العنوان حول ندوة القاهرة عن: «الدين في المجتمع العربي»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1989
مشاهدات 79
نشر في العدد 920
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 13-يونيو-1989
حول ندوة القاهرة عن - الدين في
المجتمع العربي
الحضارات المادية السائدة اليوم وعلى
رأسها الحضارة الغربية المادية تحاول بشتى الوسائل أن تحتاط لما قد تجره الصحوة
الإسلامية المتعاظمة.
«الدين في المجتمع العربي» تحت هذا الشعار عقدت
مؤخرًا ندوة في القاهرة أدعت أنها قدمت «دراسات علمية جادة» حول «الدين والسياسة،
الدين والقوى الاجتماعية، الدين والإبداع، وحالات دراسية لبعض دول الشمال
الإفريقي» إن خطورة هذه الندوات تكمن في تبنى الأنظمة السياسية لإفرازاتها تحت
مظلة الجدية والبحث العلمي.
قضية الدين في المجتمعات المعاصرة من
أهم القضايا التي يناقشها المثقفون والعلماء المتخصصون في شتى مجالات الحياة وما
يصحبها من توترات تحتاج إلى معالجات مستمرة خاصة وأن المجتمعات اليوم تمر بحالة من
التغييرات التقدمية والمفاهيمية في ظل تبدل للوقائع يساير وتيرة العصر المتسارعة.
وفي المجتمع الإسلامي يتعرض الإسلام
اليوم إلى عدة مداخلات فكرية تهدف إلى تسليط الضوء على الصحوة الإسلامية المتنامية
في محاولة مكشوفة لاختراقها وإصابتها بدخان كثيف من البلبلة خاصة في أوساط المثقفين
المحايدين الذين أصبحوا وسطًا خصبًا لتنامي الوعي الإسلامي من بعد ما طرحته
مجاهدات الحركات الإسلامية من تساؤلات مشروعة وواقعية وكنتيجة لإفرازات الإحباط
التي يعيشها هذا الوسط المحايد بعد أن تبين له هراء الأنظمة السياسية
والأيديولوجية الرابضة على جسم الأمة الإسلامية، والتي تمسك بأزمة الأمور منذ أن
نالت الدول الإسلامية استقلالها السياسي والجغرافي.
لم يشهد الدين الإسلامي فصلًا عن
السياسة إلا في ظل العصر الراهن، وحقيقة الفصل بين الدين والدولة نتاج غربي
لأطروحة قديمة هي: ما للقيصر لقيصر وما
لله لله، ولا نريد أن نخوض في موضوع
الدين عن الدولة بقدر ما نود أن نسلط الضوء على العلاقة بين الدين والسياسة في
المجتمعات الإسلامية.
العلاقة بين الدين والسياسة في ظل
المجتمعات الإسلامية تعتبر علاقة فاترة هذا إن لم تكن علاقة تضاد ومفاصلة حادة..
ومرد هذا الفتور أو المفاصلة الحادة إما لموقف ارتيابي بالحركات الإسلامية العاملة
في حقل السياسة نتيجة للتشويش الاستخباري لوكالات الغرب أو لموقف ابتدائي عقائدي
لا يؤمن بالإسلام جملة وتفصيلًا.. ولقد كان حتى بدايات الثمانينيات المواقف
متمايزة بين الدين والسياسة، ولكن بعد أن تعاظم قدر الحركات الإسلامية في الدول
العربية والانعكاسات الخطيرة أحيانًا على أمن المجتمع
واستقراره نتيجة لمحاولات الوأد والقمع
المباشر والمستتر، اضطرت كثيرًا من الأنظمة الحاكمة إلى محاولة دراسة الظاهرة
الدينية والتعامل معها بشيء من الدبلوماسية إما طمعًا في تهدئة الخواطر أو تربصًا
انتهازيًا بغية الإجهاز عليها، وكلا الموقفين أصبح لا يجوز على الوعي الإسلامي،
كما وأن الضغط القيمي الذي فرضته الحركات الإسلامية لم يتح مجالاً للأنظمة الحاكمة
للجهر بالمفاصلة الحادة إلا في أنظمة محدودة ومعروفة ولكن في ذات الوقت طور من
أساليب الأنظمة السياسية في التعامل مع البعد الديني بقصد الاحتواء والتهميش.
إن الجدلية الحالية للدين والدولة
ينبغي أن يعاد فيها النظر باستقراء شواهد التاريخ المعاصر، فمهما حاولت الدول
والأنظمة السياسية أن تحارب الدين لم يزدد إلا قوة فوق قوة وهذا دليل على أن
المستقبل لهذا الدين.
وجدير بأولياء الأمور العمل على إتاحة
الفرصة لمزيد من التنفس الديني حتى لا يرتد الدين جارحا مثخنًا بالجراح فيهيج
ويثور تنفيسًا عن جماهير واسعة تكظم غيظًا عميقًا تقديرًا لأساسيات دينية وحذرًا
من فتنة أشد قد تفتك بالأخضر واليابس وأيضًا حتى لا يشفى ذلك صدور قوم كرهوا ما
أنزل الله فأحبط أعمالهم.
إن عمليات تسطيح المعرفة التي تثيرها
تلك الندوات والحيثيات التي تطرحها تعتبر تغبيشا للوعي ومحاولات غير علمية، ذلك أن
الذين يتعاطون تلك الندوات هم من أصحاب البضاعة الإسلامية الفجة إن لم تكن الفاسدة
وفي أغلب الأحيان هي نتاج لضغط خارجي
إلا إسلامي يتمثل في محاولات الغرب
الدؤوب لسبر غور الإسلام عن طريق إقامة ورش العمل والندوات والسمنارات وما شابه
ذلك من الفعاليات التي تهتم بدراسة الإسلام ومحاولة استقراء بعض المآلات للمجتمعات
الإسلامية وأثر ذلك يحذوا متحذلقو الأمة الإسلامية وشذاذ الآفاق حذو الغرب لطعن
الوعي الإسلامي بأفكار أبناء جلدته.
إن إكساب الخطاب التحليلي طابعًا
علميًا بعيدًا عن الاستفزاز أو الإسقاط، كما أدعت الندوة على لسان أحد مدعويها لا
يكون بالتعامل «غير المقيد» بالتزامات ما قبلية كما صرحت الندوة، ذلك أن الالتزام
المنهجي والانضباط العلمي والتراثي لا بد وأن يتغير بثوابت «ما قبلية» تمثل الأساس
الذي يرتكز عليه الدين وتقام عليه العقيدة..
إن عدم التقيد بأصول الإسلام التي لا
تزول ولا تحول لا يعتبر استفزازًا مباشرًا للمنهجية الإسلامية، كما وأن الإسقاط
الأيديولوجي متوفر بشدة في ظل مداخلات تصدر عن أدعياء لا أوصياء على الدين، شاهدنا
على ذلك أن العلاقة بين الدين والسياسة يتناولها نصراني مثلما تبعث بعض الدول
بوزراء خارجيتها الصليبيين ليمثلوها في مؤتمرات منظمة الدول الإسلامية.
إن الدورات الفكرية هي مقدمات أساسية
للدورات الحضارية وكما عبر كثير من فلاسفة التاريخ الحضري بأن الحضارات هي عبارة
عن كائنات حية تولد وتنمو وتزدهر وتخبو ثم تبدأ دورة جديدة بعد بيان حضاري قد
يتطاول عهده أو يقصر وهذا هو واقع الحضارات
اليوم، فالحضارات السائدة اليوم وعلى
رأسها الحضارة الغربية المادية تحاول بشتى الوسائل أن تحتاط لما قد تجره الصحوة
الإسلامية المتعاظمة بالهجوم المباشر، والذي يتجسد في محاولات التنصير المتنامية
حتى في ديار المسلمين كما يحدث في جنوب شرقي أسيا وإفريقيا أو النشاط غير المباشر
والذي تمثله النشاطات الفكرية الاستخبارية التي تطال مدعي الفكر والعلمية وتضغط
على الأنظمة السياسية في الدول الإسلامية حتى تفاضل بينها وبين الحركات الإسلامية.
والأمثلة كثيرة منها ما حدث ابتداء
للإخوان المسلمين في مصر في الخمسينيات وما يحدث للحركات الإسلامية المعاصرة اليوم
من تنكيل وبطش، ولا أدل على ذلك أيضًا ما حدث في السودان في هذا العقد من الزمان
عندما صور رجل المخابرات الأمريكي للنميري خطر الحركة الإسلامية في السودان وأمره
بطردها والتنكيل بها ولكن دائما يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
إننا من هذا المنبر ندعو المخلصين من
الباحثين المناقشين للقضايا الدينية إلى حوار أصولي هادئ وهادف عسى الله أن يخرج
من أصلابهم من يذب عن هذا الدين وينافح عنه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل