العنوان حوار مع الصفوة أصحاب الدعوات أولي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أغسطس-1973
مشاهدات 13
نشر في العدد 163
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 14-أغسطس-1973
إن الواقع المرير الذي يعيشه المسلمون اليوم لا يحتاج إلى تفصيل، فكلنا
يراه ويعلمه، ولقد خاض في وصفه الكثير.. كلنا يتكلم في علله وفي أدوائه.. وكلنا
يسمع ويهز رأسه حزينًا متألمًا من هذا الواقع، ومن بين هؤلاء وأولئك، تنطلق فئات
متفرقة عادت إلى ربها -بعد أن هزتها الفجيعة- تقرأ كلامه، وتهتدي بهديه، وتأتمر
بأوامره، وتنتهي عن نواهيه، واضعة نصب أعينها هدفًا.. هو الخروج بالأمة الإسلامية
مما هي فيه، والعودة بها إلى رحاب الدين الحنيف، حتى تعود سيرتها الأولى قوية
منتصرة، تقود هذا العالم الضائع من جديد.. إلى الخير.. والحب.. والسلام.
هذه الفئات المخلصة كل منها تتخذ لها طريقًا ومنهاجًا، تعتقد فيه أنه خير
منهاج يمكن أن يوصلها إلى هدفها من أقرب طريق.. الهدف واحد والطرق مختلفة،
والإخلاص يحدو الجميع ما دام شيء من عقيدة أو نص لم يضِع، وما دامت أساسيات هذا
الدين هي الحاكمة والموجهة.
ولقد تعلمنا من خلال التجارب القاسية التي مرت، بكثير من التجمعات
الإسلامية، نتيجة للمحن الضروس التي اجتازتها، أن أسلوب تربية الأفراد ومعاملتهم،
وتكوين سلوكهم، حتى ينطبق مع ما يدعون إليه.. هذا الأسلوب هو الذي يحدد من البداية
ملامح المستقبل لجماعة إسلامية، تنساب دعوتها في رقعة من أرض المسلمين، وذلك حين
نجد أن التناقض واضح في سلوك الأفراد، الذين يتصدون لهذه الدعوة، وأنهم يسيرون في
خط مضاد لما يدعون إليه، وهم لا يشعرون.
إذن لا بد من مراجعة دائمة، ومن تقييم مستمر، ولقد صدق من قالوا: إن
المراجعة وتقييم الشيء، أصبح لا يقل أهمية عن الاستمرار في تنفيذه، بل وأصعب من
العمل والتنفيذ، ذلك أن النقد مر، والرجوع إلى الحق أشد مرارة، ولكن المؤمن الصادق
هو الذي يعرف كيف يحاسب نفسه، ويقوم اعوجاجه، ويفرح، أو على الأقل لا يستاء، حين
يجد بين إخوانه من يهدي إليه عيوبه، "المؤمن مرآة أخيه"، والمهم
الاستعداد للتنفيذ والإصلاح، قبل الاستعداد إلى التقبل.. وغير ذلك فليس بمؤمن ولا
بصادق.. إن كل شيء له ضد، وأصحاب الدعوات قاموا أساسًا لإصلاح هذا الضد، فكيف لو
يدخلون هم في عداد هذا الضد وهم لا يعلمون؟!
إن أصحاب الدعوات قاموا لمحو الشرك، وتحطيم الأصنام التي نصبت نفسها من دون
الله، فكيف لو تسلل الشرك الى نفوسهم، وبحث البعض منهم عن تمكين نفسه في نفوس من
حوله ممن أعطوه أمانة القيادة، فأصبح بديلًا وشريكًا لدعوته في قلوب الناس وهم لا
يدرون؟! إن أصحاب الدعوات وهبوا أنفسهم وكل ما يملكون في سبيل دعوتهم، فكيف لو
تعرضوا لوعد الله باختبار المؤمنين فنكصوا وذلوا سعيًا وراء الحياة وزخرفها؟!
لقد تكلمنا كثيرًا عن أعداء الإسلام، فلنتكلم قليلًا عن أنفسنا.. إن أعداء
الإسلام ما ظهروا علينا إلا -وبالتأكيد- منا، ونحن المسلمين سبب في ذلك.. فما بال
لو كان البلاء في خاصة المسلمين -وهو بالطبع في عامتهم- في أمل الأمة لليوم
والغد.. فيمن تصدروا للإسلام وتكلموا باسم الإسلام، وأصبحوا قدوة طيبة ونورًا يضيء
للناس ظلمات السبيل؟!
ولذلك فإن أمامنا أحد أمرين..
أولاهما: أن نهرب من مواجهة أنفسنا ومصارحتها حتى نصلح من أمرها، وفي هذا
الأمر هلاك؛ لأن معناه الجمود وعدم التقدم والحركة داخل حلقة مفرغة.
والثاني: أن نتقبل تقييم أنفسنا ومراجعتها وإصلاحها وجهادها حتى نسير في خط
مطرد لا اعوجاج فيه، وحتى نبدأ من حيث انتهى من قبلنا، لا أن نبدأ من حيث بدأوا،
ولا حول ولا قوة الا بالله!!
وفي عدد قادم من مجلتنا المجتمع، نتحدث عن بعض الأمور التي إذا عششت وأفرخت
في صفوف أي جماعة مؤمنة -أقصد في أفرادها والمتصدين لها- فهي الطامة الكبرى، وهو
التأخر في المسيرة، إلا إذا وفقنا الله إلى تلافيها وإصلاحها من البداية حتى نسير
على وعي وبصيرة.
وإنا إن شاء الله فاعلون.
(رَبَّنَا لَا تُزِغۡ
قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ
أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ) (سورة آل عمران: 8).