العنوان حول إسلامية المعرفة.. مرة أخرى
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 08-سبتمبر-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 2018
نشر في الصفحة 66
السبت 08-سبتمبر-2012
أسلمة المعرفة، أو التأصيل الإسلامي للمعرفة، حركة علمية ومنهجية تستهدف ردّ الأمور إلى نصابها الحق، وتعديل الوقفة الخاطئة التي مارسناها بحق أنفسنا وأجيالنا على مدى قرن ونصف القرن، بتقبل نتائج المعرفة الإنسانية الغربية على عواهنها، رغم أن المعرفة الإنسانية هي بطبيعتها احتمالية Not exact وليست منضبطة Exact ، ورغم أنها علوم مقاربة وليست علوم مطابقة، ورغم أنها تنطلق من زاوية رؤية مادية، ذرائعية، ترفض الإيمان بالغيب واليوم الآخر، فيما يتناقض ابتداء مع ثوابت هذا الدين.
فإذا كان الغربيون أنفسهم ينقلبون بين الحين والحين على مسلّماتهم في مجال المعرفة الإنسانية وبزاوية مائة وثمانين درجة أحيانًا، ويمارسون إعادة الصياغة بين لحظة وأخرى أفنكون نحن ملكيين أكثر من الملك باستسلامنا المطلق لمعطيات هذه المعرفة واعتبارها كشوفا مقدسة؟ وإذا كان الغربيون يملكون العقل المكتشف، ومنهج التعامل مع الظواهر المختلفة، أفلا نملك نحن أيضًا الأدوات نفسها التي تمكننا من التعامل مع الظواهر ذاتها من أجل الكشف عن مكنوناتها وخصائصها وسرها الدفين؟ وبما أن التأسيسات الإسلامية قرآنًا وسنة لا تبخل علينا بإمدادنا بالمعايير الأكثر علمية وانضباطًا لأنها مستمدة من علم الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والذي هو أدرى بمن خلق، أفنستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ونتقبل نتائجه التي ضيعت.
ولا تزال أجيال المسلمين على مدى مائة وخمسين عامًا ؟ والتي فعلت فعل السمّ في العقل المسلم كما يقول « ليوبولد فايس» «محمد أسد» في «الإسلام على مفترق الطرق».
هذه هي ساحة اشتغال أسلمة المعرفة، أو التأصيل الإسلامي للمعرفة، وليس كما يتوهم البعض، أو يتعمد التوهم في أنها تستهدف صياغة فيزياء إسلامية، أو جيولوجيا إسلامية.. إلى آخره، وذلك بوضع رداء إسلامي على مضامينها العلمية الصرفة، فيما لا يقول به عاقل.
والذي يقرأ كتاب «حدود العلم» لـ « سوليفان»- على سبيل المثال- سيجد كيف أن المعرفة الإنسانية الغربية لم تصل حافات اليقين؟ وكيف أن نتائجها بتعبير الرجل: « ضعيفة ومتلجلجة».
في علوم النفس والاجتماع والسياسة والإدارة والاقتصاد والتاريخ والآداب والفنون.. شهدت حركة إسلامية المعرفة تشكل مجموعات كبيرة من العلماء والأكاديميين الاختصاصين الذين أنجزوا بآليات منهج البحث العلمي، عددًا لا يحصى من المؤلفات والبحوث التي ملأت وستملأ الفراغ المطلوب، هذا إلى قيام «المعهد العالمي للفكر الإسلامي» بعقد عشرات الندوات والمؤتمرات وورش العمل و«السمينارات التي تمخضت عن مئات البحوث التخصصية، فضلًا عن إصدار ما يزيد على الثلاثمائة والخمسين كتابًا في السياق نفسه، وإقامة عشرات المراكز البحثية في عواصم البلدان الإسلامية والغربية، وإنشاء أكثر من جامعة تتبنى في مناهجها معطيات ومفاهيم التأصيل الإسلامي للمعرفة.
في ضوء ذلك كله، يمكن أن تتعرض حركة الأسلمة لنقد العلمانيين، أو المستلبين للثقافة الغربية، الذين يستهدفون «سحب يد» الإسلام عن كل ممارسة عامة سياسية أو اقتصادية أو معرفية، واعتقاله في المسجد كي يفقد القدرة كليا على إعادة صياغة الحياة في ضوء معارف الوحي التأسيسية التي يتحتم أن يقوم عليها البناء.
أما المنتمون لهذا الدين باعتباره مشروعًا استخلافيًا حضاريًا يستهدف وضع الإنسان والجماعة المسلمة في قلب الفاعلية، ويحملها مسؤولية «الشهادة» على مسيرة البشرية، بقوة المعرفة اليقينية الحقة، فإنهم واجدون أنفسهم- بالضرورة- من المؤمنين بأهداف أسلمة المعرفة التي ترفض الاستسلام لنتائج المعرفة الغربية الظنية، وتستبدلها بما هو أكثر توافقًا مع منطوق العلم اليقيني الذي جاء به هذا الدين.
وصدق الله العظيم القائل في محكم كتابه، وكأنه يصف تلك المعرفة الغربية ويدعو إلى استبدالها: ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنزَلَ اللهُ بهَا من سُلْطَان إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (النجم:۲۳)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل