; حوار مع رئيس حزب العمل الديمقراطية في سنجق | مجلة المجتمع

العنوان حوار مع رئيس حزب العمل الديمقراطية في سنجق

الكاتب أسعد طه

تاريخ النشر الأحد 26-يناير-1992

مشاهدات 55

نشر في العدد 986

نشر في الصفحة 30

الأحد 26-يناير-1992

أزمة المسلمين في منطقة سنجق بيوغسلافيا وصلت إلى مسامع العالم عبر مشاركة زعيم المسلمين هناك (سليمان اوجلياتين) ورئيس فرع حزب العمل الديمقراطي في سنجق في مباحثات السلام في لاهاي التي ترعاها الأمم المتحدة، وهو الحزب الذي أسسه علي عزت بيجوفيتش رئيس جمهورية البوسنة والهرسك، وانتشرت فروعه في كل جمهوريات الاتحاد اليوغسلافي.

وتكتسب منطقة سنجق أهميتها من كونها تعتبر حلقة الوصل بين المسلمين البوسنة والهرسك، والمسلمين في كوسوفو وإخوانهم في ألبانيا، وقد تعرض المسلمون هناك لأشد أنواع الانتهاكات والتعذيب والاعتقال، ومازالت أزمتهم تتفاعل مع ارتفاع صوتهم بالمطالبة بالاستقلال عن جمهورية صربيا وجمهورية الجبل الأسود اللتين يرزحون تحت وطأتيهما..

سنجق وقصتها مع الإسلام، وتفاصيل أزمتها الحالية كانت مدار حديث «المجتمع» مع الدكتور سليمان اوجلياتين الذي بدأ حديثه قائلًا:

وصل الإسلام إلى سنجق في بداية القرن السابع الميلادي الأول الهجري، أي منذ بعثة الرسول -عليه الصلاة والسلام- وذلك عن طريق التجار المغاربة، وانتشر الإسلام فيها بعد ذلك بقوة، وظلل أهلها بنوره أثناء الحكم العثماني، وقد بقيت سنجق جزءًا من البوسنة والهرسك إلى أن حان عام ۱۸۷۸ الذي شهد مؤتمر برلين الشهير، وتم على إثره فصل سنجق عن البوسنة، تلك التي احتلتها المملكة النمساوية المجرية، وظلت سنجق في نظر الجميع امتدادًا للوجود العثماني، وعقب مؤتمر برلين وانسجامًا مع مخطط وضعه شخص يدعي (إيليا) لإبادة المسلمين في منطقتي الجبل الأسود وصربيا، وجعلهما مناطق صربية خالصة، حدثت مجازر جماعية في حق المسلمين هناك، أعقبتها هجرة جماعية من سنجق إلى تركيا، ونقشت هذه الأحداث من مجازر وهجرة في ذكريات ووجدان الشعب المسلم في سنجق الذي سجلها في تراثه عبر الأناشيد والأغاني التي مازال يرددها حتى الآن، وتؤرخ لهذه الفترة الرهيبة، وتعرض من تبقى من المسلمين إلى حملات للتنصير الجماعي مورست خلالها كافة أنواع الضغوط السلخ الشعب المسلم عن هويته، وفي سبيل ذلك قتل أشهر ثمانين عالمًا مسلمًا ممن رفضوا التنازل عن دينهم واستبداله بالكفر، واستمرت الأحوال هكذا بين الهجرة والقتل والتنصير، كان تتخللها محاولات مستمرة لشعبنا المسلم للاستقلال مثلما حدث في عام ١٩١٨ حين ظهرت مجموعة من عشرين مسلمًا، طالبت بحق الحكم الذاتي فتم اعتقال بعضهم في الحال وقتل آخرين، وفي عام ١٩٢٤م وبالتحديد في قرية تسمى (شها ويتشي) بمنطقة سنجق التابعة للجبل الأسود، وصلت الأمور إلى مداها؛ حيث أعلن هناك عن تعليق كل القوانين لمدة يومين، بحيث من قتل مسلمًا لا يحاكم ولا يطارد، وكانت الحصيلة ألفين من شهداء المسلمين أكثرهم من النساء والأطفال، وتعتبر هذه الحادثة البشعة هي الوحيدة التي تمت في أوروبا بصفة رسمية، وقد ذكر أحد المشاركين في هذه الجريمة في مذكرات كتبها لولده: «إنه كان يشم رائحة لحم المسلمين المحترق في بيوتهم»، وفي عام ۱۹۳٨ وقعت تركيا مع مملكة يوغسلافيا اتفاقًا لترحيل (٤٠) ألف عائلة من سنجق إلى تركيا، على أن تدفع صربيا لتركيا عن كل عائلة مهاجرة (٥٠٠) ليرة شريطة ألا يكون للمهاجر حق العودة، وتصادر الحكومة الصربية ممتلكاتهم، كما أنني أحب أن أذكر أن وثائقهم الرسمية تثبت أنهم قتلوا على مدى أربع سنوات (١٥) ألف مسلم في خلال وقبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، وبعدها حيث انتصر الشيوعيون قاموا بقتل (۱۳۰۰) مسلم في مدينة نوفى بازار وحدها.

في عام ١٩٢٤ ارتكبت ضد مسلمي سنجق مذبحة كبرى، حتى إن أحد المشاركين في المذبحة قال في مذكراته: إنه كان يشم رائحة لحم المسلمين المحترق في بيوتهم.

 إلا أنه أثناء الحرب وبالتحديد في ٢٢ نوفمبر عام ١٩٤٣ استطاع المسلمون في غمارها أن يشكلوا مجلسًا خاصًا بهم، وجيشًا من المحاربين المتطوعين استطاع تحرير السنجق وأجزاء من البوسنه والجبل الأسود؛ لأنهم كانوا محاربين أشداء، معروفين بصلابتهم العسكرية، وهو الأمر الذي دفع الشيوعيين في ۲۲ مارس عام ١٩٤٥ لأن يجتمعوا ويقرروا حل هذا المجلس، وقرروا تقسيم منطقة السنجق إلى قسمين أحدهما تابع لجمهورية صربيا، والآخر تابع لجمهورية الجبل الأسود، وبعد عام ١٩٤٥ استمرت الضغوط على المسلمين؛ حيث قام الشيوعيون بتقسيم يوغسلافيا إلى ست جمهوريات، وخمس قوميات، وتجاهلوا الاعتراف بالمسلمين لا كجمهورية ولا كقومية، وفي ذاك العام أيضًا أعيدت مرة أخرى المعاهدة التي وقعت بين يوغسلافيا وتركيا لاستكمال ترحيل المسلمين من سنجق، وعادت مرة أخرى أيضًا حملات الاعتقال والتعذيب والتهجير، كما منع المسلمون الذين أثروا البقاء من تعلم لغتهم وتاريخهم وثقافتهم أو حتى الاحتفاظ بمناهج دراسية خاصة بأولادهم في المدارس، وتضاءل عدد المساجد من (٦٢٠) مسجدًا في عام ١٩٢٧ على سبيل المثال إلى (۱۲) مسجدًا الآن، حتى مقابر المسلمين أزيلت وآثارها هدمت حتى لا يبقى هناك دليل تاريخي على وجودنا.

وفي عهدنا الحالي وفي ظل ولاية الرئيس الصربي المتطرف (سلوبودان) سنّت صربيا قوانين جديدة تمنع حق المواطنة عن المهاجرين العائدين إلى سنجق من أصلها، وكان في عام ۱۹۸۲ وحسب الوثائق الشيوعية نفسها اتخذ  قرار بمنع المسلمين من أن يسجلوا أنفسهم في السجلات المدنية، أو أن يستخرجوا وثائق رسمية لهم كهوية خاصة وجواز سفر، كما منع المسلمون من امتلاك أي عقارات أو أراض، والمادة (٦١) من القانون الصربي تنص حتى الآن على أنه إذا اختلف مسلم مع صربي في سنجق فيعاقب المسلم بثمانية عشر شهرًا سجنًا بغض النظر عن كونه مذنبًا أو مجنيًا عليه؛ أي إن عمليات السحق والإبادة وإهدار الحقوق للمسلمين في سنجق تتمتع بحماية قانونية حتى الآن في منطقة في قلب أوروبا وعلى مشهد من العالم كله.

المجتمع: وما هي مطالبكم الان بالتحديد؟

نحن الآن نعيش انهيار الاتحاد اليوغسلافي، ولن نقبل أبدًا أن نكون في حماية صربيا أو الجبل الأسود، ونطالب بأن تكون سنجق منطقة حكم ذاتي يحق لها بعد ذلك أن تختار إلى من تنضم، ولابد من عودة السلطة في سنجق إلى أيدي أصحابها المسلمين، بعد أن انتزعت منهم كل المراكز الحساسة في بلادهم، وعلى سبيل المثال فإن أكثر من (٨٠) بالمائة من شرطة سنجق من المسلمين، لكن كل قياداتها من الصرب، ورغم ذلك يتم الآن استبدال الجنود المسلمين بالجنود الصرب، ومن الغريب حرصهم على احتكار مجال طب النساء، وهم يهدفون بذلك إلى إجراء المزيد من عمليات التعقيم لنسائنا، وعلى جانب آخر فقد حرصوا على إفقارنا حتى بتنا من أفقر مناطق يوغسلافيا، وأفقر حتى من كوسوفو، ونحن نطالب بأن نتمكن من مواردنا الاقتصادية وهي غنية، وأن تقطع الحكومات الإسلامية علاقاتها الاقتصادية مع صربيا طالما هي مستمرة في عمليات إبادة المسلمين وقهرهم، وأن تتعامل مع المسلمين في يوغسلافيا مباشرة، ويكفي للاستدلال على نيتهم في إبادتنا ما قاله زعيم حزب التجديد الصربي في 9/9/90: «أما أنتم أيها المسلمون في سنجق فسوف نمهد لكم الطريق للرحيل إلى مكة، والمدينة، وإيران، وتركيا، ولا يمكن لكم أن تعيشوا هنا، فهي ليست أرضًا إسلامية»!

إننا نأمل حال استقلالنا أن تساهم معنا رؤوس الأموال الإسلامية في دعم اقتصادنا، ونحن نملك أرضًا خصبة ومرعى جيدًا، وهناك مشروعات ناجحة في مجال المنتجات الحيوانية الحلال لتصديرها إلى العالم الإسلامي، كما أننا نعاني من البطالة، ولدينا الأيدي العاملة رخيصة، خاصة بعد أن أغلقت صربيا مصانعنا، وفصل عمالنا، لقد طالبت في مؤتمرات لاهاي بحق المسلمين في البقاء في سنجق، كما يطالب الصرب ببقائهم في أماكنهم بكرواتيا، لكن صربيا تدعي أننا أصوليون متطرفون، وتحرض أوروبا ضدنا، ولذلك لم تقدم لنا أوروبا شيئًا رغم أنا قدمنا كل الوثائق التي تثبت حقنا في أراضينا وانتهاكات الصرب لحقوق الإنسان في سنجق، ورغم ذلك لم نجد حتى الآن أي رد فعل إيجابي من أوروبا.

المجتمع: وما هي خطواتكم القادمة؟ 

إعلان الاستقلال، وتشكيل حكومة تمثل كل المواطنين من أبناء سنجق، ونحن نتعرض يوميًا لاستفزازات الصرب لنا بكل الوسائل؛ ليجدوا فرصة لضربنا بواسطة الجيش، ونحن ليس لدينا أي ضمانات سوى الله -عز وجل- ثم شعبنا الذي لا يريد أن يبقى بعد اليوم عبدًا لأحد، وهو أمام خيارين: إما الشهادة، وإما النصر، وهذه هي اللحظة المناسبة لإعلان حكومة في السنجق، فقد تعرضنا لعمليات الإبادة على مدى أعوام طوال، ولسنا مستعدين لتقديم ضحايا جدد.

المجتمع: وهل تعتبرون أنفسكم بذلك تواجهون حربًا دينية أم قومية؟

أود أن أذكر بداية أن أكثر ما يفزع صربيا في اجتماعاتنا هو هتاف «الله أكبر»، إلا أننا نعتبر حزبنا هو حصيلة ارتباط المبدئين معًا القومي والديني، وعندما ولد حزبنا هنا التهب في نفوس المسلمين حسهم الديني، أما صربيا فإنها تعتبر نفسها تخوض حربًا صليبية؛ لأنها تدعي أنها تحمي أوروبا من خطر الإسلام.

الرابط المختصر :