; حول بدايات الفعل الحضاري الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان حول بدايات الفعل الحضاري الإسلامي

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006

مشاهدات 70

نشر في العدد 1733

نشر في الصفحة 66

السبت 30-ديسمبر-2006

لعل هناك من يتساءل عن الأسباب التي جعلت بدايات الفعل الحضاري الإسلامي تتأخر لعدة عقود، الأمر الذي دفع القيادة الراشدة إلى استعارة بعض المفردات الإدارية والفنية من الفرس والروم، بل حتى قبول اللغات السائدة في البيئات المفتوحة في العديد من تلك الأنشطة.

إذ لم يتم الانتقال إلى مرحلة تجاوز النقل المباشر والاعتماد على الآخر، وتشكيل الخصوصيات الحضارية إلا في منتصف العصر الأموي حيث تمت عملية التعريب المعروفة في سياقي الإدارة والمال.

وحيث تشكلت النويات الأولى للأنشطة المعرفية الإنسانية في مجال اللغة والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون وبعض حلقات العلوم الصرفة، فضلًا عن علوم القرآن والحديث والفقه.

ولكن ليس من السهولة بمكان التسليم بمقولة كهذه صحيح أن بدايات الفعل الحضاري بمفهومه التنفيذي قد تأخرت بعض الشيء، ربما بسبب وجود أولويات جعلت اهتمام أجيال المسلمين الأولى، وبناء الدولة منذ بدايات العصر المدني، وإقامة الوحدة في أخريات هذا العصر، والدفاع عنها ضد تحديات الردة في بدايات العصر الراشدي، ثم الفتوحات الإسلامية عبر هذا العصر الذي اخترقته الفتنة، أو الحرب الأهلية، لعدة سنوات، ثم ما لبثت الأمة أن استأنفت الحركة في أعقاب عام الجماعة (٤١ هـ) وقيام الدولة الأموية. 

لكن هذه الممارسات -إذا أردنا أن نوسع المنظور- هي في أساسها ممارسات حضارية تجيء امتدادًا طبيعيًا للتأسيسات التي وضعها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فمن ذا الذي يستطيع القول إن ممارسة الدعوة إلى الإسلام في مواجهة الجاهلية، وإقامة دولة الإسلام في مواجهة القبيلة، وتوحيد جزيرة العرب في مواجهة التجزؤ، وبدء حركة الفتح الإسلامي في مواجهة السلطات الجائرة والقسر الديني، لم تكن في أساسها عملًا حضاريًا؟ 

لقد تم بناء الإنسان المتحضر بالدعوة، وبناء المؤسسة الحضارية بالدولة، وإعادة بناء العالم بالفتح والانتشار.

بل إننا نجد في التعامل حتى مع ظاهرتي السلب: الردة والفتنة بعدًا حضاريًا، فلقد كانت الأولى تحديًا مناسبًا ذا دوافع بدوية رجعية تجزؤية، انتهت بانتصار الوحدة أو مفهوم الأمة، وهو مفهوم حضاري، أما الفتنة فقد كانت دوافعها هي الأخرى بدوية تفكيكية انتهت بانتصار المركزية، أو الدولة، أو الإدارة الواحدة، وهي أمور ذات بعد حضاري. 

إذن فإن مرحلة التعليق الزمني لم تكن توقفًا حضاريًا بالمعنى الدقيق، إذ كان الفعل الحضاري يتشكل بالإيجاب والسلب معًا.. في اختيار العمل ابتداءً، أم في الرد على التحديات، بل إننا نجد في السياقات الإيجابية نفسها: الدعوة، الدولة، الانتشار.. تحديًا من نوع ما، اقتضى ردًا أو استجابة كانت تنطوي على تدمير القيم السيئة العتيقة وإنشاء بدائل مناسبة، فالدعوة ألغت الوثنية، والدولة ألغت القبلية أو أضعفتها، والفتح ألغى التسلط العقدي والسياسي والاجتماعي على مقدرات الإنسان في العالم، ومنح بعدًا كونيًا للمسعى البشري، وبعدًا إنسانيًا للعلاقات الدولية. 

إن الحضارة كل لا يتجزأ، فإذا حدث وأن تأخر بعض حلقاتها عن التنفيذ، فمعنى هذا أن هناك أولويات أو ضرورات اقتضت تقديم مطالب أخرى عليها بانتظار اليوم الذي سيتيح لها فرصة التحقق، وهذا هو الذي حدث منذ منتصف العصر الأموي وطيلة العصور التالية، حيث ما لبثت حضارة الإسلام أن استكملت مقوماتها في القرنين الثالث والرابع الهجريين، بعد أن كانت في المراحل السابقة تبذل جهدًا استثنائيًا لاستكمال أسباب النشوء والانطلاق.

إن الضرورات آنفة الذكر، وإن كانت تبدو في ظاهرها عقدية، أو سياسية، أو حتى عسكرية صرفة، إلا أنها في بعدها الحقيقي ضرورات حضارية لأنها تعبير عن حالة فكرية تصورية، استهدفت تغيير الموقف البشري من الكون والعالم والحياة والأشياء والموجودات، أي تشكيل نسق فكري يكتسب خصوصياته من العقيدة التي شكلته، وهو في صميمه فعل حضاري أكثر أهمية من الحلقات «التنفيذية» التالية في مجالات الحياة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 38

96

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

خطيب المسجد الأقصى في الكويت

نشر في العدد 98

218

الثلاثاء 02-مايو-1972

حين يصنع الإسلام.. الحضارة

نشر في العدد 176

99

الثلاثاء 20-نوفمبر-1973

حين تنطلق الأمة من.. إسلامها