياتك المادية فإنك لا تستطيع أن تتجاوز حدًّا معينًا وهو الحد الذي لا يمكن أن تدركه بوسائلك الخاصة مهما حسنت فيها وأضفت. ذلك أنك في معظم الأحيان لا تدرك حقائق الأشياء وإنما تدرك جانبًا منها كما تصورها لك وسائلك التي ركبها الله فيك. وأضرب لك مثلًا بسيطًا لتتوضح هذه المسألة في ذهنك. أرأيت لو أنك لبست نظارة ذات عدسة حمراء. أفلا ترى كل شيء قد أصبح أحمر. أو أنه قد اصطبغ بالحمرة على نحو من الأنحاء. فلو أن الله خلق أعين الناس جميعًا بحيث أنها لا ترى الأشياء إلا على النحو الذي شاهدته أحمر من خلال نظارتك. فهل هذا يعني على وجه الحقيقة أن كل شيء أحمر بالفعل؟! أو مثلًا، لو أنك وضعت على عينيك نظارة ذات عدسة تجعل كل شيء يتراءى لك وكأنه محدب، ثم أرأيت لو أن الله خلق أعين الناس على نحو مثل هذا، أفلا يرون أن الحائط المستوي قد أصبح محدبًا كأنه يريد أن ينقض، وأن السيارة أصبحت تسير بدواليب مفلطحة كأنها بين ارتفاع وهبوط ترقص على نغم... وهكذا.. رغم أن هذه المرائي كلها هي ليست على هذا النحو في الحقيقة. إلا أنه لا يمكنك إدراك ذلك لأنك لا تنظر إليها إلا بمنظار الإمكانية التي ركبت فيك. هذه حقيقة أولى احتفظ بها في مخيلتك لننتقل الآن إلى حقيقة أخرى. وأثناء ما سأحدثك عنه الآن عليك أن تستحضر دائمًا ما قد ذكرت لك آنفًا أنك بإمكانياتك المادية قد وقفت عند حدود مادية كذلك، لم تستطع أن تتعداها رغم أن كلاكما مادي. والآن قل لي ما اسمك؟

الملحد: حسن.

المؤمن: أرأيت يا حسن لو أنه-عافاك الله- قطعت يدك اليسرى، أتشعر أنك أصبحت -أحمد- مثلًا أم أنك ستبقى بشعورك أنك لا تزال حسن؟! 

الملحد: طبعًا سأبقى بشعوري أن اسمي حسن.

المؤمن: فلو أنك عافاك الله فقدت مثلًا لسانك أو سمعك أو بصرك فهل تعتقد بأنك ستبقى بشعورك أنك نفسك هو الذي اسمه حسن، أم يا ترى ستشعر أنك قد أصبحت- قاسم- مثلًا؟!!

الملحد: كلا.. بالطبع سأبقى بشعوري أني أنا حسن نفسه. 

المؤمن: حسنًا يا حسن. إذن أنت تشعر بأنك حسن بشيء هو في نفسك، ولكنه غير متعلق بشكلك العام أو جزء منه، أليس كذلك؟

الملحد: نعم

المؤمن: إذن فما هو الشيء الذي به تشعر أنك لا تزال.. رغم ما تغير فيك- أنك هو نفسه حسن.

الملحد: لا جواب.

المؤمن: إنك يا حسن تشعر بكل ذلك بشيء هو فيك وهو ما نسميه «الروح» والتي مهما تغير فيك من أشياء تشعر بما فيك من روح أنك لا تزال هو نفسه حسن رغم ما طرأ عليك من تغير كبير أو طفيف، فإذا ما غادرتك «الروح» أصبحت في عداد الموتى، حتى لو لم يطرأ على أعضائك الظاهرة أو الباطنة أي تغيير، فهل لديك تعليق على هذا الكلام.

الملحد: كلا

المؤمن: إذن أنت تؤمن أن فيك روحًا إذا فارقتك تفارق الحياة 

الملحد: نعم.. طبعا أؤمن بذلك

المؤمن: فهل رأيتها؟!

الملحد: كلا

المؤمن: فهل يمكنك أن تتخيل شكلها أو حجمها.

الملحد: كلا

المؤمن: إذن فأنت تعرف أنها موجودة وهي فيك وفي ثنايا خلاياك ومع ذلك أنت لا تعرف عنها شيئًا البتة

الملحد: صحيح

المؤمن: قلنا إن الروح موجودة فيك وقد نفخت فيك من قبل أن تلدك أمك وأنا قد قرأنا الطب واطلعنا عليه، بل وتعمقنا فيه، فلم نترك جزءًا من أجزاء الجسم إلا وأشبعناه بحثًا وفحصًا ووضعنا له نظريات وسهر على دراسته عباقرة وعلماء، فهل سمعت أو قرأت أن أحدًا منهم قد رأى الروح بواسطة المجهر أو غيره، بل إن ذلك لم ولن يدعيه أحد أليس كذلك.

الملحد: صحيح

المؤمن: فهذه الروح أرأيت لو أنها مادة فهل يمكن أنه يستعصي اكتشافها رغم كل هذا التقدم المطرد في العلوم والأبحاث.

الملحد: طبعًا لو أنها شيء مادي لاكتشفناه منذ أمد بعيد.

المؤمن: إذن هي شيء غير مادي.

الملحد: نعم.

المؤمن: أفرأيت كيف أن الإنسان، بكل وسائله المادية، لا يستطيع أن يكتشف بالتجربة والحس الأشياء غير المادية رغم أنها موجودة، وقد تكون موجودة فيه، إلا أنه بما أتاه الله من عقل، يفكر به ويمحص، يمكنه أن يستدل على وجودها بمؤشرات محسوسة. إلا أنه لا يمكن أن يحصرها في حيز خاص ليخضعها لتجاربه المجزية ودراسته العلمية لأنها خارج هذه الحدود التي يمكن أن يتصورها أو يتخيلها العقل. فإذا كنت بإمكانياتك المادية قد وقفت عند حدود مادية لم تستطع أن تتعداها فإنه من باب أولى أنه لا تتمكن بإمكانياتك المادية من ولوج أبواب ما فوق المادة والطبيعة. وبعد أن استقرت هذه الحقائق في عقلك فلعلك قد أدركت الآن لماذا أنت لا تستطيع، بل لا يمكنك، بجوارحك الحالية وبوسائلك المتاحة الآن أو في المستقبل أن ترى روحك التي في جسدك وبين جنبيك فكيف بك تريد أن تتعدى ذلك وتريد أن ترى رب الروح وما الروح إلا من أمر ربي. لذا فليس أمامك إلا أن تستدل على الله تعالى بما خلق وبما أبدع في الكون من العجائب التي تدل على مطلق القدرة والعلم.

وعند هذا الحد نكون قد استعرضنا القضية الأولى التي أثارها الملحد وهي «عدم رؤية الله تعالى ووجهنا عليها الضوء من زاوية:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (الأنعام: 103)

وكان لا بد أن ننتقل بالمناقشة إلى قضايا أخرى، وهو على حسب اعتقاده أنها ستتناول الموضوع من وجه آخر وعلى نحو مختلف هكذا هم!! يبدو أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.

الملحد: لقد سلمت معك بقضية الرؤية. ولكني أعتقد من الأساس أن الكون أزلي ولذا لا أجد في نفسي إلحاحًا قويًّا يدعوني لأفكر في موضوع رؤية الله.

المؤمن: عندما سألتك: هل تؤمن بالله قلت كلا لأنك لا تراه. وبعد أن أقمت عليك البرهان وأفحمتك بالدليل الذي أبطل حجتك، إذا بك تتراجع إلى إثارة مسألة أخرى هي التي دعتك إلى عدم الإيمان حسب زعمك، ولقد حرت أي زعميك أصدق، وأنه ليبدو عليكم أنكم قوم لا تريدون أن تؤمنوا ولو صبت عليكم الحجج والبراهين صبًّا. ولكنكم على أية حال لستم بدعًا من القوم، فقد سبقكم أقوام أعلمنا الله عن نبئهم فقال:

﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ*لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ (الحجر: 14)

وقبل أن أسترسل معك في الحديث، قل لي أولًا لو تبين لك بالحجة والبرهان أن لهذا الكون بداية فهل ستؤمن أن له خالقًا وهو الله تعالى.

الملحد: طبعًا، إذا كان للكون بداية فلا بد له من مبدئ

 المؤمن: إن من المتعارف عليه بين علماء الطبيعة في الشرق والغرب أن لهذا الكون بداية. فهذا أمر اتفق عليه الجميع. وأما الذي اختلفوا فيه فهو متى كانت هذه البداية؟

وكان هذا الاختلاف ناشئًا عن اختلاف مناهج البحث أو اختلاف وتفاوت الإمكانيات المتوفرة، فمنهم من قال إن بداية الكون كانت قبل ألفي مليون سنة. ومنهم من قال إنها كانت قبل خمسة آلاف مليون سنة ومنهم من أضاف تقديرًا لم يتجاوزه غيره وهو عشرة آلاف مليون سنة، وقد اعتمدت هذه التقديرات على التحليل الإشعاعي لمختلف العناصر وكذلك بالدراسات المستفيضة للإشعاعات الكونية، هذه واحدة، ومن جهة أخرى فلا شك أنك قد أتيحت لك فرصة الاطلاع على قانون الدينميكا الثاني- وهو من أشهر القوانين- الذي يقول إن المادة تتحول إلى طاقة إشعاعية وأن هذه الطاقة لا ترجع فتتحول إلى مادة مرة أخرى. وبمعنى آخر، أن المادة ذات الطاقة الحرارية تشع طاقتها هذه حتى تبرد وذلك بشكل تدريجي حتى تصل إلى درجة الصفر المطلق.

فلو أن الكون كان أزليًا لما كنت أنت وأنا موجودين الآن، بل لا يمكن أن يكون هناك شيء في الكون سوى أشعة مبعثرة. ولتدرك ما أقوله اسمع العالم الفيزيائي الذائع الصيت جورج جاموف يوضح لك هذه الحقيقة بالأرقام.

يقول جورج جاموف في كتابه الشهير «نشوء الكون» :(إن من الحقائق الثابتة أن الطاقة التي تولدت في الهجوم قد نشأت باستحالة مخزون أيدروجينها الأصلي إلى هليوم فمن المعروف أن استحالة نواة الأيدروجين إلى هليوم تطلق (2.1) سعر من كل ذرة من الأيدروجين تحل بها هذه الاستحالة. ولما كانت شمسنا تطلق (۱۰) سعرات كل ثانية فلا بد إذن من أن تستهلك من الذرات (5,1) أي حوالي ۸۰۰ بليون طن من الأيدروجين في كل ثانية. ونعرف من ناحية أخرى أن الأيدروجين يؤلف ٥٠ بالمئة من مجموع كتلة الشمس التي تبلغ (2.1) طن. لذا فخلال ٥× (١٠) سنوات ستستنفد الشمس كل مخزونها من الأيدروجين ([1]).

فها أنت ترى أن كل الحقائق العلمية مدعومة بالأرقام قد بينت أن للكون بداية، وهذا يترتب عليه أن للكون خالقًا عظیمًا مهیمنًا بارئًا مصورًا، وقد قال تعالى عن نفسه بأنه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ (الحديد: 3) فهل آمنت الآن.

الملحد: حسنًا إن ما قلته جيد، ولكني لم أؤمن.

المؤمن: إنك لا تزيد قولًا عمن قالوا ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا*وتَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا* أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ﴾

(الإسراء: 90-91-92-93)

وبعد أن انتهى الحوار إلى هذه النقطة ووجد الملحد أنه قد أسقط في يده ولم يعد يمكنه الإفلات من الحقائق التي أحاطت به من كل جانب وترادفت عليه من كل صوب كأنها السوار يحيط بالمعصم، أراد أن يسلك طريق المكابرة كما فعل قوم خليل الله إبراهيم عندما قال لقومه:

﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ أن كَانُوا يَنطِقُونَ*فَرَجَعُوا إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ*ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ*قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ*أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ*قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ أن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: 63-64-65-66-67-68)

وهكذا فعل هذا الشيوعي فإذا به، بعد أن تبين له الهدى، يرتد على آثار أفكاره المزيفة قصصًا ويقول:

الملحد: كل شيء عندكم تسمونه مخلوقًا ولئن استمر بيننا النقاش لتقولن إن الزمن كذلك مخلوق.

المؤمن: نعم هو كذلك!! وإليك الدليل. أنت تركب سيارة فتقطع مسافة 10 كيلومترات مثلًا في عشر دقائق. ويأتي غيرك يسير بسرعة أكبر فيقطع نفس المسافة في خمس دقائق. فإذا ركبت في الطائرة فلعلك تقطع هذه المسافة بدقيقة أو أقل. وهكذا فإذا ما سرت بسرعة الضوء مثلًا فإن هذه المسافة ستقطعها في حوالي صفر من الزمن. فانظر إن قضية الزمن هي، كذلك، كقضية المكان. هي فترة تقدرها بما أتاك الله من حواس. فضمن هذه الإمكانيات الحسية أطلقت على هذه الفترات لفظة الزمن. فالزمن حسب ما تعارفنا عليه هو الذي يعتبر القيام بعمل ما بفترة محددة، هذه الفترة هي الزمن. فإذا ما أراد الله شيئًا فإنه يقول له كن فيكون. فإذا بهذا الشيء «يكون» دون أن يمر بقانون الزمن الذي إن شاء الله خلقه (أي الزمن) وإن شاء لم يخلقه. نعم، إن الله عز وجل عندما ذكر الزمن في كتابه الكريم بقوله:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام﴾ (الحديد: 4)

فإنه بين أن الله خلق ستة أيام ثم خلق السموات والأرض. فهي فترة خلقها الله وحددها بستة أيام. وعندما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: 4)

فهو كما خلق الملائكة والروح التي تعرج إليه كذلك خلق لها الزمن الذي تعرج فيه. وهذا الزمن الذي نحن متعارفون عليه يمكن اختصاره حتى يصبح صفرًا. حتى كأن العمل قد تم دون أن يستغرق ذلك أي شيء يمكن أن نسميه زمنًا. ويمكنك أن تدرك هذا المعنى من قوله تعالى:

﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ*قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ (النمل: 39-40)

أفرأيت كيف أن الذي عنده علم من الكتاب أتى بعرش ملكة سبأ قبل أن يرتد طرف نبي الله سليمان. فأين هو زمن نقل العرش؟ لقد تم نقل العرش بدون أن يستغرق ذلك أي زمن. فالزمن كما ترى ما هو إلا شيء نسبي يتغير. والله عز وجل لا يتغير ولا يتحول. فإذا أراد الله فعل شيء إن شاء خلق له زمنًا وإن شاء لم يخلق له زمنًا. فقد شاء الله أن يخلق السموات والأرض في ستة أيام؛ كما شاء الله أن يمكن الذي عنده علم من الكتاب أن ينقل عرش ملكة سبأ بدون زمن. فما الزمن إلا كدفتي الكتاب له بداية وله نهاية وما بين هاتين الدفتين يسمى فترة زمنية والله عز وجل كما بينت لك أول بلا بداية وآخر بلا نهاية فــــــــ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ (الحديد: 3)

وما الزمن الذي ذكرت إلا خلق من خلق الله. والله يخلق ما يشاء ويختار، فهل آمنت؟! 

الملحد: كل ما ذكرت صحيح، ولكني لم أؤمن ولا أؤمن ولن أؤمن. هذا رأيي وهذا عقلي. 

المؤمن:﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: 33)

هكذا، إذن!! الشيوعيون قوم أجروا عقولهم وباعوا أنفسهم ومن كانت هذه حاله، فالنار أولى به، وقعر جهنم لا شك مآله. وذلك ﴿إن اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ﴾ (النساء: 116)

فلئن امتنع الغفران على من يشرك فكيف بمن لم يؤمن؟! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


 

[1] عن كتاب «نهاية الكون بين العلم والقرآن»، بتصرف

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

112

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 2114

107

الجمعة 01-ديسمبر-2017

أنت وسيلتك لتحقيق النجاح

نشر في العدد 20

138

الثلاثاء 28-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 20