العنوان حوار حول الأوضاع السياسية في السودان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1986
مشاهدات 60
نشر في العدد 768
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 20-مايو-1986
حوار أجراه الدكتور/ عبد الله النفيسي مع الدكتور محمد سامي خليفة العائد من السودان بعد أن عاصر معركة الانتخابات النيابية عن كثب.
* هل تعتبرون الانتخابات الأخيرة في السودان خطوة جادة نحو حل جذري لمشكلة الحكم هناك؟
* بلا شك إنها الخطوة الوحيدة والخيار الأوحد نحو توجيه الطاقات السودانية إلى طريق الحلول ليس فقط لمشكلة الحكم بل للمشاكل الاقتصادية والأخلاقية والتعليمية... إلخ. التي خلفها حكم النميري الذي بدأ شيوعيًّا ثم صار اشتراكيًّا ثم انقلب يتدثر بدثار الإسلام، وفي كل ذلك كانت المشكلة الأساسية هي تسلط حكم الفرد وغياب الشورى، ولذا أعتقد إذا انتهت إلى غير رجعة هذه المشكلة في أي نوع من الحكم، فالأمل معقود على أن يتبين السودانيون طريق العودة إلى الحلول الناجزة لكل مشاكل الحكم والمشاكل الأخرى رغم أن الطريق إلى ذلك وعرة وطويلة.
نعم هي خطوة جادة بلا شك ولكن- كما نعلم- لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وأول ذلك التغيير هو أن يعي كثير من العاملين في الحقل السياسي أنهم لا يملكون تفويضًا إليها، يخول لهم الحكم رغم رأي الناخبين، أو إنهم ينوبون عن قطاع من الشعب من غير طريق الانتخاب الحر أو إنهم يمثلون هذه القبيلة أو تلك لأنهم ينتمون إليها فهذه أمور انتهى عهدها بنمو الوعي وانتشاره!
ثانيًا: يجب أن يعلم كثير من الساسة أن من يدعهم من خارج السودان إنما يقيد حريتهم ويسلبهم حقهم في اتخاذ القرار وهو أمر لا يعود عليهم ولا على السودان والسودانيين بخير!
ثالثًا: إن السياسات التي توضع والحلول التي تقدم لمشاكل السودان لن تجدي كثيرًا إن كانت مبنية على تصورات قصيرة المدى، ضيقة النظرة قائمة على الشعارات اليومية المتداولة في الصحف اليومية وسبل الإعلام التي تملأ الأرض ضجيجًا فارغًا لا يغني ولا يسمن من جوع. إنما الحلول التي ينتظر منها أن تحدث أثرًا فعالًا على المدى البعيد فهي الحلول التي تبني على تصور شامل لكل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية والتعليمية إلى... إلخ.
فقيام الانتخابات ليس إلا خطوة في طريق تحفه المحاذير الجمة نرجو الله أن يجنب السودان إياها.
* ما هي الأحزاب الرئيسة التي تنافست في الانتخابات؟ وما طبيعة القاعدة الاجتماعية لكل تلك الأحزاب؟ وما هو الخط السياسي الذي اتسمت به البرامج لتلك الأحزاب؟
* كانت تسيطر على الساحة السياسية طائفتان دينيتان هما طائفة الختمية ولها جناح سياسي كان يسمى الحزب الوطني الاتحادي ولقد انقسم في الفترة التي سبقت الحكم العسكري الأخير إلى الحزب الوطني الاتحادي والحزب الاتحادي الديمقراطي والأخير أقرب إلى كنف راعي الحزب الروحي- الميرغني- وأقرب إلى مصر. وهناك طائفة الأنصار التي تتبع بيت المهدي ولها حزب سياسي هو حزب الأمة. وقد بدأت في أوائل الخمسينيات حركة كانت تعد امتدادًا لحركة الإخوان المسلمين في مصر وحملت اسمها حينًا من الدهر وإن كانت لها سمتها المميزة منذ الوهلة الأولى التي ميزتها عن الحركة في مصر. وقد تعاظم شأن الحركة في أبان معركة الدستور الإسلامي الأولى وانضمت إليها حركات وتنظيمات إسلامية أخرى ومن ثم صارت تعرف «بجبهة الميثاق الإسلامي» إذ ارتبطت كل تلك الهيئات المنضوية تحت لوائها بالعمل على تحقيق شرع الله. وبعد انتفاضة رجب المباركة طرحت الحركة الإسلامية تصورًا واسعًا جامعًا لما يجب أن يكون عليه العمل الإسلامي في المرحلة التي تلت الانتفاضة كان من نتاجه «الجبهة الإسلامية القومية» والتي استنت سنة جديدة في السياسية السودانية إذ انضم إلى صفوفها ولأول مرة في تاريخ الأحزاب الشمالية إخوة من جنوب السودان يدينون بمبادئ الجبهة ويشغلون مناصب عليا في مكاتب الجبهة.
بجانب تلك الأحزاب الرئيسة هناك حزب كان في يوم ماله صوت عال وهو الحزب الشيوعي السوداني فقد كان في الماضي يعد من أقوى الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط وهو حزب قديم يقال أنه قدم للسودان بواسطة بعض الموظفين الإنجليز «راجع كتاب مشيناها خطى كتبت علينا الأستاذ أحمد سليمان»، ثم انقطع الحبل فترة من الزمن وعاد الحزب للظهور في أوائل الأربعينيات وقد كان المنبع هذه المرة هو الحزب الشيوعي المصري الذي أسسه وكان يديره اليهودي كوربيل «راجع المصدر السابق».
وسأتناول هذه الأحزاب بشيء من التفصيل.
حزب الأمة: هذا الحزب يرتكز أساسًا على طائفة الأنصار وقائده الحالي عندما أراد أن يضمن انتخابه ترشح في دائرة الجزيرة أبا معقل الأنصار.
والأنصار هم أنصار الإيمان بن أحمد المهدي الذي خرج من دنقلا في شمال السودان يبشر بثورة إسلامية حقيقية، نازحًا إلى غرب السودان حيث التف حوله نفر عظيم لا تربطهم به أي صلة قرابة إلا كلمة لا إله إلا الله وتحكيمها في واقع الحياة وقد شهدت فترة حكمه تطبيقًا عمليًّا للشريعة الإسلامية بحذافيرها، هذا وقد امتدت أفكاره وتعاليمه حينًا من الدهر بعد موته حتى اتصلت بذريته من بعده وبعد هزيمة جنده من قبل المستعمر الإنجليزي الصليبي، فترت الهمم وبدأت دعوته تفقد مضمونها لا بين الأنصار ولكن بين قيادتهم السياسية ولكن ظلت تلك الشعلة متوفرة وحية بين السوادن الأعظم من قاعدة الأنصار العريضة تنتظر من يوقظها. وقد عانت تلك القاعدة كثيرًا من قيادة حزب الأمة العلمانية التي لا ترتبط برباط ولا فكر ديني يربطها بتاريخ الأنصار الإسلامي ولا بعقيدة الإمام المهدي عليه السلام، بل وفي كثير من الأحيان تكون الصلة الوحيدة هي المصلحة السياسية العاجلة. وقد اتقدت تلك الشعلة الإسلامية في أيام قيادة الشهيد المغفور له الإمام المهدي، الذي اغتالته حكومة نميري حينما كان يسيطر عليها الشيوعيون، حيث وقف المرحوم الإمام الهادي المهدي بكل صلابة ضد مايو الشيوعية التي ضربت الجزيرة أبا بالمدافع الثقيلة والطائرات فقتلت الأطفال والنساء حيث كان يعسكر الإمام الهادي المهدي وأعضاء المقاومة الإسلامية بنظام المايوي اليساري.
وبعد ثورة رجب المباركة دخل الصادق المهدي في صراع مع أبناء المرحوم الهادي المهدي على زعامة طائفة الأنصار وقيادة حزب الأمة وانتصر عليهم، ولكن مشكلة الصادق المهدي «خريج كلية فيكتوريا كمبريج» هي أنهم يريد أن يكون زعيمًا طائفيًّا وقائدًا سياسيًّا حديثًا لبراليًّا على النهج الغربي في آن واحد وهذه الشيزوفرينيا السياسية هي التي بدأت تعقد عليه حياته السياسية ولم يمر على إعلان النتائج في الانتخابات إلا أيام معدودات!
والاستطراد في توضيح خلفيات قائد حزب الأمة ليس الغرض منها التهجم عليه بل القصد منها إيضاح كل جوانب شخصية الصادق المهدي؛ لأنه في واقع الأمر هو حزب الأمة القومي وحزب الأمة هو صادق المهدي، رغم ما يقال عن ديمقراطية وشورى أجهزة الحزب!!
ولقد أتيح لممثلي الحزب الوطني الاتحادي بالاتجاه الإسلامي معرفة الصادق المهدي عن كثب أبان عملهم الجماعي في الجبهة الوطنية خارج السودان في صحاري ليبيا وغابات أثيوبيا كمعارضة فاعلة لنظام نميري فلمسوا فيه مواقف وصفات كثيرة لا تسر مما سجلوه في صحفهم وفي كاسيتان تتداول خارج وداخل السودان اليوم.
- من بعض تلك المواقف- على سبيل المثال لا الحصر- سعيه بمقابلة نمير داخل السودان خلسة ودون موافقة بقية أعضاء الجبهة الوطنية رغم أن الميثاق- الذي صاغه الأستاذ عثمان خالد معنوي- كان ينص على ألا تكون هناك مفاوضات منفردة مع نميري وإن حصلت فيجب أن تكون خارج السودان وبشروط تضعها الجبهة- وفجأة يجد ممثلو الوطني الاتحادي في شخص المرحوم الشريف حسين الهندي والاتجاه الإسلامي ممثلًا في أشخاص السادة عثمان خالد معنوي والسيد عبد الرحمن أن هناك مصلحة تمت دون علمهم وموافقتهم وبشروط لا يعلمونها بين الجبهة الوطنية ممثلة دون مشورتهم بالصادق المهدي وبين جعفر نميري!!
وبعد الانتفاضة التي أطاحت بجعفر نميري في رجب المبارك انحاز الصادق المهدي للشيوعية واحتضنهم ووقف بقوة مع العميل جون قرنق مطلقًا عليه لقب الوطني المناضل في الوقت الذي كان الأخير يقتل الأبرياء والأطفال والنساء ورجال القوات المسلحة مما أوغر عليه صدور هؤلاء إلى يومنا هذا. واحتار الناس لهذه التصرفات التي لا تنم عن ذكاء سياسي ولا حتى على ولاء لشهداء حي رونوباري والجزيرة أبا الذي حصدهم رصاص الشيوعيين!!
وعند بدء الانتخابات ظهرت على حزب الأمة أثار النعمة المادية والمالية الرهيبة حيث اشترى الصادق المهدي بيتًا ضخمًا فخمًا في قلب العاصمة القومية أم درمان كلف أكثر من ستة ملايين وأرتال من السيارات الفاخرة مما أثار لغطًا كثيرًا عن مصدر هذه الأموال وقد حاول الصادق المهدي أن يرد على ذلك اللغط في عدد المجلة بتاريخ 23/4/1986 عازيًا الأمر للمغتربين من حزب الأمة وهذا الرد أثار مزيدًا من الشكوك إذ إن عدد المغتربين الذين ينتمون لحزب الأمة في الكويت مثلًا لا يزيد على أصابع اليدين!!
وقد صادف كل ذلك زيارة الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر للسودان حيث زار الصادق المهدي وحده دون السياسين غير الرسمين واجتمع به قرابة الست ساعات مما زاد علامات الاستفهام حول هذه الزيارة والتي لم تجد ردًّا شافيًّا حتى الآن.
وقد رفع الصادق المهدي شعارات أخرى من أهمها إلغاء ما أطلق عليه اليساريون «قوانين سبتمبر» وقد رد عليهم البرفيسور الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الخرطوم ردًّا بليغًا كشف فيه النوايا الحقيقية لرافعي هذا الذي هو في حقيقته مطالبة بإلغاء الشريعة الإسلامية حيث بين فضيلته أنها لا يمكن أن تسمي قوانين نميري إذ هي قوانين إسلامية، وضعتها لجنة يرأسها النائب العام وتضم نقيب المحامين وعميد كلية القانون وكيل ديوان النائب العام وكبار القضاة والمحامين. ثم أشار فضيلته إلى أن قوانين 1974 التي يطالب بها صادق المهدي، وما يسمى بالتجمع الوطني هي أيضًا قوانين نميرية صيغت وأجيزت في مايو؛ فلماذا يريد الصادق المهدي والتجمع اليساري العودة إليها ونبذ ما يسمى قوانين سبتمبر 1983. الرد سهل جدًّا وهو: إن قوانين سبتمبر قوانين إسلامية وقوانين 1974 قوانين هندية- إنجليزية تبعد كل البعد عن شريعة الله.
أعود فأذكر أن هذا الاستطراد مهم لفهم حقيقة الصادق المهدي قائد ما يسمى «الصحوة الإسلامية» لأنه حزب الأمة وحزب الأمة هو صادق المهدي. فقد قال الصادق المهدي عن قوانين الشريعة الإسلامية «إنها لا تساوي الورق الذي كتبت عليه وإنها سوف تلقى في مزبلة التاريخ». وقد قال في الـ BBC وبالحرف الواحد «إنها قوانين بربرية ويجب أن تلغى» وقد قال في لقاء تلفزيوني قبل الانتخابات أن الوفد الذي سافر إلى أديس أبابا لمقابلة جون قرنق قد احتضن أفكارهم السياسية وعندما نعرف أن من أهم بنود اتفاق جون قرنق مع الوفد الذي قابله «إلغاء قوانين الشريعة» بالحرف الواحد!! نعرف الموقف الحقيقي لحزب الأمة من الشريعة الإسلامية ومصداقيته نحو القضية الأساسية الكبرى المناطة بها الجمعية التأسيسية الحالية ألا وهي إجازة الدستور الدائم الذي سوف يحدد الوجهة الحضارية للأمة السودانية ويرسخ بناء السودان الحضاري للأجيال القادمة والتي تمثل المشاكل الاقتصادية ومشكلة الجنوب مؤشرات لها.
أما حزب الشعب الديمقراطي الحالي والذي أتى نتاج لانفصام في الحزب الوطني الاتحادي والذي كان يمثل جماهير الوسط وكان يحظى بأغلبية كبيرة خصوصًا في أوساط التجار وطبقة البرجوازية الوطنية وكان ولا يزال يلم أشتاتًا من البشر لا يربطها خط فكري واضح بل كان الرابط بين كل تلك الفئات هو الشخصيات أمثال المرحوم إسماعيل الأزهري والمرحوم مبارك زروق والمرحوم الشريف حسين الهندي شخصيات انتقلت إلى بارئها وقد كانت في حياتها شخصيات لها وزنها وتاريخها الناصع في مكافحة الاستعمار. أما اليوم فقط اندثر جناح الوطني الاتحادي لغيبة الشخصيات التي كانت عامل ربط ونماء للحزب وقد نما الحزب الاتحادي الديمقراطي المدعوم براعي الحزب- أما موقف الحزب من الشريعة الإسلامية فقد كان واضحًا منذ البداية ومنذ اندلاع ثورة رجب فهو لم يساوم عليها أحدًا مما حدا به للانسحاب من ما يسمى «بالتجمع الوطني».
وقد أدى انفراط عقد الحزب وكثرة قادة الحزب الوطني الاتحادي إلى فقدان كثير من الدوائر التي كانت مقفولة لهم مثل دائرة كسلان.
أما الجبهة الإسلامية فقد نبعت شيئًا فشيئًا من الإخوان المسلمين إلى جبهة الميثاق الإسلامي إلى الجبهة الإسلامية القومية كما ذكرنا آنفا والباعث الأساسي لهذه الجبهة كما كان سابقًا هو استشعار القائمين عليها بعظم المرحلة القادمة ألا وهي انتخابات الجمعية التأسيسية والمهمة الأساسية المنوطة بها وهي إجازة الدستور الدائم الذي يحدد وجهة السودان الحضارية.
وعليه فقد دعت كل من يؤمن بتحكيم شرع الله أن يهرع إلى صفوفها طالما كان سودانيًّا مسلمًا فصارت بذلك حقًّا جبهة قومية إذ أضحت ولأول مرة في تاريخ السودان السياسي الحزبي حزبًا يضم مواطنين من جنوب السودان أعضاء في أعلى مستويات الحزب: المكاتب السياسية ومجالس الثوري- وكانت أول حزب سياسي يعقد مؤتمره التأسيسي وينتخب رئيسه وأمينه وأعضاء مكاتبه في العصامة والأقاليم ويضع برنامجه ويحدد خطة العمل للانتخابات. وقد أخذت الجبهة الإسلامية القومية على غزة في حين انشغلت الأحزاب بحكاية التجمع الوطني وجون قرنق وتلك القضايا الجانبية مما جعل تلك الأحزاب تسعى دون جدوى لتأخير الانتخابات.
والجبهة الإسلامية القومية كما ذكرت نبعت تدريجيًّا من اللبنة الأولى لجماعة الإخوان المسلمين ثم نمت عبر جبهة الميثاق الإسلامي، وامتدت عريضة بين الطلاب في الثانويات والجامعات ثم تغلغلت بين نقابات العمال والزراع وانتزعت قياداتها من براثن الشيوعيين الذين اضمحل دورهم خصوصًا عندما خططوا وقادوا انقلاب مايو مع المغامرين العسكريين وحينما تسلطوا على رقاب الشعب بالإرهاب وقطع الأرزاق حيث كان شعارهم في مايو «من ليس مع الثورة فهو ضدها»، وقد تعرض كثير من الإسلاميين للتشريد من وظائفهم الشيء الذي لم يكن معروفًا في السياسة السودانية من قبل. حتى انكفأ عليهم نميري بعد محاولتهم الفاشلة للانقلاب عليه عام 1971 وأباد قادتهم إلا قليلًا منهم لجأوا إلى باطن الأرض أو خارج السودان.
وليس للجبهة الإسلامية بيت ديني أو طائفة ترتكز عليهما بل هذه ترتكز على جماهير واعية سواء وعيًّا علميًّا أي من طبقات المتعلمين المثقفين، أو وعيًّا سياسيًّا لأولئك الذين خبروا الأحزاب التقليدية ووجدوها لا تفي بتطلعاتهم السياسية أو الروحية. ومن السمات الواضحة لجماهير الجبهة الإسلامية هي استقطابها للشباب من الجنسين الذين التزموا بالإسلام شكلًا وموضوعًا لا يبغون في سبيل ذلك جاهًا أو منصبًا وهذه ظاهرة فريدة يلحظها الواحد وهو يزور مراكز الاقتراع في الليالي السياسية.
وبرنامج الجبهة- كما هو متوقع- يشخص الداء ببعد الوطن السوداني عن الوجهة الفكرية الإسلامية طوال سنين الحكم الديمقراطي والعسكري وبضعف البناء السياسي للأحزاب التي تتكون قاعدتها من جماهير إسلامية الفكر والتطلعات وقيادة تحوي كثيرًا من العلمانيين وتستند إلى عصبية التاريخ وزعامة الأشخاص. ثم إلى غياب الشورى داخل تلك الأحزاب التقليدية وتمزقها إلى أجنحة عديدة مما يوهنها ويبدد طاقاتها في صراعات داخلية على مغانم عاجلة تلهيها عن التصدي لمعالجة قضايا البلاد الإسلامية؛ زد على تلك استشراء الضعف الخلقي والمعنوي للكثير ممن تصدوا لقيادة تلك الأحزاب. وترد الجبهة الإسلامية كل ذلك إلى ضعف الصلة بالإسلام وحكمه المؤسس على الكتاب والسنة والشورى؛ ذلك الفكر الذي يجعل الحكم تكليفًا ثقيلًا لا تشريفًا ومدخلًا للغنى والثراء الحرام- ومن خلال هذا التحليل للمرض ووصف الدواء فصلت الجبهة الإسلامية في برنامجها الانتخابي كيف ترى البدء في وضع الحلول للمشاكل التي يعاني منها السودان.
وقد كان لوضوح الرؤيا بالنسبة لبرنامج الجبهة أن حدثت ظاهرة جديدة في السودان؛ ظاهرة انخراط الشباب والنساء في صفوف الجبهة؛ ذلك الشباب من الجنسين والنساء الذين كانوا ينتمون لبيوتات تعد حجرًا على أحزاب معينة فترى رب البيت ينتمي إلى حزب الأمة أو الوطني الاتحادي مثلًا، وزوجه وأبناؤه وبناته ينتمون إلى الجبهة الإسلامية القومية، وأيضًا تجد بعض قيادي الأحزاب التقليدية في الأقاليم يتخلون عن أحزابهم وينضمون للجبهة!!
* السودان- من حين المساحة- هو أكبر دولة أفريقية ويعاني من تخلف شديد وواضح في مواصلاته الداخلية؛ فهل أثر ذلك على العمل الانتخابي؟ وكيف كان تأثير ذلك على نتيجة الانتخابات؟، وما هو تحليلك لنتائج الانتخابات؟
* بالمقارنة للكويت نجد أن بعض الدوائر تفوق مساحتها مساحة الكويت ويسكنها حوالي أكثر من 70 ألفًا من الناخبين ويقطنون قرى صغيرة مشتتة على كل تلك الرقعة الواسعة، وهذا يعني بالضرورة قطع أميال كثيرة في سبيل إيصال ما يود الحزب إيصاله للناخبين، أضف إلى ذلك انعدام الطرق المرصوفة في كثير من الأحيان حتى مجرد الطرق المعبدة. هذا يعني أن من يصل للناخبين- وأكثر من مرة- تكون فرصته أكبر من الحصول على أصواتهم. ويعني الوصول للناخبين سيارات، ويعني ذلك توفر الوقود باستمرار فإذا عرفت أن جالون البنزين العادي وصل سعره في السوق السوداء 15 جنيهًا تستطيع أن تفهم أن الحزب الذي في مقدوره توفير هذا القدر من المال يستطيع أن يصل إلى ناخبين أكثر ومن ثم أصوات أكثر ومن ثم نواب أكثر، أما تأثير ذلك تأثيرًا مباشرًا على نتيجة الانتخابات فمن الصعب الجزم به بصورة مؤكدة وسأورد بعض الأمثلة التي حدثت فعلًا عند تحليلي لنتيجة الانتخابات.
مما لا شك فيه أن الانتخابات التي جرت حاليًّا مؤشرات ذات دلالات عميقة في الساحة السياسية بالسودان، يجدر الوقوف عندها بتمعن.
أولًا: كان هناك كثير من الأحزاب الذين كان لها ضجيج عال مما حدا ببعض الجهات في الجهاز السياسي للدولة مثل المجلس العسكري المؤقت وبعض المراقبين خارج وداخل السودان أن يقيموا لهم وزنًا لا يستحقونه، وجاءت نتيجة الانتخابات لتضع تلك الأحزاب في مكانها الحقيقي وتوضح للعيان وزنها الحقيقي. من هذه الأحزاب مثلًا: الحزب الشيوعي السوداني وحزب البعث والحزب الناصري، فالحزب الشيوعي كان يعد من أقوى الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية وكانت قبضته قوية على النقابات والاتحادات الطلابية ولكنه ارتكب سلسلة من الحماقات والأخطار التكتيكية كشفت نواياه التي يضمرها للديمقراطية: في حكومة جبهة الهيئات بعد ثورة أكتوبر الشعبية التي أشعلها وقادها الدكتور حسن الترابي ومرة أخرى عندما اشترك مع المغامرين من العسكريين في حركة مايو؛ حيث مارسوا مع معارضيهم من رجال الأحزاب التقليدية أشد أنواع التنكيل السياسي حيث أدخلوا في السياسة السودانية ممارسة قطع الأرزاق لمجرد اختلاف الرأي مع الآخرين، واستمر هذا ديدنهم حتى حاولوا انتزاع الحكم من جعفر نميري ففشلوا فشرد بهم وقتل قادتهم ومفكرهم الأوحد وبعدها لم تقم لهم قائمة، إذ اختفى قائدهم الحالي محمد إبراهيم نقد تحت الأرض طوال الست عشرة سنة الماضية، فلم يستفد منه حزبه ولا السودان كما هرب النائب الآخر الدكتور عزالدين علي عامر وزوجته الأميركية إلى لندن. وهذا الحزب لم تظهر عليه آثار النعمة التي كانت عنده قبلًا لضعف التمويل فيما يبدو لأن الممولين اقتنعوا بأن الحزب يعد جسدًا بلا روح.
أما حزب البعث فقد عاد قائده ومفكره من الخارج يجعل في جعبته 5 ملايين دولار أعلنها في مطار الخرطوم، وما خفي أعظم وكان لا بد أن «يملك» كل تلك الملايين بنوع من العمل الانتخابي فكانت لياليه بائسة جدًّا من ناحية الحضور والمضمون؛ ولذلك نجد أن مرشحيهم في دوائر الخريجين دائمًا في قاع القائمة يليهم إلى أعلى مرشحو الحزب الشيوعي وهم الذين يدعون أنهم ممثلو المثقفين!! ولكن كيف تسنى للحزب الشيوعي أن يكسب مقعدين في العاصمة القومية وآخر في الجنوب؟
الدائرة التي ترشح بها زعيم الحزب دائرة أغلب سكانها من الموسرين وأصحاب الدخول العالية وهو مخالف تمامًا للتفسير والادعاء الشيوعي من أنهم قادة البروليتاريا كما يقطن تلك الضاحية كثير من السودانيين ذوي الأصول الشامية والمصرية وكثير من الأقباط بالإضافة إلى أعداد هائلة من النازحين من الإقليم من أتباع القس فيليب عباس غبوش، والمتضررين من المجاعة والتصحر. وقد كان مرشح الجبهة الإسلامية القومية السيد يس عمر الإمام متقدمًا أولًا على نقد حسب إحصائيات العاملين بالدائرة حتى اليوم الخامس من الانتخابات وفجأة بدأت أعداد كبيرة من الأقباط وأهالي السكن العشوائي من أبناء الأقاليم وأتباع القس فيليب غبوش تتوافد على صناديق الانتخاب في هذه الدائرة. ولا يحتاج للكثير من الذكاء لنقرر لمن أعطوا أصواتهم.
نفس السيناريو حدث في دائرة مرشح الجبهة الإسلامية القومية اللواء «م» الفاتح عابدون حيث نافسه نائب الحزب الشيوعي الآخر الدكتور عز الدين علي عامر.
والجدير بالذكر أن كل الدوائر التي فقدتها الجبهة الإسلامية بالعاصمة كان الفارق بين النائب الفائز ومرشح الجبهة قليلًا جدًّا في بعض الأحيان أقل من المائة صوت. والشيء الثاني أن كل تلك الدوائر تسكنها أعداد كبيرة من أصحاب السكن العشوائي الذين نزحوا من الريف هربًا من المجاعة والتصحر! ومن الواجب هنا الإشارة أن أكثر من مجموعة من هذا المجموعات ساعدت مرشحي الجبهة في «الدعم» المادي الذي يمكن أن يقدمه المرشح لهم لكي يعطوه أصواتهم وعندما أفهمهم مرشح الجبهة استحالة ذلك رفضوا أصواتهم له وذهبوا لمرشح آخر.
أما في الدوائر الأخرى فقد سقطت السيدة فاطمة أحمد إبراهيم الزعيمة الشيوعية سقوطًا شنيعًا في الدائرة التي فاز بها مرشح الجبهة الإسلامية القومية الأستاذ عثمان خالد مضوي ولقد كانت الظاهرة الملفتة للنظر عدم تصويت أعداد كبيرة من النساء للسيدة فاطمة رغم أنها تدعي أنها رئيسة ما يسمى باتحاد نساء السودان.
أما موقف حزب البعث فهو لم يحصل على أي مقعد لا في الدوائر الجعرافية ولا دوائر الخريجين، وقد فقد كثير من مرشحيه على تأمينهم!
بالنسبة للحزب الاتحادي الديمقراطي فقد كان للتمزق التنظيمي الذي سبق قيام الانتخابات أثره السيئ في كثير من الدوائر خصوصًا تلك التي كانت تعد مقفولة له مثل دائرة كسلا في شرق السودان.
بالنسبة لحزب الأمة فقد كان من الواضح للوهلة إمكاناته المالية الرهيبة مما مكنه في الوصول لأقاصي البلاد خصوصًا في أماكن متضرري المجاعة والتصحر، ومن كسب أصوات ساكني السكن العشوائي بالعاصمة.
ولكن نتيجة الانتخابات عمومًا وفي دوائر الخريجين أوضحت عدم تأثير المادة في أماكن الوعي حيث أثبتت الجبهة الإسلامية القومية استقطابها للعناصر المتعلمة والمثقفة والواعية إذ اكتسحت كل دوائر الخريجين بالشمال ودائرتين بالجنوب وثلاث عشرة دائرة بالعاصمة وعددًا لا بأس به من دوائر الإقليم الأوسط. وهي الحزب الوحيد الذي لديه نائبتان في الجمعية التأسيسية، وبذلك برهنت على أنها تحظى بقبول واسع في أماكن اتخاذ القرار الواعي بالإضافة إلى فوز الجبهة في بعض الدوائر والتي كانت تعد معاقل للأحزاب التقليدية مثل دوائر دنقلا حيث خرج الإمام المهدي ودائرة الخرطوم بحري القديمة.
وهناك دائرتان تحتاجان لشيء من التفصيل لمدلولاتهما السياسية والأخلاقية وهي دائرة الجزيرة أبا التي فاز فيها الصادق، بما يبدو- لأول وهلة- بأصوات كثيرة والدائرة الصحافة الشهيرة- على مستوى السودان وعلى الصعيد العالمي- والتي سقط فيها الدكتور حسن الترابي كما يبدو- ولأول وهلة- بأصوات كثيرة.
لقد امتد التغيير الذي أحدثه وجود الجبهة الإسلامية القومية حتى شمل الجزيرة أبا معقل الأنصار منذ المهدي الأول، فهذه الدائرة كان لا يترشح فيها إلا شخص واحد ومن آل المهدي ويفوز فيها بالتزكية وعندما أريد للصادق أن يدخل السياسة وكان حينها لم يبلغ السن القانوني رشح فيها خاله حتى بلغ الصادق المهدي السن القانوني، عندها استقال خاله ليفسح المجال للصادق المهدي ليترشح ثم يفوز بالتزكية، ومن ينتزع رئاسة الوزارة من رئيس حزب الأمة في ذلك الوقت ورئيس الوزراء السيد المرحوم محمد أحمد المحجوب!! أما الآن فقد تغير الحال جدًّا فقد نافس الصادق المهدي مرشحًا للجبهة الإسلامية القومية وآخر للشيوعيين وأحد أبناء الشهيد الهادي المهدي وآخر لحزب البعث وهذا أمر لم يكن معروفًا من قبل منذ أن خلق الله الجزيرة أبا، ولذا عندما فاز الصادق بالتزكية سابقًا يكون قد فاز بـ 70 ألف صوت أي 100%. أما الآن وقد فاز 30 ألف صوت فيكون قد فاز 40% من الأصوات رغم أن مرشحي الحزب الشيوعي وحزب البعث قد ادعيا أنهما قد تنازلا له، فهذا يعد تحولًا ضخمًا ليس في صالح الصادق المهدي كما يبدو لأول وهلة بل في الاتجاه المعاكس.
أما الدائرة الشهيرة دائرة الصحافة وجبرة التي سقط فيها الدكتور حسن الترابي فالمرء يعجب كثيرًا للارتياح والانبساط الذي غمر أعداء الجبهة الإسلامية القومية في السودان وهنا وفي الدائرة الغربية كما صرحت بهذا الإذاعات والصحف الغربية. فالمؤامرة بدأت عندما وضح من التقارير الأولية تقدم الدكتور حسن الترابي على أقرب منافسيه بأصوات كثيرة في الأيام الأولى للتصويت. وفي ذلك الوقت نشرت جريدة «ألوان» وثيقة دامغة تدين مرشح حزب الأمة ورئيس جريدة الأمة، بأنه كان جاسوسًا للأمن القومي أبان حكومة نميري، فأرغى السيد سيد أحمد خليفة وأزبد وتوعد بالاحتكام للقضاء الشيء الذي لم يحدث إلى حين كتابة هذه السطور وكان لا بد من عمل يغطي على هذه الفضيحة بعد أن انفضح مرشح حزب الأمة، ولم يبق في الساحة منافس للدكتور حسن الترابي غير مرشح الحزب الوطني الديمقراطي لأن مرشحي حزب البعث والحزب الشيوعي وحزب فيليب عباش غبوش لم يكونوا في مستوى المنافسة. فاستقر الرأي على أن نعطي الأحزاب كلها أصواتها لمرشح الحزب الديمقراطي الاتحادي ممثلًا لأحزاب «الانتفاضة» أو ما يسمى «بالتجمع الوطني». والغريب المضحك في هذه المسرحية أن نفس مرشح الحزب الاتحادي الديمقراطي المحامي حسن سبو كان قد رفض قبل سنة عندما قدم من قبل حزبه ليكون وزيرًا للعدل في الحكومة الانتقالية؛ لماذا؟ لأنه لصيق الصلة بالإسلاميين!! فإذا به الآن مرشح لأحزاب «الانتفاضة»!! وبهذا شاء الله أن تحصل خمسة أحزاب مجتمعة حوالي الـ 12 ألف صوت وللدكتور حسن الترابي أكثر من 10 آلاف صوت، فأي انتصار هذا وأي نبذ للشعب لمستشار السفاح!! وبهذا يكون ما يسمى بالتجمع الوطني قد استن سنة خطيرة وعجيبة لم يسمع بها من قبل في كل الأنظمة والممارسات الديمقراطية، فبدل أن يقف كل حزب بمفرده في الساحة ببرامجه وأفكاره التي يعرضها على جمهور الناخبين وينظر قرارهم الديمقراطي قررت الأحزاب كلها- لأنهم يعرفون رأي الناخبين سلفًا- قرروا أن يقفوا كلهم في وجه ليحاربوا شخصًا واحدًا!!
لا شك أن سقوط الدكتور حسن الترابي قد آلم ليس فقط العاملين بالدائرة من أفراد الجبهة الإسلامية، بل حتى الذي لا تربطهم صلة بالجبهة ولكن الدكتور حسن الترابي خاطب الجماهير المخلصة وأوضح لهم بعض البديهيات الإسلامية سواء في العمل السياسي أو الحياة العامة، وهي أن المؤمن عليه بذلك الجهد الصادق أما النتائج فهي بيد الله وحده ينجح من يشاء ويسقط من يشاء فاطمأنت النفوس وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وأن العمل الإسلامي ليس مقصورًا على الجمعية التأسيسية كما أن من انتخب سيحمل الراية فانتهت الزوبعة ووعي العاملون بالجبهة الإسلامية أن العمل ليس مرتبطًا بأشخاص معينين وإن القادة عرضة للنجاح والفشل كما كان القائد الأعظم- صلى الله عليه وسلم.
وبهذا تتجلى الصورة عن تعاظم الجبهة الإسلامية في مناطق الوعي والثقافة مما سوف يثري التجربة الديمقراطية الجديدة وسوف يجعل الجمعية التأسيسية الميدان الحق للتصارع الفكري الجاد بإذن الله. ومما لا شك فيه أن شجرة الطائفية وعصبية التاريخ والنوفية العائلية مازالت تمد ظلالها الكاتمة على بعض أقاليم السودان وإن بدأت تتقلص شيئًا فشيئًا والغد قطعًا للفكر الإسلامي المتجدد دومًا إن شاء الله.
* من المسميات البارزة التي رافقت الانتخابات السودانية مصطلح «دوائر الخريجين» فما طبيعة هذه الدوائر الخاصة؟ وما هي الأسباب والخلفيات التي استدعت ذلك التخصيص؟
* دوائر الخريجين هي عبارة عن دوائر مغلفة يكون المرشح خريجًا ذا مواصفات محددة وكذلك الناخب يكون حاملًا نفس تلك المواصفات وهي إجمالًا أن يكون جامعيًّا أو خريجًا للثانوية العامة وسنتين بعد ذلك، في أي معهد ككلية الشرطة أو الكلية الحربية أو معهد البصريات إلخ.. والناخب يحق له التسجيل في أي إقليم بالسودان وللناخب الخريج بذلك الإقليم أصوات بعدد الدوائر في ذلك الإقليم والتي تترواح بين ثلاث إلى خمس دوائر. ويقابل دوائر الخريجين الدوائر الجغرافية وهي مفتوحة للجميع الذين يستوفون شروط الأهلية للانتخاب وبذا يكون للخريج أكثر من صوت: صوت واحد في الدائرة الجغرافية التي تسجل فيها وأكثر من صوت في دائرة الخريجين التي تسجل فيها.
وفكرة دوائر الخريجين نبعت أساسًا من الرغبة في أن يحظى البرلمان وتعطى الفرصة فيه لأكبر عدد من المتعلمين والمثقفين لكي يطعم بها العدد الكبير من النواب غير المتعلمين الذين كانت تأت بهم الأحزاب التقليدية، وهي رغبة ظاهرها الرحمة، ولكن المنادين بها كانوا هم الشيوعيون عندما كانوا يسيطرون على اتحادات الطلاب والمتعلمين أو كانوا يظنون أنها كانت ستأتي لهم بنواب على طريق تلك الاتحادات. وقد اعترض الاتجاه الإسلامي في حينها على هذه الفكرة- ولا يزال- باعتبار أنها نفسها من التزييف لإرادة الأمة ونوع من الفوقية. وعلى كل جاءت نتيجة أول انتخابات تضمنت فيها دوائر الخريجين بمفاجأة كبيرة إذ حصل الدكتور حسن الترابي على أعلى نسبة من أصوات الخريجين.
وبعد ثورة رجب كررت الجبهة الإسلامية القومية عدم غرتياحها لموضوع دوائر الخريجين لنفس الأسباب ومرة أخرى أصر عليها الشيوعيون والبعثيون وحزب الأمة الذي صرح زعيمه الصادق المهدي بأن عدد الخريجين لحزب الأمة يفوق خريجي الجبهة الإسلامية طولًا وعرضًا!! وقد زاد على ذلك المطلب ما يسمى بالتجمع الوطني مطالبًا بتخفيض دوائر لما سموه بقوى الانتفاضة وهو أيضًا مطلب ظاهره الرحمة ومات هذا الطلب الأخير لعجز التجمع عن الاتفاق على تعريف لما يعنيه بالقوى الحديثة أو «قوى الانتفاضة».
ومرت الأيام واكتسحت الجبهة الإسلامية القومية دوائر الخريجين إذ حصلت على جميع دوائر الخريجين بالشمال حوار أجراه الدكتور/ عبد الله النفيسي مع الدكتور محمد سامي خليفة العائد من السودان بعد أن عاصر معركة الانتخابات النيابية عن كثب.
• هل تعتبرون الانتخابات الأخيرة في السودان
خطوة جادة نحو حل جذري لمشكلة الحكم هناك؟
• بلا شك إنها الخطوة الوحيدة والخيار الأوحد
نحو توجيه الطاقات السودانية إلى طريق الحلول، ليس فقط لمشكلة الحكم، بل للمشاكل
الاقتصادية والأخلاقية والتعليمية... إلخ، التي خلفها حكم النميري الذي بدأ
شيوعيًّا ثم صار اشتراكيًّا ثم انقلب يتدثر بدثار الإسلام، وفي كل ذلك كانت
المشكلة الأساسية هي تسلط حكم الفرد وغياب الشورى، ولذا أعتقد إذا انتهت إلى غير
رجعة هذه المشكلة في أي نوع من الحكم، فالأمل معقود على أن يتبين السودانيون طريق
العودة إلى الحلول الناجزة لكل مشاكل الحكم والمشاكل الأخرى، رغم أن الطريق إلى
ذلك وعرة وطويلة. نعم هي خطوة جادة بلا شك، ولكن- كما نعلم- لا يغير الله ما بقوم
حتى يغيروا ما بأنفسهم. وأول ذلك التغيير هو أن يعي كثير من العاملين في الحقل
السياسي أنهم لا يملكون تفويضًا إليها، يخول لهم الحكم رغم رأي الناخبين، أو إنهم
ينوبون عن قطاع من الشعب من غير طريق الانتخاب الحر أو إنهم يمثلون هذه القبيلة أو
تلك لأنهم ينتمون إليها، فهذه أمور انتهى عهدها بنمو الوعي وانتشاره! ثانيًا: يجب
أن يعلم كثير من الساسة أن من يدعمهم من خارج السودان إنما يقيد حريتهم ويسلبهم
حقهم في اتخاذ القرار، وهو أمر لا يعود عليهم ولا على السودان والسودانيين بخير!
ثالثًا: إن السياسات التي توضع والحلول التي تقدم لمشاكل السودان لن تجدي كثيرًا
إن كانت مبنية على تصورات قصيرة المدى، ضيقة النظرة، قائمة على الشعارات اليومية
المتداولة في الصحف اليومية وسبل الإعلام التي تملأ الأرض ضجيجًا فارغًا لا يغني
ولا يسمن من جوع. إنما الحلول التي ينتظر منها أن تحدث أثرًا فعالًا على المدى
البعيد فهي الحلول التي تبنى على تصور شامل لكل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية
والقانونية والتعليمية إلى... إلخ. فقيام الانتخابات ليس إلا خطوة في طريق تحفه
المحاذير الجمة، نرجو الله أن يجنب السودان إياها.
• ما هي الأحزاب الرئيسة التي تنافست في
الانتخابات؟ وما طبيعة القاعدة الاجتماعية لكل تلك الأحزاب؟ وما هو الخط السياسي
الذي اتسمت به البرامج لتلك الأحزاب؟
• كانت تسيطر على الساحة السياسية طائفتان
دينيتان هما طائفة الختمية ولها جناح سياسي كان يسمى الحزب الوطني الاتحادي، ولقد
انقسم في الفترة التي سبقت الحكم العسكري الأخير إلى الحزب الوطني الاتحادي والحزب
الاتحادي الديمقراطي، والأخير أقرب إلى كنف راعي الحزب الروحي- الميرغني- وأقرب
إلى مصر. وهناك طائفة الأنصار التي تتبع بيت المهدي ولها حزب سياسي هو حزب الأمة.
وقد بدأت في أوائل الخمسينيات حركة كانت تعد امتدادًا لحركة الإخوان المسلمين في
مصر وحملت اسمها حينًا من الدهر، وإن كانت لها سمتها المميزة منذ الوهلة الأولى التي
ميزتها عن الحركة في مصر. وقد تعاظم شأن الحركة في إبان معركة الدستور الإسلامي
الأولى وانضمت إليها حركات وتنظيمات إسلامية أخرى، ومن ثم صارت تعرف «بجبهة
الميثاق الإسلامي» إذ ارتبطت كل تلك الهيئات المنضوية تحت لوائها بالعمل على تحقيق
شرع الله. وبعد انتفاضة رجب المباركة طرحت الحركة الإسلامية تصورًا واسعًا جامعًا
لما يجب أن يكون عليه العمل الإسلامي في المرحلة التي تلت الانتفاضة، كان من نتاجه
«الجبهة الإسلامية القومية» والتي استنت سنة جديدة في السياسية السودانية إذ انضم
إلى صفوفها ولأول مرة في تاريخ الأحزاب الشمالية إخوة من جنوب السودان يدينون
بمبادئ الجبهة ويشغلون مناصب عليا في مكاتب الجبهة. بجانب تلك الأحزاب الرئيسة
هناك حزب كان في يوم ما له صوت عال وهو الحزب الشيوعي السوداني، فقد كان في الماضي
يعد من أقوى الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط، وهو حزب قديم يقال إنه قدم للسودان
بواسطة بعض الموظفين الإنجليز «راجع كتاب مشيناها خطى كتبت علينا الأستاذ أحمد
سليمان»، ثم انقطع الحبل فترة من الزمن وعاد الحزب للظهور في أوائل الأربعينيات،
وقد كان المنبع هذه المرة هو الحزب الشيوعي المصري الذي أسسه وكان يديره اليهودي
كوربيل «راجع المصدر السابق». وسأتناول هذه الأحزاب بشيء من التفصيل. حزب الأمة:
هذا الحزب يرتكز أساسًا على طائفة الأنصار، وقائده الحالي عندما أراد أن يضمن
انتخابه ترشح في دائرة الجزيرة أبا معقل الأنصار. والأنصار هم أنصار الإمام ابن
أحمد المهدي الذي خرج من دنقلا في شمال السودان يبشر بثورة إسلامية حقيقية، نازحًا
إلى غرب السودان حيث التف حوله نفر عظيم لا تربطهم به أي صلة قرابة إلا كلمة لا
إله إلا الله وتحكيمها في واقع الحياة، وقد شهدت فترة حكمه تطبيقًا عمليًّا
للشريعة الإسلامية بحذافيرها، هذا وقد امتدت أفكاره وتعاليمه حينًا من الدهر بعد
موته حتى اتصلت بذريته من بعده، وبعد هزيمة جنده من قبل المستعمر الإنجليزي
الصليبي، فترت الهمم وبدأت دعوته تفقد مضمونها لا بين الأنصار ولكن بين قيادتهم
السياسية، ولكن ظلت تلك الشعلة متوفرة وحية بين السواد الأعظم من قاعدة الأنصار
العريضة تنتظر من يوقظها.
وقد عانت تلك
القاعدة كثيرًا من قيادة حزب الأمة العلمانية التي لا ترتبط برباط ولا فكر ديني
يربطها بتاريخ الأنصار الإسلامي ولا بعقيدة الإمام المهدي عليه السلام، بل وفي
كثير من الأحيان تكون الصلة الوحيدة هي المصلحة السياسية العاجلة.
وقد اتقدت تلك
الشعلة الإسلامية في أيام قيادة الشهيد المغفور له الإمام الهادي المهدي، الذي
اغتالته حكومة نميري حينما كان يسيطر عليها الشيوعيون، حيث وقف المرحوم الإمام
الهادي المهدي بكل صلابة ضد مايو الشيوعية التي ضربت الجزيرة أبا بالمدافع الثقيلة
والطائرات فقتلت الأطفال والنساء حيث كان يعسكر الإمام الهادي المهدي وأعضاء
المقاومة الإسلامية بنظام المايوي اليساري. وبعد ثورة رجب المباركة دخل الصادق
المهدي في صراع مع أبناء المرحوم الهادي المهدي على زعامة طائفة الأنصار وقيادة
حزب الأمة وانتصر عليهم، ولكن مشكلة الصادق المهدي «خريج كلية فيكتوريا كمبريج» هي
أنه يريد أن يكون زعيمًا طائفيًّا وقائدًا سياسيًّا حديثًا لبراليًّا على النهج
الغربي في آن واحد، وهذه الشيزوفرينيا السياسية هي التي بدأت تعقد عليه حياته
السياسية ولم يمر على إعلان النتائج في الانتخابات إلا أيام معدودات! والاستطراد
في توضيح خلفيات قائد حزب الأمة ليس الغرض منه التهجم عليه بل القصد منه إيضاح كل
جوانب شخصية الصادق المهدي؛ لأنه في واقع الأمر هو حزب الأمة القومي وحزب الأمة هو
صادق المهدي، رغم ما يقال عن ديمقراطية وشورى أجهزة الحزب!! ولقد أتيح لممثلي الحزب
الوطني الاتحادي بالاتجاه الإسلامي معرفة الصادق المهدي عن كثب إبان عملهم الجماعي
في الجبهة الوطنية خارج السودان في صحاري ليبيا وغابات إثيوبيا كمعارضة فاعلة
لنظام نميري فلمسوا فيه مواقف وصفات كثيرة لا تسر مما سجلوه في صحفهم وفي كاسيتات
تتداول خارج وداخل السودان اليوم.
• من بعض تلك المواقف- على سبيل المثال لا
الحصر- سعيه بمقابلة نميري داخل السودان خلسة ودون موافقة بقية أعضاء الجبهة
الوطنية رغم أن الميثاق- الذي صاغه الأستاذ عثمان خالد معنوي- كان ينص على ألا
تكون هناك مفاوضات منفردة مع نميري وإن حصلت فيجب أن تكون خارج السودان وبشروط
تضعها الجبهة- وفجأة يجد ممثلو الوطني الاتحادي في شخص المرحوم الشريف حسين الهندي
والاتجاه الإسلامي ممثلًا في أشخاص السادة عثمان خالد معنوي والسيد عبد الرحمن أن
هناك مصلحة تمت دون علمهم وموافقتهم وبشروط لا يعلمونها بين الجبهة الوطنية ممثلة
دون مشورتهم بالصادق المهدي وبين جعفر نميري!!
وبعد الانتفاضة
التي أطاحت بجعفر نميري في رجب المبارك انحاز الصادق المهدي للشيوعية واحتضنهم
ووقف بقوة مع العميل جون قرنق مطلقًا عليه لقب الوطني المناضل في الوقت الذي كان
الأخير يقتل الأبرياء والأطفال والنساء ورجال القوات المسلحة مما أوغر عليه صدور
هؤلاء إلى يومنا هذا. واحتار الناس لهذه التصرفات التي لا تنم عن ذكاء سياسي ولا
حتى على ولاء لشهداء حي رونوباري والجزيرة أبا الذي حصدهم رصاص الشيوعيين!! وعند
بدء الانتخابات ظهرت على حزب الأمة آثار النعمة المادية والمالية الرهيبة حيث
اشترى الصادق المهدي بيتًا ضخمًا فخمًا في قلب العاصمة القومية أم درمان كلف أكثر
من ستة ملايين وأرتال من السيارات الفاخرة مما أثار لغطًا كثيرًا عن مصدر هذه
الأموال وقد حاول الصادق المهدي أن يرد على ذلك اللغط في عدد المجلة بتاريخ
23/4/1986 عازيًا الأمر للمغتربين من حزب الأمة وهذا الرد أثار مزيدًا من الشكوك
إذ إن عدد المغتربين الذين ينتمون لحزب الأمة في الكويت مثلًا لا يزيد على أصابع
اليدين!! وقد صادف كل ذلك زيارة الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر للسودان حيث
زار الصادق المهدي وحده دون السياسيين غير الرسميين واجتمع به قرابة الست ساعات
مما زاد علامات الاستفهام حول هذه الزيارة والتي لم تجد ردًّا شافيًّا حتى الآن.
وقد رفع الصادق
المهدي شعارات أخرى من أهمها إلغاء ما أطلق عليه اليساريون «قوانين سبتمبر» وقد رد
عليهم البروفيسور الشيخ الصديق محمد الأمين الضرير أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة
الخرطوم ردًّا بليغًا كشف فيه النوايا الحقيقية لرافعي هذا الذي هو في حقيقته مطالبة
بإلغاء الشريعة الإسلامية حيث بين فضيلته أنها لا يمكن أن تسمي قوانين نميري إذ هي
قوانين إسلامية، وضعتها لجنة يرأسها النائب العام وتضم نقيب المحامين وعميد كلية
القانون ووكيل ديوان النائب العام وكبار القضاة والمحامين.
ثم أشار فضيلته
إلى أن قوانين 1974 التي يطالب بها صادق المهدي، وما يسمى بالتجمع الوطني هي أيضًا
قوانين نميرية صيغت وأجيزت في مايو؛ فلماذا يريد الصادق المهدي والتجمع اليساري
العودة إليها ونبذ ما يسمى قوانين سبتمبر 1983. الرد سهل جدًّا وهو: إن قوانين
سبتمبر قوانين إسلامية وقوانين 1974 قوانين هندية- إنجليزية تبعد كل البعد عن
شريعة الله. أعود فأذكر أن هذا الاستطراد مهم لفهم حقيقة الصادق المهدي قائد ما
يسمى «الصحوة الإسلامية» لأنه حزب الأمة وحزب الأمة هو صادق المهدي. فقد قال
الصادق المهدي عن قوانين الشريعة الإسلامية «إنها لا تساوي الورق الذي كتبت عليه وأنها
سوف تلقى في مزبلة التاريخ». وقد قال في الـ BBC
وبالحرف الواحد «إنها قوانين بربرية ويجب أن تلغى» وقد قال في لقاء تلفزيوني قبل
الانتخابات إن الوفد الذي سافر إلى أديس أبابا لمقابلة جون قرنق قد احتضن أفكارهم
السياسية وعندما نعرف أن من أهم بنود اتفاق جون قرنق مع الوفد الذي قابله «إلغاء
قوانين الشريعة» بالحرف الواحد!! نعرف الموقف الحقيقي لحزب الأمة من الشريعة
الإسلامية ومصداقيته نحو القضية الأساسية الكبرى المناطة بها الجمعية التأسيسية
الحالية ألا وهي إجازة الدستور الدائم الذي سوف يحدد الوجهة الحضارية للأمة
السودانية ويرسخ بناء السودان الحضاري للأجيال القادمة والتي تمثل المشاكل
الاقتصادية ومشكلة الجنوب مؤشرات لها. أما حزب الشعب الديمقراطي الحالي والذي أتى
نتاج لانفصام في الحزب الوطني الاتحادي والذي كان يمثل جماهير الوسط وكان يحظى
بأغلبية كبيرة خصوصًا في أوساط التجار وطبقة البرجوازية الوطنية وكان ولا يزال يلم
أشتاتًا من البشر لا يربطها خط فكري واضح بل كان الرابط بين كل تلك الفئات هو
الشخصيات أمثال المرحوم إسماعيل الأزهري والمرحوم مبارك زروق والمرحوم الشريف حسين
الهندي شخصيات انتقلت إلى بارئها وقد كانت في حياتها شخصيات لها وزنها وتاريخها
الناصع في مكافحة الاستعمار. أما اليوم فقد اندثر جناح الوطني الاتحادي لغيبة
الشخصيات التي كانت عامل ربط وانتماء للحزب وقد نما الحزب الاتحادي الديمقراطي
المدعوم براعي الحزب- أما موقف الحزب من الشريعة الإسلامية فقد كان واضحًا منذ
البداية ومنذ اندلاع ثورة رجب فهو لم يساوم عليها أحدًا مما حدا به للانسحاب مما
يسمى «بالتجمع الوطني». وقد أدى انفراط عقد الحزب وكثرة قادة الحزب الوطني
الاتحادي إلى فقدان كثير من الدوائر التي كانت مقفولة لهم مثل دائرة كسلا. أما
الجبهة الإسلامية فقد نبعت شيئًا فشيئًا من الإخوان المسلمين إلى جبهة الميثاق
الإسلامي إلى الجبهة الإسلامية القومية كما ذكرنا آنفًا والباعث الأساسي لهذه
الجبهة كما كان سابقًا هو استشعار القائمين عليها بعظم المرحلة القادمة ألا وهي
انتخابات الجمعية التأسيسية والمهمة الأساسية المنوطة بها وهي إجازة الدستور
الدائم الذي يحدد وجهة السودان الحضارية. وعليه فقد دعت كل من يؤمن بتحكيم شرع
الله أن يهرع إلى صفوفها طالما كان سودانيًّا مسلمًا فصارت بذلك حقًّا جبهة قومية
إذ أضحت ولأول مرة في تاريخ السودان السياسي الحزبي حزبًا يضم مواطنين من جنوب
السودان أعضاء في أعلى مستويات الحزب: المكاتب السياسية ومجالس الشوري- وكانت أول
حزب سياسي يعقد مؤتمره التأسيسي وينتخب رئيسه وأمينه وأعضاء مكاتبه في العاصمة
والأقاليم ويضع برنامجه ويحدد خطة العمل للانتخابات. وقد أخذت الجبهة الإسلامية
القومية على غرة في حين انشغلت الأحزاب بحكاية التجمع الوطني وجون قرنق وتلك
القضايا الجانبية مما جعل تلك الأحزاب تسعى دون جدوى لتأخير الانتخابات. والجبهة
الإسلامية القومية كما ذكرت نبعت تدريجيًّا من اللبنة الأولى لجماعة الإخوان
المسلمين ثم نمت عبر جبهة الميثاق الإسلامي، وامتدت عريضة بين الطلاب في الثانويات
والجامعات ثم تغلغلت بين نقابات العمال والزراع وانتزعت قياداتها من براثن
الشيوعيين الذين اضمحل دورهم خصوصًا عندما خططوا وقادوا انقلاب مايو مع المغامرين
العسكريين وحينما تسلطوا على رقاب الشعب بالإرهاب وقطع الأرزاق حيث كان شعارهم في
مايو «من ليس مع الثورة فهو ضدها»، وقد تعرض كثير من الإسلاميين للتشريد من
وظائفهم الشيء الذي لم يكن معروفًا في السياسة السودانية من قبل. حتى انكفأ عليهم
نميري بعد محاولتهم الفاشلة للانقلاب عليه عام 1971 وأباد قادتهم إلا قليلًا منهم
لجأوا إلى باطن الأرض أو خارج السودان. وليس للجبهة الإسلامية بيت ديني أو طائفة
ترتكز عليهما بل هذه ترتكز على جماهير واعية سواء وعيًّا علميًّا أي من طبقات
المتعلمين المثقفين، أو وعيًّا سياسيًّا لأولئك الذين خبروا الأحزاب التقليدية
ووجدوها لا تفي بتطلعاتهم السياسية أو الروحية. ومن السمات الواضحة لجماهير الجبهة
الإسلامية هي استقطابها للشباب من الجنسين الذين التزموا بالإسلام شكلًا وموضوعًا
لا يبغون في سبيل ذلك جاهًا أو منصبًا وهذه ظاهرة فريدة يلحظها الواحد وهو يزور
مراكز الاقتراع في الليالي السياسية. وبرنامج الجبهة- كما هو متوقع- يشخص الداء
ببعد الوطن السوداني عن الوجهة الفكرية الإسلامية طوال سنين الحكم الديمقراطي
والعسكري وبضعف البناء السياسي للأحزاب التي تتكون قاعدتها من جماهير إسلامية
الفكر والتطلعات وقيادة تحوي كثيرًا من العلمانيين وتستند إلى عصبية التاريخ
وزعامة الأشخاص. ثم إلى غياب الشورى داخل تلك الأحزاب التقليدية وتمزقها إلى أجنحة
عديدة مما يوهنها ويبدد طاقاتها في صراعات داخلية على
مغانم عاجلة تلهيها عن التصدي لمعالجة قضايا البلاد الإسلامية؛ زد على تلك استشراء
الضعف الخلقي والمعنوي للكثير ممن تصدوا لقيادة تلك الأحزاب. وترد الجبهة
الإسلامية كل ذلك إلى ضعف الصلة بالإسلام وحكمه المؤسس على الكتاب والسنة والشورى؛
ذلك الفكر الذي يجعل الحكم تكليفًا ثقيلًا لا تشريفًا ومدخلًا للغنى والثراء
الحرام- ومن خلال هذا التحليل للمرض ووصف الدواء فصلت الجبهة الإسلامية في
برنامجها الانتخابي كيف ترى البدء في وضع الحلول للمشاكل التي يعاني منها السودان.
وقد كان لوضوح
الرؤيا بالنسبة لبرنامج الجبهة أن حدثت ظاهرة جديدة في السودان؛ ظاهرة انخراط
الشباب والنساء في صفوف الجبهة؛ ذلك الشباب من الجنسين والنساء الذين كانوا ينتمون
لبيوتات تعد حجرًا على أحزاب معينة فترى رب البيت ينتمي إلى حزب الأمة أو الوطني
الاتحادي مثلًا، وزوجه وأبناؤه وبناته ينتمون إلى الجبهة الإسلامية القومية،
وأيضًا تجد بعض قياديي الأحزاب التقليدية في الأقاليم يتخلون عن أحزابهم وينضمون
للجبهة!!
السودان- من حيث
المساحة- هو أكبر دولة أفريقية ويعاني من تخلف شديد وواضح في مواصلاته الداخلية؛
فهل أثر ذلك على العمل الانتخابي؟ وكيف كان تأثير ذلك على نتيجة الانتخابات؟، وما
هو تحليلك لنتائج الانتخابات؟
بالمقارنة
للكويت نجد أن بعض الدوائر تفوق مساحتها مساحة الكويت ويسكنها حوالي أكثر من 70
ألفًا من الناخبين ويقطنون قرى صغيرة مشتتة على كل تلك الرقعة الواسعة، وهذا يعني
بالضرورة قطع أميال كثيرة في سبيل إيصال ما يود الحزب إيصاله للناخبين، أضف إلى
ذلك انعدام الطرق المرصوفة في كثير من الأحيان حتى مجرد الطرق المعبدة. هذا يعني
أن من يصل للناخبين- وأكثر من مرة- تكون فرصته أكبر من الحصول على أصواتهم. ويعني
الوصول للناخبين سيارات، ويعني ذلك توفر الوقود باستمرار فإذا عرفت أن جالون
البنزين العادي وصل سعره في السوق السوداء 15 جنيهًا تستطيع أن تفهم أن الحزب الذي
في مقدوره توفير هذا القدر من المال يستطيع أن يصل إلى ناخبين أكثر ومن ثم أصوات
أكثر ومن ثم نواب أكثر، أما تأثير ذلك تأثيرًا مباشرًا على نتيجة الانتخابات فمن
الصعب الجزم به بصورة مؤكدة وسأورد بعض الأمثلة التي حدثت فعلًا عند تحليلي لنتيجة
الانتخابات. مما لا شك فيه أن الانتخابات التي جرت حاليًّا مؤشرات ذات دلالات
عميقة في الساحة السياسية بالسودان، يجدر الوقوف عندها بتمعن. أولًا: كان هناك
كثير من الأحزاب الذين كان لها ضجيج عال مما حدا ببعض الجهات في الجهاز السياسي للدولة
مثل المجلس العسكري المؤقت وبعض المراقبين خارج وداخل السودان أن يقيموا لهم وزنًا
لا يستحقونه، وجاءت نتيجة الانتخابات لتضع تلك الأحزاب في مكانها الحقيقي وتوضح
للعيان وزنها الحقيقي. من هذه الأحزاب مثلًا: الحزب الشيوعي السوداني وحزب البعث
والحزب الناصري، فالحزب الشيوعي كان يعد من أقوى الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط
والقارة الأفريقية وكانت قبضته قوية على النقابات والاتحادات الطلابية ولكنه ارتكب
سلسلة من الحماقات والأخطار التكتيكية كشفت نواياه التي يضمرها للديمقراطية: في
حكومة جبهة الهيئات بعد ثورة أكتوبر الشعبية التي أشعلها وقادها الدكتور حسن
الترابي ومرة أخرى عندما اشترك مع المغامرين من العسكريين في حركة مايو؛ حيث
مارسوا مع معارضيهم من رجال الأحزاب التقليدية أشد أنواع التنكيل السياسي حيث
أدخلوا في السياسة السودانية ممارسة قطع الأرزاق لمجرد اختلاف الرأي مع الآخرين،
واستمر هذا ديدنهم حتى حاولوا انتزاع الحكم من جعفر نميري ففشلوا فشرد بهم وقتل
قادتهم ومفكرهم الأوحد وبعدها لم تقم لهم قائمة، إذ اختفى قائدهم الحالي محمد
إبراهيم نقد تحت الأرض طوال ست عشرة سنة الماضية، فلم يستفد منه حزبه ولا السودان
كما هرب النائب الآخر الدكتور عزالدين علي عامر وزوجته الأميركية إلى لندن. وهذا
الحزب لم تظهر عليه آثار النعمة التي كانت عنده قبلًا لضعف التمويل فيما يبدو لأن
الممولين اقتنعوا بأن الحزب يعد جسدًا بلا روح. أما حزب البعث فقد عاد قائده
ومفكره من الخارج يجعل في جعبته 5 ملايين دولار أعلنها في مطار الخرطوم، وما خفي
أعظم وكان لا بد أن «يملك» كل تلك الملايين بنوع من العمل الانتخابي فكانت لياليه
بائسة جدًّا من ناحية الحضور والمضمون؛ ولذلك نجد أن مرشحيهم في دوائر الخريجين
دائمًا في قاع القائمة يليهم إلى أعلى مرشحو الحزب الشيوعي وهم الذين يدعون أنهم
ممثلو المثقفين!! ولكن كيف تسنى للحزب الشيوعي أن يكسب مقعدين في العاصمة القومية
وآخر في الجنوب؟ الدائرة التي ترشح بها زعيم الحزب دائرة أغلب سكانها من الموسرين
وأصحاب الدخول العالية وهو مخالف تمامًا للتفسير والادعاء الشيوعي من أنهم قادة
البروليتاريا كما يقطن تلك الضاحية كثير من السودانيين ذوي الأصول الشامية
والمصرية وكثير من الأقباط بالإضافة إلى أعداد هائلة من النازحين من الإقليم من
أتباع القس فيليب عباس غبوش، والمتضررين من المجاعة والتصحر. وقد كان مرشح الجبهة
الإسلامية القومية السيد يس عمر الإمام متقدمًا أولًا على نقد حسب إحصائيات
العاملين بالدائرة حتى اليوم الخامس من الانتخابات وفجأة بدأت أعداد كبيرة من
الأقباط وأهالي السكن العشوائي من أبناء الأقاليم وأتباع القس فيليب غبوش تتوافد
على صناديق الانتخاب في هذه الدائرة. ولا يحتاج للكثير من الذكاء لنقرر لمن أعطوا
أصواتهم. نفس السيناريو حدث في دائرة مرشح الجبهة الإسلامية القومية اللواء «م»
الفاتح عابدون حيث نافسه نائب الحزب الشيوعي الآخر الدكتور عز الدين علي عامر.
والجدير بالذكر أن كل الدوائر التي فقدتها الجبهة الإسلامية بالعاصمة كان الفارق
بين النائب الفائز ومرشح الجبهة قليلًا جدًّا في بعض الأحيان أقل من المائة صوت.
والشيء الثاني أن كل تلك الدوائر تسكنها أعداد كبيرة من أصحاب السكن العشوائي
الذين نزحوا من الريف هربًا من المجاعة والتصحر! ومن الواجب هنا الإشارة أن أكثر
من مجموعة من هذه المجموعات ساعدت مرشحي الجبهة في «الدعم» المادي الذي يمكن أن
يقدمه المرشح لهم لكي يعطوه أصواتهم وعندما أفهمهم مرشح الجبهة استحالة ذلك رفضوا
أصواتهم له وذهبوا لمرشح آخر. أما في الدوائر الأخرى فقد سقطت السيدة فاطمة أحمد
إبراهيم الزعيمة الشيوعية سقوطًا شنيعًا في الدائرة التي فاز بها مرشح الجبهة
الإسلامية القومية الأستاذ عثمان خالد مضوي ولقد كانت الظاهرة الملفتة للنظر عدم
تصويت أعداد كبيرة من النساء للسيدة فاطمة رغم أنها تدعي أنها رئيسة ما يسمى
باتحاد نساء السودان. أما موقف حزب البعث فهو لم يحصل على أي مقعد لا في الدوائر الجغرافية
ولا دوائر الخريجين، وقد فقد كثير من مرشحيه على تأمينهم! بالنسبة للحزب الاتحادي
الديمقراطي فقد كان للتمزق التنظيمي الذي سبق قيام الانتخابات أثره السيئ في كثير
من الدوائر خصوصًا تلك التي كانت تعد مقفولة له مثل دائرة كسلا في شرق السودان.
بالنسبة لحزب الأمة فقد كان من الواضح للوهلة إمكاناته المالية الرهيبة مما مكنه
في الوصول لأقاصي البلاد خصوصًا في أماكن متضرري المجاعة والتصحر، ومن كسب أصوات
ساكني السكن العشوائي بالعاصمة. ولكن نتيجة الانتخابات عمومًا وفي دوائر الخريجين
أوضحت عدم تأثير المادة في أماكن الوعي حيث أثبتت الجبهة الإسلامية القومية
استقطابها للعناصر المتعلمة والمثقفة والواعية إذ اكتسحت كل دوائر الخريجين
بالشمال ودائرتين بالجنوب وثلاث عشرة دائرة بالعاصمة وعددًا لا بأس به من دوائر
الإقليم الأوسط. وهي الحزب الوحيد الذي لديه نائبتان في الجمعية التأسيسية، وبذلك
برهنت على أنها تحظى بقبول واسع في أماكن اتخاذ القرار الواعي بالإضافة إلى فوز
الجبهة في بعض الدوائر والتي كانت تعد معاقل للأحزاب التقليدية مثل دوائر دنقلا
حيث خرج الإمام المهدي ودائرة الخرطوم بحري القديمة. وهناك دائرتان تحتاجان لشيء
من التفصيل لمدلولاتهما السياسية والأخلاقية وهي دائرة الجزيرة أبا التي فاز فيها
الصادق، بما يبدو- لأول وهلة- بأصوات كثيرة ودائرة الصحافة الشهيرة- على مستوى
السودان وعلى الصعيد العالمي- والتي سقط فيها الدكتور حسن الترابي كما يبدو- ولأول
وهلة- بأصوات كثيرة. لقد امتد التغيير الذي أحدثه وجود الجبهة الإسلامية القومية
حتى شمل الجزيرة أبا معقل الأنصار منذ المهدي الأول، فهذه الدائرة كان لا يترشح
فيها إلا شخص واحد ومن آل المهدي ويفوز فيها بالتزكية وعندما أريد للصادق أن يدخل
السياسة وكان حينها لم يبلغ السن القانوني رشح فيها خاله حتى بلغ الصادق المهدي
السن القانوني، عندها استقال خاله ليفسح المجال للصادق المهدي ليترشح ثم يفوز
بالتزكية، ومن ينتزع رئاسة الوزارة من رئيس حزب الأمة في ذلك الوقت ورئيس الوزراء
السيد المرحوم محمد أحمد المحجوب!! أما الآن فقد تغير الحال جدًّا فقد نافس الصادق
المهدي مرشح للجبهة الإسلامية القومية وآخر للشيوعيين وأحد أبناء الشهيد الهادي
المهدي وآخر لحزب البعث وهذا أمر لم يكن معروفًا من قبل منذ أن خلق الله الجزيرة
أبا، ولذا عندما فاز الصادق بالتزكية سابقًا يكون قد فاز بـ 70 ألف صوت أي 100%.
أما الآن وقد فاز بـ 30 ألف صوت فيكون قد فاز بـ 40% من الأصوات رغم أن مرشحي
الحزب الشيوعي وحزب البعث قد ادعيا أنهما قد تنازلا له، فهذا يعد تحولًا ضخمًا ليس
في صالح الصادق المهدي كما يبدو لأول وهلة بل في الاتجاه المعاكس. أما الدائرة
الشهيرة دائرة الصحافة وجبرة التي سقط فيها الدكتور حسن الترابي فالمرء يعجب
كثيرًا للارتياح والانبساط الذي غمر أعداء الجبهة الإسلامية القومية في السودان
وهنا وفي الدائرة الغربية كما صرحت بهذا الإذاعات والصحف الغربية. فالمؤامرة بدأت
عندما وضح من التقارير الأولية تقدم الدكتور حسن الترابي على أقرب منافسيه بأصوات
كثيرة في الأيام الأولى للتصويت. وفي ذلك الوقت نشرت جريدة «ألوان» وثيقة دامغة
تدين مرشح حزب الأمة ورئيس جريدة الأمة، بأنه كان جاسوسًا للأمن القومي إبان حكومة
نميري، فأرغى السيد سيد أحمد خليفة وأزبد وتوعد بالاحتكام للقضاء الشيء الذي لم
يحدث إلى حين كتابة هذه السطور وكان لا بد من عمل يغطي على هذه الفضيحة بعد أن
انفضح مرشح حزب الأمة، ولم يبق في الساحة منافس للدكتور حسن الترابي غير مرشح
الحزب الوطني الديمقراطي لأن مرشحي حزب البعث والحزب الشيوعي وحزب فيليب عباس غبوش
لم يكونوا في مستوى المنافسة. فاستقر الرأي على أن تعطي الأحزاب كلها أصواتها
لمرشح الحزب الديمقراطي الاتحادي ممثلًا لأحزاب «الانتفاضة» أو ما يسمى «بالتجمع
الوطني». والغريب المضحك في هذه المسرحية أن نفس مرشح الحزب الاتحادي الديمقراطي
المحامي حسن سبو كان قد رفض قبل سنة عندما قدم من قبل حزبه ليكون وزيرًا للعدل في
الحكومة الانتقالية؛ لماذا؟ لأنه لصيق الصلة بالإسلاميين!! فإذا به الآن مرشح
لأحزاب «الانتفاضة»!! وبهذا شاء الله أن تحصل خمسة أحزاب مجتمعة حوالي الـ 12 ألف
صوت وللدكتور حسن الترابي أكثر من 10 آلاف صوت، فأي انتصار هذا وأي نبذ للشعب
لمستشار السفاح!! وبهذا يكون ما يسمى بالتجمع الوطني قد استن سنة خطيرة وعجيبة لم
يسمع بها من قبل في كل الأنظمة والممارسات الديمقراطية، فبدل أن يقف كل حزب بمفرده
في الساحة ببرامجه وأفكاره التي يعرضها على جمهور الناخبين وينظر قرارهم
الديمقراطي قررت الأحزاب كلها- لأنهم يعرفون رأي الناخبين سلفًا- قرروا أن يقفوا
كلهم في وجهه ليحاربوا شخصًا واحدًا!! لا شك أن سقوط الدكتور حسن الترابي قد آلم
ليس فقط العاملين بالدائرة من أفراد الجبهة الإسلامية، بل حتى الذي لا تربطهم صلة
بالجبهة ولكن الدكتور حسن الترابي خاطب الجماهير المخلصة وأوضح لهم بعض البديهيات
الإسلامية سواء في العمل السياسي أو الحياة العامة، وهي أن المؤمن عليه بذلك الجهد
الصادق أما النتائج فهي بيد الله وحده ينجح من يشاء ويسقط من يشاء فاطمأنت النفوس
وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وأن العمل الإسلامي ليس مقصورًا على الجمعية
التأسيسية كما أن من انتخب سيحمل الراية فانتهت الزوبعة ووعى العاملون بالجبهة
الإسلامية أن العمل ليس مرتبطًا بأشخاص معينين وأن القادة عرضة للنجاح والفشل كما
كان القائد الأعظم- صلى الله عليه وسلم. وبهذا تتجلى الصورة عن تعاظم الجبهة
الإسلامية في مناطق الوعي والثقافة مما سوف يثري التجربة الديمقراطية الجديدة وسوف
يجعل الجمعية التأسيسية الميدان الحق للتصارع الفكري الجاد بإذن الله. ومما لا شك
فيه أن شجرة الطائفية وعصبية التاريخ والنوفية العائلية مازالت تمد ظلالها الكاتمة
على بعض أقاليم السودان وإن بدأت تتقلص شيئًا فشيئًا والغد قطعًا للفكر الإسلامي
المتجدد دومًا إن شاء الله.
من المسميات
البارزة التي رافقت الانتخابات السودانية مصطلح «دوائر الخريجين» فما طبيعة هذه
الدوائر الخاصة؟ وما هي الأسباب والخلفيات التي استدعت ذلك التخصيص؟
دوائر الخريجين
هي عبارة عن دوائر مغلفة يكون المرشح خريجًا ذا مواصفات محددة وكذلك الناخب يكون
حاملًا نفس تلك المواصفات وهي إجمالًا أن يكون جامعيًّا أو خريجًا للثانوية العامة
وسنتين بعد ذلك، في أي معهد ككلية الشرطة أو الكلية الحربية أو معهد البصريات
إلخ.. والناخب يحق له التسجيل في أي إقليم بالسودان وللناخب الخريج بذلك الإقليم
أصوات بعدد الدوائر في ذلك الإقليم والتي تتراوح بين ثلاث إلى خمس دوائر. ويقابل
دوائر الخريجين الدوائر الجغرافية وهي مفتوحة للجميع الذين يستوفون شروط الأهلية
للانتخاب وبذا يكون للخريج أكثر من صوت: صوت واحد في الدائرة الجغرافية التي تسجل
فيها وأكثر من صوت في دائرة الخريجين التي تسجل فيها. وفكرة دوائر الخريجين نبعت
أساسًا من الرغبة في أن يحظى البرلمان وتعطى الفرصة فيه لأكبر عدد من المتعلمين
والمثقفين لكي يطعم بها العدد الكبير من النواب غير المتعلمين الذين كانت تأتي بهم
الأحزاب التقليدية، وهي رغبة ظاهرها الرحمة، ولكن المنادين بها كانوا هم الشيوعيون
عندما كانوا يسيطرون على اتحادات الطلاب والمتعلمين أو كانوا يظنون أنها كانت
ستأتي لهم بنواب على طريق تلك الاتحادات. وقد اعترض الاتجاه الإسلامي في حينها على
هذه الفكرة- ولا يزال- باعتبار أنها نفسها من التزييف لإرادة الأمة ونوع من
الفوقية. وعلى كل جاءت نتيجة أول انتخابات تضمنت فيها دوائر الخريجين بمفاجأة
كبيرة إذ حصل الدكتور حسن الترابي على أعلى نسبة من أصوات الخريجين. وبعد ثورة رجب
كررت الجبهة الإسلامية القومية عدم ارتياحها لموضوع دوائر الخريجين لنفس الأسباب
ومرة أخرى أصر عليها الشيوعيون والبعثيون وحزب الأمة الذي صرح زعيمه الصادق المهدي
بأن عدد الخريجين لحزب الأمة يفوق خريجي الجبهة الإسلامية طولًا وعرضًا!! وقد زاد
على ذلك المطلب ما يسمى بالتجمع الوطني مطالبًا بتخفيض دوائر لما سموه بقوى
الانتفاضة وهو أيضًا مطلب ظاهره الرحمة ومات هذا الطلب الأخير لعجز التجمع عن
الاتفاق على تعريف لما يعنيه بالقوى الحديثة أو «قوى الانتفاضة». ومرت الأيام
واكتسحت الجبهة الإسلامية القومية دوائر الخريجين إذ حصلت على جميع دوائر الخريجين
بالشمال ودائرتين بالجنوب مثبتة قوميتها مرة أخرى.
وقد أثبت فوزها في هذه الدوائر مكانتها ومكانة الأحزاب الأخرى بين المتعلمين فنجد
الفرق بين الفائز الأول في دوائر العاصمة- مركز القرار الواعي- الدكتور إبراهيم
أحمد عمر وأقرب مرشح شيوعي- السيدة سعاد إبراهيم أحمد هو 1546- أما الفرق بينه
وبين مرشح حزب الأمة- الإمام عبد الرحمن يعقوب الحلو فهو 7477 صوتًا!!
أما في الإقليم
الأوسط- أيضًا من مراكز اتخاذ القرار الواعي- فقد نال الأستاذ أحمد التجاني صالح،
شرف أول موظف في حكومة السودان وحصل على أعلى الأصوات كمرشح للجبهة الإسلامية إذ
نال 6126 بينما احتل مرشح حزب الأمة الأستاذ محمد إبراهيم خليل المستشار بالصندوق
الكويتي للتنمية المركز السادس ونال 3322 صوتًا، ويقل 1886 بين الفائزة الخامسة
للجبهة الإسلامية القومية والتي نالت 5208 والجدير بالذكر أن السيد محمد إبراهيم
خليل كان مرشحًا لأن يكون أمينًا لحزب الأمة ولكنه رفض من قبل القاعدة وهو الآن
مرشح لرئاسة الجمعية التأسيسية منافسًا لرئيس الوزراء الحالي الدكتور الجزولي دفع
الله، وللأستاذ محمد إبراهيم خليل آراؤه الواضحة نشرها في جريدة «الأيام» حيث عارض
قوانين الشريعة الإسلامية.
أما مرشحو الحزب
الشيوعي وحزب البعث فقد قبعوا في قاع القائمة في أغلب الدوائر خصوصًا حزب البعث
الذي يدعي أنه ممثل القوى الواعية الذي كان شعاره في الانتخابات ليس طرحًا فكريًّا
لآراء حزب البعث ولكن إسقاط مرشحي الجبهة الإسلامية القومية. وهكذا نجد أن الجبهة
الإسلامية قد تناوبت على مرشحي حزب الأمة والحزب الشيوعي تسقط هذا مرة وتسقط الآخر
تارة أخرى.
ما هي القضايا
المركزية التي تمحور حولها العمل الانتخابي ودار حولها الاستقطاب السياسي للمواطن
السوداني؟
القضية الرئيسية
التي تمحور حولها النقاش سواء في الليالي أو الندوات التلفزيونية أو اللقاءات
الخاصة أو صفحات الجرائد كانت هي قضية الشريعة الإسلامية وقضية التوجه الحضاري
للسودان، مهما اتخذ الطرح من أوجه أخرى قد تبدو لأول وهلة بعيدة عن قضية الشريعة.
نعم ذكر الوضع الاقتصادي كثيرًا من أنه مترد وأن الجميع متفقون على أهميته. وذكرت
مشكلة الجنوب واتفق الجميع على أهميتها ولكن كل ذلك عن خلفية أكبر، وهي هوية
السودان التي ستحل من داخلها هذه المشاكل.. ولكن ظلت قضية التشريعات الإسلامية هي
المحور الحقيقي الذي دارت عليه معركة الانتخابات سواء علنًا أو تحت صور مختلفة
تخفي وراءها حقيقة الذين يلبسونها، فالصليبيون أمثال القس فيليب عباس غبوش وجون
قرنق كانوا صريحين في المطالبة بإلغاء الشريعة الإسلامية، ووفد التجمع الذي سافر
إلى أديس أبابا أبان فترة الانتخابات توصل مع قرنق إلى اتفاق ضعيف متهافت كان من
بنوده إلغاء قوانين الشريعة الإسلامية. أما الصادق المهدي فقد أشرت إلى مواقفه
المعلنة في الليالي السياسية وصحيفته وفي إذاعة الـ BBC
التي تقف ضد القوانين الشرعية والتي يسميها زورًا قوانين نميري. وحتى التحالفات
التي حدثت علنًا كما حدث في دائرة الدكتور حسن الترابي كان من أبرز أهدافها إزالة
قوانين سبتمبر والتحالفات غير المعلنة للأقباط وأتباع القس غبوش مع الشيوعيين في
دائرتي مرشح الحزب الشيوعي. نقد ود. عز الدين علي عامر كان يغذيها وذلك بالتخويف
من فوز الجبهة الإسلامية القومية يعني تثبيت الشريعة الإسلامية. وحتى في الأقاليم
فقد خرج الصادق المهدي لجماهير حزبه الذين استقطبتهم الجبهة الإسلامية، بمظهر
المنادي بالشريعة الإسلامية وخير مطبق لها والتي هي غير شريعة نميري، وقد انطلت
هذه الحيلة على كثير من البسطاء.. بالإضافة إلى الإغراءات الأخرى. ولهذا نرى أن
موضوع الشريعة الإسلامية كان هو في الواقع الموضوع الرئيسي والأساسي الذي دار حوله
الاستقطاب السياسي وإن تعددت أشكال الطرح.
ما هي مواقف
الأحزاب الرئيسية من مشكلة الجنوب في السودان؟ وهل تشكل تحركات جون قرنق مخاطر
حقيقية تهدد وحدة التراب السوداني؟
لنبدأ بحزب
الأمة صاحب الأغلبية العددية في الجمعية التأسيسية. فموقف الحزب هو موقف الصادق
المهدي. وموقف الصادق المهدي هو موقفه من جون قرنق لأن قضية جون قرنق مرتبطة في
ذهن من يقيمون وزنًا كبيرًا له بقضية الجنوب. وهنا يكمن ضعف موقف حزب الأمة،
والحزب الشيوعي وما يسمى بالتجمع الوطني الذي يضمهما الاثنين؛ فهم يرون أن جون
قرنق مناضل حقيقي يشاركهم الرأي الدكتور منصور خالد وزير نميري السابق، وعميل الـ CIA وهم يظنون أن جون قرنق يمثل الجنوب كله،
وأثبتت الأيام وقيادة الأينانيا عكس ذلك، وقد كان من الممكن تقبل «نضال» جون قرنق إبان
حكم النميري ولكن الآن وقد ذهب نميري إلى غير رجعة فإن الحرب التي يقودها جون قرنق
والذي يرفض أي مساع للسلام إلى كتابة هذه السطور لا معنى لها، وليس لها إلا تفسير
واحد وهو أن جون قرنق- المتعلم في أميركا والمتدرب في إسرائيل- مرهون لقوى خارجية
سلبته حق اتخاذ القرار الوطني السليم. وقد استمر رئيس الحزب يتودد لجون قرنق
واستمرت مراسلاته لجون قرنق التي بدأت منذ وقت طويل إبان الجبهة الوطنية المعارضة
لنظام نميري حتى الآن، واستمر يصف جون قرنق بالمناضل حتى أثار عليه حفيظة القوات
المسلحة، وحتى عندما وقفت الجبهة الإسلامية تشد من أزر القوات السودانية المسلحة
وحتى بعد أن سير الشعب مسيرة أمان السودان التي خرجت تندد بجون قرنق الذي كانت
قواته تذبح النساء والأطفال في قرى جنوب كردفان وأعالي النيل، بجانب رجال القوات
السودانية المسلحة، هاجمها الصادق المهدي واصفًا مظاهر الدعم تلك بالغوغائية!
فوقوف حزب الأمة مع الصادق المهدي بهذه الصورة له مدلول عميق ذلك الوقوف الذي يروج
له الإعلام الداخلي الذي يسيطر عليه اليساريون والإعلام الغربي الذي صوره بأنه حرب
بين الجنوب المسيحي المضطهد من قبل الشمال المسلم العربي. لقد كان لهذا الانحياز
لجون قرنق من جانب الصادق المهدي والشيوعيين أثره في شق الجبهة الداخلية وهي تواجه
تحديًّا مسلحًا كان الأولى بها أن تواجه بصف واحد صلد لا يتزعزع فها هو جون قرنق
رفض عرض الصادق المهدي بالاشتراك في الحكومة القادمة ويوجه للصادق وما يسمى
بالتجمع الوطني الصفعة تلو الصفعة وهم لا يزالون يطلبون المزيد. بجانب هذا الموقف
المهتز من جانب حزب الأمة والشيوعيين نجد أن موقف الجبهة الإسلامية والحزب الوطني
الديمقراطي اللذين يرفضان وصاية جون قرنق على الجنوب والجنوبيين ويوضحان أن هناك
أصواتًا هائلة أخرى تقف مع وحدة التراب السوداني، تحت ظل نظام ديمقراطي بعيد عن
التهديد والابتزاز. وترى الجبهة الإسلامية أن مشكلة الجنوب هي مشكلة قديمة زرعها
الإنجليز وغذتها الكنائس باحتضانها لقلة من أبناء الجنوب وتفاقمت حين تقلد هؤلاء
الخريجون أرفع المناصب بمساعدة الإنجليز. وفى واقع الأمر أن تعداد المسلمين أكثر
من تعداد المسيحيين بالجنوب ولكن لا يسمع لهم صوت، وقد وضحت الجبهة حقيقة وزن جون
قرنق فهو في رأيها لا يمثل إلا جزءًا بسيطًا من قبيلته. والجبهة الإسلامية ترى أن
هناك مشكلة تنموية في الجنوب ولكن ليست قاصرة على الجنوب لأن هناك مشاكل في الشمال
والشرق والغرب.. والجبهة ترى أن جون قرنق مرهون لقوى خارجية لا تمكنه من اتخاذ
القرار الذي يكون في صالح الجنوبيين أو السودان عامة. والجبهة ترى وقد نادت أكثر
من مرة أن الحكم الفدرالي هو أفضل أنواع لا للجنوب فحسب بل لكل إقليم السودان.
والجبهة ترى أن مشكلة الجنوب قابلة للحل إذ ما جلس كل الأطراف بما فيهم جون قرنق
وأحزاب الجنوب الأخرى- حزب سابكو- حزب الشعب التقدمي، حزب الشعب الفدرالي، حزب
سانو إلخ..- إلى مائدة المفاوضات ونبذ الحرب الدائرة حاليًّا دون وضع شروط مسبقة
وبحسن نية وبعقول مفتوحة ودون التأثيرات الخارجية. ولعل مما عقد الموضوع أكثر
وأكثر هو تلك المجموعات والمندوبين الذين يلهثون نحو جون قرنق الفينة بعد الفينة
مما يجعله يؤمن بانقسام الجبهة الداخلية وتجعله يضرب هذا الوفد بذاك وهذا الحزب
بذلك التجمع، وتجعل له مكانة ما كان يحلم بها لو توحدت كلمة كل القوى السياسية
الفاعلة في رفض ابتزازه وأسلوبه الذي يجعل البندقية هي الحكم في حل مشكلة الجنوب.
فتحركات جون قرنق وتصرفاته هذه أدت إلى تعذر إجراء الانتخابات في كثير من دوائر
الجنوب وبذلك عطلت العملية الديمقراطية فيها ثم إن قواته عطلت عمليات التنمية التي
يستفيد منها السودان كله عامة والجنوب خاصة، مثل أعمال التنقيب عن البترول وشق
قنان جونقلي كل ذلك بالإضافة إلى سفك الدماء دون مبرر. وعندما تتوقف عمليات
التدليل هذه التي تقوم بها عناصر اليسار والصادق المهدي سيتضح لجون قرنق وللعالم
أجمع حجم جون قرنق الحقيقي وسيعلم السودانيون موقف الشرق الشيوعي ممثلًا في
أثيوبيا والغرب ممثلًا في أمريكا وإسرائيل الذين يستعملون جون قرنق كمخلب قط
ليلتهي السودان عن معاركه الحقيقية في مجال التنمية والنهوض بمعارك جانبية في جنوب
السودان.
هل تتوقعون
النجاح للحكومة الائتلافية القادمة؟
إن شكل الحكومة
القادمة لم يتضح حتى كتابة هذه السطور وذلك يعزى إلى حد كبير إلى تناقضات أساسية
عدة بين حزب الصادق المهدي وأقرب الأحزاب عدديًّا إليه وهو الحزب الاتحادي
الديمقراطي، فبين خلفية الحزبين عداء طائفي قديم وإن خفت حدته بين أحفاد مؤسسي
الحزبين، وبينهما خلاف تاريخي قديم إذ تبنى الحزب الاتحادي الديمقراطي لواء
الاتحاد مع مصر- ومن هنا جاءت كلمة الاتحادي- بينما كان حزب الأمة تاريخيًّا ضد
هذه الفكرة مائلًا دومًا نحو الإنجليز. واليوم يتباين الحزبان في عدد من المواقف
السياسية الأصولية فبينما يعلن الصادق المهدي وقوفه ضد القوانين الإسلامية وينعتها
بالبربرية من إذاعة الـ BBC
ويدعو إلى إزالتها نجد أن الحزب الاتحادي الديمقراطي يعلن عن وقوفه معها ومع
إصلاحها وتشذيبها دون لف ودوران. وفي الوقت الذي يقف الصادق المهدي مع الشيوعيين
ويطالب بإدخالهم أي حكومة قادمة هم والعنصريون من أنصار القس فيليب عباس غبوش نجد
أن الحزب الاتحادي الديمقراطي يقطع أي صلة بالشيوعيين ويترك ما يسمى بالتجمع
الوطني.. فهناك إذًا خلافات جذرية بين الاثنين.. ثم إن هناك مخاوف ومحاذير للحزب
الاتحادي الديمقراطي أهمها شخصية الصادق المهدي المائلة للديكتاتورية ونزعة
الانفراد بالرأي والاستخفاف بالشورى وهي صفة ملازمة له لما تعود عليه في محيطه
العائلي ليس هو فقط بل جميع آل المهدي حيث يجدون القداسة من أتباعهم، والشيء الآخر
هو مطالبة الصادق المهدي لحزبه بالمناصب الثلاثة الهامة؛ وهي رئاسة الوزارة
والجمعية التأسيسية ومجلس السيادة.. كل ذلك جعل الحزب الاتحادي الديمقراطي يتوجس
خيفة ويصر على دخول الجبهة الإسلامية القومية في أي تشكيل وزاري. أما موقف الجبهة
الإسلامية القومية فموقفها واضح وضعت دستورها وهو التمسك بالقوانين الإسلامية
نعتًا وروحًا وتطبيقًا وإن كانت بحاجة لتشذيبها من قبل علماء الشريعة، فليكن
ويستتبع ذلك نبذ كل من لا يؤمن بها من السلطة التنفيذية من شيوعيين وبعثيين. وهذا
يصطدم مع مفاهيم الصادق المهدي الذي يريد أن يلغي تلك القوانين ويريد أن يضم
ممثلين لحزبين لا يؤمنان بتلك القوانين: حزب فيليب عباس غبوش والحزب الشيوعي.
والجبهة الإسلامية لا ترى أن يدخل الحكومة كل من هب ودب، لأن التجارب دلت أن
الحكومة التي تضم ممثلين لكل الأحزاب لا تنتج، وعلى كل من الصعب التنبؤ بنجاح
الحكومة القادمة قبل تكوينها.
شكرًا د. خليفة
على هذا اللقاء الطيب وجزاكم الله كل خير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل