; حوار حول: مستقبل المسلمين في أوروبا الشرقية مع رئيس رابطة الأقليات المسلمة | مجلة المجتمع

العنوان حوار حول: مستقبل المسلمين في أوروبا الشرقية مع رئيس رابطة الأقليات المسلمة

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1990

مشاهدات 78

نشر في العدد 971

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 19-يونيو-1990

  •  

    ·       مائة شركة أجنبية قدمت عروضها للاستثمار في تشيكوسلوفاكيا من بينها ثمانون شركة يهودية

    ·       الكنيسة نشطت في إرسال فرق غنائية وتمثيلية إلى دول أوروبا الشرقية

    ·       المسلمون نالوا دائمًا النصيب الأكبر من الاضطهاد في ظل الأحزاب الشيوعية الحاكمة

    حتى الآن ما زال الإعلام الإسلامي في شبه غياب كامل تجاه قضايا مسلمي أوروبا الشرقية، في الوقت الذي نشطت فيه الكنيسة الغربية بشدة عبر مختلف أجهزتها وأدواتها لاستيعاب هذه الأحداث واستغلالها على أوسع نطاق لصالحها.

    التغيرات التي لحقت بمسلمينا هناك، وآثارها، وحقيقة أوضاعهم كانت محور الحديث مع الأخ الدكتور الفاتح علي حسنين، رئيس رابطة الأقليات الإسلامية في شرق أوروبا، في سياق محاولات «المجتمع» للتقصي عن حقيقة أوضاع المسلمين هناك ورسم صورة حقيقية لها ووضعها أمام القارئ المسلم ليضطلع هو الآخر بدوره.

    والأخ الدكتور الفاتح علي حسنين هو من مواليد محافظة النيل الأزرق عام 1946، أتم تعليمه الأولي في السودان وتخرج من كلية الطب في بلغراد وحصل على دبلوم الأمراض الباطنية من جامعة فيينا، ويقيم بالنمسا منذ عام 1985، متزوج من أخت سودانية وهو من رجالات العمل الإسلامي في أوروبا الغربية ويشغل الآن منصب رئيس رابطة الأقليات الإسلامية في شرق أوروبا.

    وكان هذا هو نص الحديث:

    مؤتمر الأقليات المسلمة في شرق أوروبا

    المجتمع: في بداية اللقاء نحب أن تعطونا فكرة موجزة عن نشأة رابطة الأقليات الإسلامية في شرق أوروبا وطبيعة عملها؟

    د. الفاتح: بعد الانفتاح الذي حدث في شرق أوروبا، والتغيرات التي أصابتها، سهل الاتصال بالأقليات الإسلامية المقيمة هناك، فقمنا باستغلال هذه الفرصة وزيارتهم ودراسة أحوالهم على الطبيعة، ثم تلى ذلك عقد اجتماع ضم مسؤولي الأقليات الإسلامية في أوروبا الشرقية حيث وضح للجميع مدى الحاجة الشديدة للأقليات الإسلامية هناك للتعبير عن أوضاعهم الداخلية والمطالبة باحتياجات العمل الإسلامي في تلك البقاع، وكانت الفكرة أنه بدلًا من أن تقوم كل أقلية إسلامية هناك بالاتصال بالعالم الإسلامي لعرض مطالبها وأوضاعها أن تكون هناك جهة موحدة تتولى هذه المهمة فترفع مطالبهم وقضاياهم ومشاكلهم إلى العالم الإسلامي، ومن هنا نشأت فكرة تكوين رابطة للأقليات الإسلامية في شرق أوروبا، وتلى ذلك أن قمنا بالاتصال بمسؤولي أقليات تلك الدول الذين تخلفوا عن هذا الاجتماع التمهيدي الذي تم، ووجهت الدعوة لعقد مؤتمر للأقليات الإسلامية في شرق أوروبا يعتبر هو الأول منذ أكثر من 250 عامًا أي منذ أواخر أيام الدولة العثمانية، وكان ذلك في الفترة من 30 يونيو إلى 3 يوليو عام 1989 بالمركز الإسلامي بفيينا، وقد تبنى هذا المؤتمر مكتب الندوة العالمية للشباب الإسلامي في النمسا وشارك فيه كل ممثلي الأقليات الإسلامية في شرق أوروبا وكذلك بعض الضيوف من العالم الإسلامي من المهتمين بقضايا العمل الإسلامي في تلك البقاع على وجه الخصوص، وقد نجح هذا المؤتمر وتكونت لجنة تمهيدية أوكل لشخصي الضعيف أمرها لتمارس دورها في تأسيس هيكل تلك الرابطة ووضع دستورها الأساسي، وفي فبراير 1990 اجتمعت هذه اللجنة لمناقشة الإنجازات في الفترة السابقة والتي تركزت أساسًا في العون الذي قدم للاجئين البلغار في النمسا وتركيا ومعسكر اللاجئين بفيينا، والدعم الذي قدم لمن تم ترحيلهم إجباريًا في الفترة الأخيرة من مايو إلى نوفمبر 1989 من بلغاريا، كما طرح الأخ المسؤول ورقة عمل لتحديد مشاريع العمل الإسلامي في أوروبا الشرقية في الفترة القادمة وإبراز مشاكل المسلمين في تراقيا الغربية، وكوسوفو، كما تم مناقشة مشروع الدستور المقترح وأجري عليه الكثير من التعديلات. وقد انبثقت عن اللجنة مجموعات عمل قامت برصد أوضاع المسلمين في كل من بولندا وبلغاريا ورومانيا والمجر وتشيكوسلوفاكيا وما طرأ عليهم في ظل الظروف الأخيرة. ومن المفترض أن يعقد المؤتمر الثاني للأقليات الإسلامية في الشتاء القادم بإذن الله.

    الكنيسة بعد الأحداث تنشئ الأحزاب

    المجتمع: يترامي إلى الأسماع الدور النشط الذي لعبته وتلعبه الكنيسة في أوروبا الشرقية سواء مع أحداث التغيير أو الآن، فكيف ترون تفاصيل هذا الدور؟

    د. الفاتح: في حقيقة الأمر لم يكن للكنيسة وقبل الأحداث أو أثنائها دور بارز إلا في بولندا فقط، أما بعد الأحداث فقد استغلت الكنيسة الفرصة المتاحة لها تمامًا في كل أوروبا الشرقية، وقد لعبت دورها جيدًا في بولندا قبل الأحداث وأثنائها لعدة أسباب منها أن البابا بولندي، كما أن الكنيسة في بولندا قوية جدًا، كما قام الغرب بدعم نقابة التضامن بجانب دعمه للكنيسة البولندية. أما بعد الأحداث فإن الكنيسة تمارس دورها بنشاط كبير في كل أوروبا الشرقية فمن الناحية الثقافية مثلًا قامت بطباعة النشرات والكتيبات والصور، وغزت بهم مجتمعات أوروبا الشرقية التي يفترض أنها تاريخيًا مجتمعات مسيحية، كما قامت بإرسال مساعدات مادية وعينية ومواد تموينية وأموال نقدية إلى معظم الكنائس هناك لتقوم بتوزيعها على الفقراء، وللأسف أنها قد أرسلت تلك المساعدات حتى للمساجد وقامت بتوزيعها على المسلمين الذين أخبروا أن هذه المساعدات من مجمع لكنائس في ألمانيا الغربية مثلًا أو فرنسا أو غيرها، أما من الناحية السياسية وهي الأهم، نشطت الكنيسة في تكوين أحزاب سياسية في جميع دول أوروبا الشرقية تحت أسماء مختلفة مثل الحزب الديمقراطي المسيحي، الحزب الكاثوليكي الديمقراطي، حزب الفلاحين المسيحي، الحزب المسيحي الاشتراكي، المهم نشطت الكنيسة في دعم هذه الأحزاب وتكوينها، وهو أمر ليس بالعسير، فإن تكون حزبًا أو حتى «شراءه» لا يحتاج لأكثر من عشرة آلاف دولار هذا من الناحية السياسية، أما من الناحية الاجتماعية فقد نشطت الكنيسة في إرسال فرق غنائية وتمثيلية وغيرها وكلها أتت من أوروبا الغربية، وقد رأيت شخصيًا فرقة إنجليزية تسمى «أولاد المسيح» في بوخارست وقد كان عليها الإقبال كبيرًا جدًا.

    الكنيسة تستغل كل الظروف

    المجتمع: عفوًا، ولكن هل تصنفون هذه الأمور تحت أنشطة الكنيسة أم أنها أعمال تجارية فنية بحتة تتم عبر ما يسمى متعهدي الحفلات أو ما شابه؟

    د. الفاتح: لا أبدًا هذه الأنشطة كنسية بحتة، الكنيسة هي التي صرفت عليها أو أرسلتها لأوروبا الشرقية، هذا بالإضافة إلى التمثيليات والرقصات والأفلام والتي تعرض في التلفزيون وتربط بين المسيحية والتقاليد الغربية، بل إنها كانت تداعب أحيانًا غرائز الشباب لاستهوائهم وجذبهم إليها. شيء آخر فعلته الكنيسة، فقد أرسلت مبشرين من مختلف الجنسيات، يعني من أمريكا وفرنسا وألمانيا، يجيدون ويتحدثون اللغات الأم، وهم في الغالب من الذين هاجروا من ديار أوروبا الشرقية لهذه البلاد سابقًا، وتم تأهيلهم واليوم يؤدون دورهم في الدعوة إلى المسيحية وقد مدهم بالكتب والرسائل والأفلام والأموال وبكل التسهيلات اللازمة وهم عندهم استعداد لصرف أموال ضخمة في هذا المجال.

    إبادة مليون مسلم في بلغاريا قبل التغيير

    المجتمع: بحكم متابعتكم الدائمة لأحوال المسلمين في أوروبا الشرقية منذ فترة طويلة نسألكم كيف كانت أحوال إخواننا هناك قبل أحداث التغيير الأخيرة ثم كيف هي بعدها؟

    د. الفاتح: كان للمسلمين دائمًا النصيب الأكبر من اضطهاد وتعنت وحلف الأحزاب الشيوعية الحاكمة في تلك البلاد، والحديث عن هذه الأحوال يحتاج إلى مجلدات، لكن على سبيل المثال نقول إن في بلغاريا مثلًا قبل التغييرات الأخيرة تمت إبادة مليون مسلم وبلغرة حوالي ثلاثة ملايين ونصف من المسلمين عامة بقومياتهم المختلفة سواء كانوا من الأتراك، أو بوماك، أو نشر، أو غيرهم أجبروهم على تغيير أسمائهم الإسلامية، هدموا مساجدهم، نبشوا قبورهم، نكلوا بهم بطريقة لم يحدث لها مثيل في التاريخ عامة.

    أما في يوغسلافيا فبالرغم من الحرية النسبية التي كانت ممنوحة هناك إلا أنه بطش بالمسلمين بطشًا شديدًا خاصة في إقليم كوسوفو حيث كان يقع عليهم قسط كبير من الاضطهاد أكثر من إخوانهم في البوسنة والهرسك، وهناك في «سرابيقو» قضية المثقفين المسلمين الشهيرة والتي تم بموجبها اعتقال اثني عشر مسلمًا من مهندسين وأطباء وأساتذة، وقد شغلت هذه القضية الرأي العام العالمي في كل مكان، وقد دفع هذا الاضطهاد والعنت "العرب" الحاكمين ليخرج ويتساءل صراحة لماذا لا تقع أعمال البطش والإرهاب إلا على المسلمين فقط. أما في رومانيا فقد كانت درجة القمع الشيوعي أخف من بلدان أوروبا الشرقية الأخرى لكنها اتخذت شكلًا آخر ففي بلغاريا كانت المساجد تهدم عمدًا أما في رومانيا فإنها تركت لعوامل الزمن، وأي مسجد يهدم لا يسمح ببناء مسجد آخر مكانه. وكان المسلمون تحت رقابة شديدة من أجهزة الأمن حتى أنك كزائر لا تستطيع أن تتحدث مع مسلم إلا وأن يأتي واحد من أجهزة الأمن لمراقبة أو تسجيل ما يدور من حديث بينكما.

    وهناك في رومانيا أيضًا أغلقت المدرسة الوحيدة لتخريج العلماء والوعاظ عام 1969 بعد أن خفضت سنوات الدراسة بها من ثماني سنوات إلى أربع سنوات عام 1960، وهذا يعني أنه منذ عام 1966 لم يتخرج بين مسلمي رومانيا واعظ أو خطيب جديد، ومن ثم فإن المساجد هناك والتي عددها 94 مسجدًا لا يوجد لها إلا 38 إمامًا، واضطر المسلمون هناك أن يسدوا الفراغ ببعض أنصاف المتعلمين وإن ظل بعضها فارغًا من الأئمة.

    أكرر أن في رومانيا لم يحدث البطش الذي حدث في يوغسلافيا وبلغاريا لكن بصورة أخرى أهمل العمل الإسلامي وضيق على المسلمين حتى تدهورت أحوالهم في معظم البلدان الرومانية.

    اليهود هم أول المستفيدين من التغيير

    أما بعد الأحداث الأخيرة وهبوب رياح التغيير وسقوط الأنظمة الشيوعية الحاكمة تغيرت ظروف وأحوال المسلمين هناك، وإن كان اليهود بالدرجة الأولى الذين استفادوا بهذه الأحداث ثم الكنيسة ثم أخيرًا الأقليات المتواجدة هناك ومن بينها الأقليات المسلمة حيث استفاد المسلمون هناك بجو الحريات الجديد ففي البوسنة مثلًا بيوغسلافيا تم يوم السبت 26 مايو تكوين حزب إسلامي وإن كان قد سمي بـ «الهيئة الديمقراطية» لأنه منع من استخدام اسم الحزب الإسلامي وهناك قضية في المحكمة لم يبت في أمرها بعد لكن على كل حال يعتبر هذا الحزب هو أول حزب إسلامي يقام في أوروبا الشرقية، أما في تشيكوسلوفاكيا فلم يعترف حتى الآن بالدين الإسلامي، رغم أنه تم الاعتراف حتى بالبوذية والكونفوشية، لكن لم يعترف بالإسلام. وما زال اليهود هناك يلعبون دورًا كبيرًا في ترسيخ معنى أن القتل والإرهاب والابتزاز هي من معاني الإسلام. وبالرغم من ذلك نجح المسلمون في نشر إعلانات في كبريات الصحف تعلن عن وجود تجمعات للمسلمين هناك ومسؤولين عنهم، وقد قمنا من ناحيتنا بترجمة نشرات الندوة الإسلامية العالمية إلى اللغة الأم هناك وقطعنا في ذلك شوطًا كبيرًا كما نسعى الآن لترجمة معاني القرآن الكريم، كما نسعى لتأمين بعض الشقق في بلغراد ومدينتين أخريين لتكون بمثابة مراكز إسلامية يستطيع المسلمون أن يمارسوا من خلالها أنشطتهم، كما نسعى لشراء قطعة أرض في عاصمة سلوفاكيا لأن عدد المسلمين هناك كبير كما أن السلطات هناك متجاوبة أكثر من مثيلتها في بلغراد.

    مسلمو بلغاريا يحتاجون إلى الدعم والمساندة

    أما في بلغاريا فقد تم الاعتراف بأن للمسلمين هناك الحق في استرداد أسمائهم الإسلامية إلا أن مجموعة من البلغار ثارت على هذا القرار فلجأت الحكومة هناك إلى وضع بعض العراقيل في تطبيق هذا القرار، وأخيرًا اقترحت الجهات الرسمية أن يضيف المسلم اسمه الأصلي الإسلامي إلى الاسم المسيحي الذي أجبر من قبل على اختياره وهذا بالطبع فيه نوع من التلاعب، وعلى كل حال فقد خف الضغط الواقع على المسلمين هناك بعد أن كانوا من قبل يقتلون ويذبحون ويحرقون، واليوم هم آمنون، لهم الحق في الاشتراك في الانتخابات إلا أن قضية استرداد هويتهم الإسلامية لم تحسم بصورة نهائية.

    في رومانيا شعر المسلمون بشيء من الحرية واستطاعوا الحصول على جوازات سفر والتي كانت ممنوعة عليهم وتحركوا لترميم المساجد القديمة والتخطيط لبناء مساجد جديدة والاستعداد لتشييد المدرسة التي أقفلت منذ زمن، واسترداد الأرض التي كانت تابعة لها كي يتجه تفكيرهم الآن إلى تعليم أطفالهم في المساجد.

    أما بالنسبة لبولندا، فقد كان للمسلمين منذ أيام الحكم الشيوعي بعض الحقوق، فقد سعى الحزب الشيوعي إلى الموازنة بين نفوذ الكنيسة بمنح بعض الحريات للمسلمين ولكن بعد التغييرات الأخيرة، قامت الحكومة بطبع معاني القرآن الكريم وترجمته، وقد قام بذلك أحد المستشرقين من غير المسلمين، وقد طبعت الحكومة خمسين ألف نسخة توزعت بالكامل فأعادت طباعته حتى وصل إلى 300 ألف نسخة بيعت بالكامل وغير متواجدة الآن بالأسواق، وقد سمح للمسلمين هناك أيضًا الآن ببناء مساجد، وفي أول يونيو سيفتح بإذن الله مسجد مدينة جدانسك ثم في وارسو وبعض المدن الأخرى سوف نشيد مراكز إسلامية ومدارس، ويتمتعون الآن بحرية النشر والتعبير وما إلى ذلك.

    وفي المجر تم الاعتراف بالجمعية المجرية الإسلامية ومنحت حرية العمل الإسلامي، وكذلك تم الاعتراف باتحاد الطلاب المسلمين اعترافًا رسميًا من قبل الداخلية وأعطوهم حق ممارسة النشاط الإسلامي، إلا أنه تم تسويق طبعة لمعاني القرآن الكريم قام بترجمتها يهودي اسمه روبرت شيمون، وبالطبع هناك الكثير من التحريفات، على أية حال فقد سمح للمسلمين هناك بالكتابة والطباعة، وقد قمنا بترجمة نشرات الندوة العالمية للشباب الإسلامي إلى اللغة المجرية، وطبعنا بعضها وننوي الاستمرار في طباعة باقي الأجزاء وتوزيعها، كما نحاول الآن إرسال بعض شرائط الفيديو الإسلامية وتلك التي تعلم الوضوء والصلاة.

    المجتمع: ذكرتم في معرض حديثكم أن اليهود كانوا هم المستفيدون بالدرجة الأولى من أحداث التغيير في أوروبا الشرقية، فهل لكم أن تشرحوا لنا وجهة نظركم؟

    د. الفاتح: نعم وسأكتفي ببعض الأمثلة للتدليل على وجهة نظري، ففي تشيكوسلوفاكيا مثلًا قام الغرب «بتلميع» هافل رئيس الجمهورية وهو من أصل يهودي، في بداية الأمر هافل هذا كان يتحدث عن حقوق الإنسان والمساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبعد زيارة رئيس المؤتمر اليهودي العالمي غير تمامًا من لهجته، ثم دعا شمعون بيريز لزيارة بلاده.

    وقال بالحرف الواحد وهو في استقباله إن براغ هي أم لإسرائيل، وقام فيما بعد بزيارة إسرائيل وصار يدعو علنًا لليهودية ولإسرائيل، ولك أن تعلم أن الشركات الأجنبية التي قدمت عروضها إلى تشيكوسلوفاكيا للاستثمار بلغت حوالي ألف شركة، من بين هذه الألف مائة شركة فقط جادة في العمل الاستثماري، كان من بين هؤلاء المائة، ثمانون شركة يهودية. وأحب أن أذكر أيضًا أننا كنا قد بدأنا الاتصال ببعض الأحزاب هناك ومنهم الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وطلبنا منهم أن يقوموا بطباعة بعض النشرات والكتب الإسلامية وطلبوا هم منا بكل صراحة مدهم ببعض المال وبالتحديد عشرة آلاف دولار، وقد سعدنا بهذا الأمر وحاولنا أن نؤمن لهم هذا المبلغ، ولكن فشلنا في نفس الوقت الذي جاء فيه وفد من اليهود والأمريكان مثل مائة بيت من بيوت الاستثمار اليهودي، وقدموا لهذا الحزب خمسين ألف دولار، ودفعوا لجميع الأحزاب واشتروا أكبر صحيفتين في بلغراد. أما في المجر فإن رئيس الجمهورية أساسًا من اليهود وكذا وزير الخارجية، حتى أن هذا الأخير رفض استقبال السفراء العرب عندما احتجوا على ترحيل اليهود السوفيت عن طريق المجر.

    وفي بولندا مهد البابا، يتمتع اليهود بنفوذ شديد، حتى أنهم اصطدموا بالكنيسة في قضية دير الراهبات والمقام على أرض يدعي اليهود أنها إحدى معسكرات التعذيب التي تم فيها إبادة أعداد هائلة من اليهود وأن هذه الأرض يجب أن تظل متحفًا لتذكير الأجيال بهذه الجريمة، وكسب اليهود قضيتهم واضطر البابا إلى إلغاء هذا المبنى وإهدائه إلى اليهود.

    واجب المسلمين نحو مسلمي شرق أوروبا

    المجتمع: أخيرًا نسألكم عن تصوراتكم للسياسة التي يجب أن يتبعها المسلمون أفرادًا وحكومات تجاه قضايا أوروبا الشرقية وتجاه إخوانهم هناك؟

    د. الفاتح: في البداية أركز على قضية الاستثمارات العربية الإسلامية هناك، فأوروبا الشرقية أرض بكر، وهي منطقة خصبة للاستثمارات سواء التجارية أو السياحية وغيرها، وأرى أن هناك أوجهًا كثيرة للاستفادة من دول هذه المنطقة ومنها الناحية الحربية بالنسبة للصناعات الحقيقية، كما أن طائرات الميج ما زالت تنتج بشكل جيد في تشيكوسلوفاكيا. كما أرى أنه من واجبنا أن نعيد إنعاش العقل المسلم في تلك البلاد وهذا الأمر يتم بطرق عديدة منها طباعة النشرات والكتب وإعادة بناء المساجد والمدارس وتأهيل الأئمة والوعاظ وإقامة بعثات العمرة والحج وما إلى ذلك، وهذه الأمور تجتهد «الرابطة» فيها وقد وضعنا مشروعًا خصبًا نتمنى من الجهات الإسلامية أن تدعمنا فيه.

    كما يجب أن تقوم المراكز الثقافية الإسلامية بدورها في هذه الناحية، ويجب أن تقدم للمسلمين هناك البدائل التي يقرها الشرع بالنسبة لأشرطة الفيديو والتمثيليات والأفلام إلى آخره. كما أننا في حاجة إلى أفراد يقومون معنا بدورهم الدعوي في هذه البلاد، ولكن يشترط فيهم بالدرجة الأولى أن يجيدوا لغات الأم إجادة تامة لهذه البلاد.

    ومن ناحية أخرى فإن على الحكومات والمؤسسات الإسلامية أن توجه الدعوة لمسؤولي الأقليات الإسلامية في شرق أوروبا لزيارة العالم العربي والإسلامي كما يجب مساندة الأحزاب الإسلامية التي تظهر في أوروبا الشرقية، والتي بدأت في يوغسلافيا وستشهد الأيام القادمة ظهور أحزاب إسلامية في كل من بولندا وبلغاريا ورومانيا، وتوجيه الدعوة إلى القائمين على أمر هذه الأحزاب لزيارة العالم الإسلامي يدعمهم بطريقة غير مباشرة ويثبت أقدامهم ويخلق بينهم هالة من الاحترام بين مواطنيهم.

الرابط المختصر :