; حوار مع الشيطان (العدد 569) | مجلة المجتمع

العنوان حوار مع الشيطان (العدد 569)

الكاتب نبيه عبد ربه

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1982

مشاهدات 68

نشر في العدد 569

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 04-مايو-1982

كان ولا يزال بيني وبين الشيطان حوار، يتكرر كل يوم؛ بل كل ساعة من ليل ونهار. يتحول في بعض الأحيان إلى صراع مرير، ينتصر على فيه مرة، وأهزمه في أكثر المرات. لا لأني أكثر جندًا أو أقوى حيلة وكيدًا، ولكن لأنني ألتجئ إلى الله، ألوذ بحماه وأطلب منه العودة والنجاة. ولله في خلقه شؤون، فتارة يمدنا الله بعونه فنهزم الشيطان ونرد كيده إلى نحره، وتارة يتركنا الله لأنفسنا، لا لأنه تخلى عنا، ولكن حتى نبقى بحاجة إلى عونه ومغفرته سبحانه على كل حال، إن انتصرنا على الشيطان بعونه وفضله وكرمه حمدناه، وإن انتصر الشيطان علينا فأوقعنا في حبائله تبنا إليه واستغفرناه، فنجد الله على كل حال غفورًا رحيمًا.

وبعد حوار شديد حدث بيننا في أحد الأيام، أخذ هذا الخبيث يركز حملاته عليَّ، ويجلب عليَّ بخيله ورجله من شياطين الأنس والجن، حتى كاد لا يتركني إلا نادرًا، بل يشوش على كل عمل أعمله، فكنت إذا اشتد هجماته عليَّ أستعيذ بالله منه، فيبتعد عني ولكن إلى حين، ثم ما يلبث أن يعود للوسوسة والكيد من جديد. فكان مثله كمثل الذبابة الثقيلة الدم. كلما طردتها عن وجهك ابتعدت قليلًا، ثم ما تلبث أن تعود.

ولما اشتدت حملاته على، وكثرت مضايقاته لي، قلت في نفسي: إن هذه السلبية لا تجدي نفعًا مع هذا العدو اللدود؛ بل هي نوع من الانهزام أمامه إن لم تكن الهزيمة بأم عينها، فلا يجب عليَّ أن أقف منه موقف الدفاع، ولكن عليَّ أن أتحول إلى موقف الهجوم؛ لأن الهجوم خير وسيلة للدفاع، فأكيل له الصاع صاعين، وأرد عليه بدل اللكمة لكمتين، فالله تعالى يقول ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (النساء: 76)، ولكني كنت أخشى- إن فعلت ذلك- أن أنشغل بهذا الشيطان الرجيم، فيصرفني ذلك عن العمل في طرق الخير الأخرى، وبذا يكون قد انتصر علي من حيث لا أدري. ففكرت في طريقة أستطيع فيها أن أهاجمه دون أن تنطلي عليَّ خدعته، أو أقع في شباك مكره. وبعد لأي هداني الله إلى أفضل سبيل. ألا وهو مهاجمة الشيطان في عقر داره..

فالشيطان يجلس قريبًا من قلب ابن آدم، فإذا غفل قلبه عن ذكر الله كانت فرصته للوسوسة والكيد، فالقلب لا يتسع إلا لله، فإذا غفل عن ذلك حل به الشيطان لا محالة، وأخذ يوسوس لصاحبه. فعقدت عزمي على إخلاص نيتي لله تعالى، وأن لا أعمر قلبي بغير ذكره، والتفكير بآلائه وآياته، وأن لا أشغل وقتي بغير ما يرضي ربي عز وجل، فإن في ذلك مرضاة للرحمن مطردة للشيطان. وهكذا كان. ودارت بيني وبين الشيطان معركة حامية الوطيس، مسرحها هذه النفس البشرية الأمارة بالسوء، والتي فطرت على الميل إلى الخير فطرتها إلى الميل إلى الشر، معركة كان طرفاها حزب الله وحزب الشيطان، وكانت نتيجتها معروفة ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (المجادلة:22).

وبعد أن استرحت من جلبة هذه المعركة، ظهر الشيطان لي يومًا فعرفني، ولكني لم أعرفه. كنت أراه قبل هذه المعركة شابًا وسيمًا، أما اليوم فلا أرى أمامي سوى كهلًا ضعيفًا قد هزل جسمه، وبانت عظام وجهه، وبدأ كأنه يسير بخطى واسعة نحو قبره. فسألته بسخرية عن حاله، ولماذا تولى عنه شبابه؟!

فأطرق هنيهة قبل أن يجيبني، وكأنه يريد أن ينتزع الكلمات من حلقه انتزاعًا، ثم قال لي بصوت خافت فيه بعض التأتأة والحشرجة: كفى يا هذا سخرية مني، ألا يكفي ما فعلته بي؟! فقلت له: إن كنت فعلت بك شيئًا، فإنه قليل بالنسبة لما فعلت أنت بي وبأمثالي من بني آدم، والبادئ أظلم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. ولكن لماذا صار حالك إلى ما أرى؟! فصمت الشيطان قليلًا، وكأنه يريد أن يجمع قواه أو يسترد أنفاسه، ثم تابع حديثه بصوت حزين كئيب: لقد طردتني من البيت الذي كنت أسكن فيه، وقطعت عني الطعام الذي كان يقيم أودي ويغذيني.

فقلت له: أنا لا أفهم شيئًا مما تقول، فأفصح لي عن مكنون نفسك.

فقال: لقد طردتني من قلبك حين عمرته بذكر الله، ووثقت الصلة بينه وبين الله، وقطعت عني الطعام الذي يغذيني؛ حتى لم تبق لي منه ما يقيم أودي، حين أعرضت عن فعل الشر، وصرفت وقتك في عمل الخير. وهكذا لم يعد لي سلطان عليك.

وما كاد حديثنا ينتهي حتى حمل نفسه على عصا في يده، وتولى عني حتى ظننت أنه لن يعود إلي مرة أخرى.

ولكن هذا الخبيث يتميز بأنه لا ييأس من الهزيمة، ولهذا كان بعد ذلك لا يترك فرصة سانحة إلا ويحاول أن ينتقم مني. يأتيني تارة بشكل الوسواس الخناس، وتارة بشكل الناصح الأمين، وثالثة بشكل المشفق الحريص، وكلما سددت عليه مدخلًا من مداخله إلى نفسي فتح عليَّ مدخلًا آخر.

فكنت إذا وضعت رأسي على وسادتي لكي أنام، أخذ يوسوس لي، ويمطرني بوابل من الأحداث والتصورات، حدث بعضها في الماضي، ويمكن أن يحدث بعضها في المستقبل، ويضع أمامي الكثير من المشاكل، ويوهمني أن هذه الساعات الهادئة هي أفضل الأوقات لحلها. فأنساق معه هنيهة، ثم أتذكر ذلك العدو اللدود ، وأدرك أن هذه حيلة من حيله. أنه يريدني أن أقلق حتى أنام متأخرًا، ومن نام متأخرًا استيقظ متأخرًا، وبذلك يضمن فوات صلاة الصبح عليَّ، أو على الأقل يضمن فوات صلاة الصبح علي جماعة في المسجد، ولكي أفوت عليه الفرصة؛ لجأت إلى الله طالبًا منه العون واضطجعت على جانبي الأيمن، كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذت أكرر هذا الدعاء المأثور: «بسم الله، اللهم رب السماوات السبع وما أظلت، ورب الأرضين وما أقلت، ورب الشياطين وما أضلت، كن لي جارًا من شر خلقك أجمعين، على أن يفرط أحد منهم علي أو أن يطغى، عز جارك وتبارك اسمك».

والمسلم إذا نوى قبل نومه أن يؤدي صلاة الصبح حاضرًا؛ فإنه يشعر كأن شيئًا يوقظه في الوقت المحدد، أفضل ما يوصف به أنه الإلهام الإلهي، وإذا ما تكرر ذلك عدة مرات، فإن ذلك يصبح عادة لا يقوى الشيطان على تغييرها، حين تتحول العبادة إلى عادة، لا مشقة فيها ولا عنت. ومع ذلك فإن هذا الأمر لا يمر بسهولة فالشيطان يترصد للإنسان في كل أحواله، وخاصة في صلاة الصبح، التي تتميز بأنها ثقيلة على المنافقين. وهذا ما حصل لي فعلًا، فقبيل أذان الصبح شعرت كان صوتًا يوقظني للنهوض إلى الصلاة. وما أن هممت بتلبية هذا النداء، حتى سمعت صوتًا آخر يقول لي بشفقة وحنان: يا هذا، هناك متسع من الوقت لصلاة الصبح، وبإمكانك أن تنعم دقائق أخرى بدفء الفراش وراحته. وتصارعت في نفسي قوى الخير والشر، الأولى تقول لي: «قم» قبل أن يفوت عليك الوقت، والثانية تقول لي: «نم» فإنه لا زال في الوقت متسع ودفء الفراش أفضل من برودة الجو في الخارج. وهكذا عشت لحظات بين «قم» و «نم» وفي النهاية تغلبت قوى الخير في نفسي على قوى الشر. ونهضت من فراشي مسرعًا، وأنا أقول للشيطان: أغرب عني يا لئيم، فأنت لا تريد لي الراحة والدفء، فلا راحة لمؤمن إلا بلقاء الله، ولكنك تريدني أن أنام حتى تفوتني الصلاة، واشتد بيننا الجدال، ولم يقطعه إلا صوت المؤمن وهو يردد: الله أكبر.. الله أكبر. ففر الشيطان لا يلوي على شيء، وقمت ملبيًا داعي الله.

وتوجهت لتوي إلى الحمام لكي أتوضأ، ولما هممت بالوضوء انبرى لي الشيطان بثوب الناصح المشفق، وقال لي: ألم أقل لك: إن الجو بارد والماء كذلك، وإن هذا سيؤذيك في جسمك، فأشفق على نفسك، فإن الدين يسر وليس عسر، وبإمكانك أن تسخن الماء قبل أن تتوضأ فيه، فضربت بنصيحته عرض الحائط؛ لأنني أدركت أن هذا اللئيم يريد أن يضيع على الوقت في جدال لا فائدة منه؛ حتى تضيع علي الصلاة. وما أن بدأت بالوضوء حتى أمطرني بسيل من الأفكار والتصورات شغلتني عن وضوئي، وما شعرت إلا وأنا أغسل رجلي اليسرى، ثم بدأ يوسوس لي: ربما لم تغسل يديك، ربما لم تمسح رأسك. ففوت عليه الفرصة وأعدت وضوئي مرة أخرى، وكان في ذلك هزيمة له؛ إذ إنني أسبغت الوضوء وأحسنته، فقمت بجميع فرائضه وسننه على أحسن وجه، ثم أنهيت وضوئي بالدعاء المأثور، وإذا بصوت من جانبي يقول لي: «أمين».

فأصغيت لهذا الصوت لكي أميزه، لأنني لا أعتقد أن الشيطان يمكن أن يؤمن المسلم على دعاء فيه خير، ولكن تأكد لي بعد لأي أن صوت الشيطان بأم عينه، وأقبل علي بوجه باش، وقال لي بصوت خاشع: لقد والله أحسنت الوضوء وأسبغته.

فعجبت من أمره، ولكنني قلت في قرارة نفسي: إن هذه خدعة جديدة يريد أن يوقعني بها بهذا الكلام المعسول. فقلت له على الفور: إن كنت أحسنت وضوئي فهذا بيني وبين خالقي، أما أنت فماذا يعنيك من أمري؟!

فقال: أنت دائمًا تتهمني بأني لا أريد بك إلا الشر. وحتى أثبت لك عكس ذلك، فأعلم أنك قد نسيت أن تسمي الله في بداية الوضوء، ومن السنة إنك إذا نسيت التسمية في البداية أن تقول في النهاية: «بسم الله أوله وآخره». فشعرت عندها كأني أمام فقيه عالم يعرف السنن والفرائض أكثر مما أعرف، وكنت أهم أن أسأله لماذا غضب الله عليه وطرده من رحمته، ولكني أدركت أن هذا سيفتح بيننا نقاشًا طويلًا، يعيقني عن الصلاة. فتركته وذهبت مسرعًا إلى المسجد، فوجدت الإمام يسوي صفوف المصلين؛ لكي يبدأ الصلاة.

وما أن كبرت تكبيرة الإحرام، وتوجهت بقلبي إلى الله تعالى؛ حتى شعرت بارتخاء في جسمي، وكان كابوس النوم قد خيم علي، فذكرت الله وأخذت أتابع الأمام فيما يقرأ، وأحاول أن أتدبر ما أسمع، فذهب النوم عني واشتد عزمي، ولكن هذا الخبيث لم ييأس من هذه الهزيمة، فأخذ يمطرني بوابل من الأفكار والتصورات وشؤون الدنيا، بل ينشر أمامي برنامجي اليومي، وماذا يمكن أن أنجز منه، وكيف يكون ذلك، بل ويناقشني في بعض محتوياته. وانسقت معه بعض الشيء؛ حتى ظن أنه انتصر علي، ولكني تذكرت الله واستعنت به، وركزت نهني فيما يقرأ الإمام من آيات، وما زلت كذلك حتى انتهت الصلاة، فحمدت الله الذي قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ لَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (الماعون: 4-5) ولم «يقل الذين هم في صلاتهم ساهون».

فمن منا لا يسهو في صلاته، ومن منا لا يختلس الشيطان من عباداته، وطبعًا تكون هذه الاختلاسات على قدر إيمانه، وقوة صلته بالله عز وجل.

وصدق الله العظيم وهو أصدق القائلين:

﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (الشعراء:۲۲۱- ۲۲۳)

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل