العنوان حول التاريخ الاسلامي
الكاتب محمد سليمان العبدة
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مارس-1977
مشاهدات 86
نشر في العدد 339
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 01-مارس-1977
- الرشيد لم يراسل شارلمان ولم يسلمه مفاتيح بيت المقدس
- الباعث على وضع قصص المجون هو إشاعة الفاحشة ...
عندما نقيم حدثًا ما أو دولة ،أو عصرًا من العصور ، من الواجب علينا أن نتحرى الحق ما أمكننا ذلك ونعترف لكل ذي فضل بفضله، وقد أدبنا الله سبحانه بهذا الأدب في القرآن الكريم عندما يستثني من التعميم حتى لا يمط حق أحد مثل قوله سبحانه: «... ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ» .
وعندما نتكلم مثلًا عن دولة بني العباس أو بني أمية يجب ألا ننسى قول الرسول صلى الله عليه وسلم ... « ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها . » (۱) والملك العاض هو الذي لا يتوصل إليه إلا بنوع من الظلم ، فهناك ظلم ولكن أن ننسف هذا العصر أو هذه الدولة بجرة قلم فهذا ظلم أيضًا . وإذا كانت الدولة الراشدية قدوة للدول التي بعدها وتقاس بها، فكذلك أن تقاس بما بعدها لنرى فضلها أو على الأقل تذكر حسناتها ولا تعمم الأحكام عليها ، والصورة التي أخذت عن العصر العباسي هي من كتاب الأغاني وهو كتاب عنوانه يدل عليه. بينما يقول صاحب الفخري عن المنصور. « كان المنصور من عظماء الملوك وحزمائهم وعقلائهم وعلمائهم و قورا شديد الوقار لم يكن يرى في داره لهو ولعب أو ما يشبه اللهو اللعب». وهو الذي يروي الطبري عنه في تاريخه أنـــــــه أرسل لعاملة في حضرموت هذه الرسالة عندما علم أنه يكثر من الخروج للصيد قال: « ثكلتك أمك وعدمتك عشيرتك ما هذه العدة التي أعددتها للنكاية في الوحش إنّا إنما استكفيناك أمور المسلمين ولم نستكفك أمور الوحش ، سلم ما كنت تلي من عملنا فلان والحق بأهلك ملومًا مدحورًا ».
هذا هو جد الرشيد الذي هو المقصود بهذا المقال وأما والده المهدي يقول ابن طبابا عنه كان شهمًا كريمًا شديدًا على أهل الإلحاد والزند وحسب القاعدة المعروفة عند خلدون وهي أن الدول أول أمرها أقرب إلى الخشونة والسذاجة .
الرشيد كان قريب العهد بوالده و المنصور . وإن لم يكن مثلهما.
السبب في وضع قصص المجون ما ذكره ابن خلدون يقول: يبعث على وضعها والحديث به الانهماك في اللذات المحرمة ويتعللون بالتأسي بالقوم ( هؤلاء الملوك) فيما يأتونه من طاعة لذاتهم فلذلك تراهم يلهجون بأشباه هذه الأخبار وينقرون عنها، ولو ائتسوا بهم في غير هذا من أحوالهم وصفات الكمال اللائقة بهم لكان خيرا لهم لو كانوا يعلمون.
قصة الرشيد مع شارلمان
والعجيب أن هناك خبرا تذكره كتب التاريخ الحديثة، وكأنه أمر مسلم به ولا تذكر المصدر ولا تحاول التشكيك فيه ، مع أن هذا الخبر غير موجود في المصادر الإسلامية هذا الخبر هو مراسلة الرشيد لشارلمان وهداياه له وإعطاءه مفاتيح بيت المقدس. وكنت دائمًا أبحث عن مصدر لهذا الخبر في كتب التاريخ الإسلامي فلا أجده وكنت أشك في صدق هذا الخبر، وقد اطلعت أخيرًا على كتاب حول الدولة العباسية للدكتور يوسف العش أستاذ التاريخ الإسلامي في كلية الشريعة في جامعة دمشق سابقًا قال تحت عنوان: علاقته مع الفرنجة:
تقول لنا المصادر الغربية إن الرشيد كان له موقف آخر مع ملك الفرنجة شارلمان حسبما يدعي مؤلفان أولهما «انهارد» في كتاب له يقول فيه: «إن هارون استقبل سفراء من شارلمان أتوه بهدايا فأجاب عنها بأن أرسل سفراءه بهدايا أيضًا ومن جملتها ساعة مائية دقاقة أعجب بها الفرنجة بل طرأت عليهم الدهشة منها»، يعلمنا المصدر الآخر وهو القسيس (سانکال): «إن بطريرك المقدس تلقى سفراء من شارلمان بهداياهم فأرسل هو بدوره هدايا ومعها مفاتيح بيت المقدس ومفتاح كنيسة القيامة إلى شارلمان وذلك سنة ٨٠٠ م» ثم يعلق الدكتور العش فيقول: هذان الخبران يأتياننا من المصادر الأجنبية القديمة ولكن المصادر العربية لا تذكر عنهما شيئا، وتعلق التواريخ الأجنبية الفرنسية على هذين الخبرين تعليقات شتى فتنسب إلى الرشيد رغبته في أن يضع أمام الخليفة الأموي الأندلسي عدوًا حليفًا لبني العباس، وتنسب إلى الحكم العباسي أيضًا الرضاء بأن يكون الإشراف على بيت المقدس لفرنسه ولملك الفرنجة.
لكنا إذا نظرنا إلى هذين الخبرين وجدناهما ضعيفين فصاحباهما أولًا غير موثقين، يخلطان في مسائل التاريخ لا سيما القسيس (سانكال) ثم ينقل الأستاذ العش كلامًا لبروكلمان قال فيه : (إن الخبر الأول لا يعدو أن يكون خبرًا عن التجار اليهود الذين كانوا يحملون الهدايا إلى بلاط الخليفة، ولئن كانت هدايا ذهبت إلى شارلمان فهي أيضا على أيدي تجار عاديين» أ. هـ. كلام بروكلمان. ويضيف الأستاذ العش معلقًا على خبر مفاتيح بيت المقدس: أما خبر مفاتيح بيت المقدس وكنيسة القيامة فالظاهر فيه الوضع ولا يعقل بحال من الأحوال أن يعطي الرشيد وهو الخليفة الدّيّن التقي مفاتيح بلدة مقدسة إلى رجل غير مسلم ويسمح له بحماية الأماكن المقدسة » (۲). ونحن نقول بدورنا: إننا لا نوثق مسلمًا إلا إذا كان صادقًا عدلًا فكيف نوثق نصرانيًا في حادثة لم يذكرها المؤرخون المسلمون؟
( 1 ) - الحديث الخامس من سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني ص ٠٨
( ۲ ) - ص ۷۰ - ۷۱ من كتاب تاريخ عصر الخلافة العباسية .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل