العنوان حياة القلوب
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 05-يناير-2008
مشاهدات 53
نشر في العدد 1783
نشر في الصفحة 57
السبت 05-يناير-2008
إذا دخل الإيمان القلب أضاءه وأحياه، وعاش صاحب هذا القلب حياة حقيقة فما أكثر القلوب التي ماتت وأظلمت بسبب خلوها من الإيمان فصار أصحاب هذه القلوب - بحكم القرآن الكريم بغير قلوب قال تعالي ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37). وقد جسد رسولنا الكريم هذا المعنى العظيم عندما قال لأصحابه «إذا دخل النور القلب انفتح القلب وانشرح فقال الصحابة: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله» (حديث موضوع) فالحديث هنا يوضح علامات القلب الحي، ويؤكد أن من القلوب ما هو حي ومنها ما هو ميت.
علامات القلب الحي
بالنظر إلى ما جاء في حديث رسولنا الكريم نلاحظ علامات القلب الحي، وهي:
أولاً: انشراح الصدر، والإحساس بالطمأنينة والأمن وراحة البال.
ثانياً: التجافي عن دار الغرور.
وهذا يعني أن تكون الدنيا في أعيننا صغيرة، فلا نتلهف على تحصيلها، ولا نتحسر على فقدانها، فأغلى ما في الدنيا النفس والمال وقد أخبرنا الله تبارك وتعالى أنهما ثمن زهيد يدفع لشراء سلعة الله الغالية، وهي الجنة، قال تعالى، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ (التوبة: ١١١)
ولله در القائل.
حكم المنية في البرية جاري
ما هذه الدنيا بدار قرار
بينا يرى الإنسان فيها مخبراً
حتى يرى خبراً من الأخبار
وليست هذه دعوة لترك الدنيا، وإنما هي دعوة لأن يجعلها الإنسان في يده لا في قلبه وصدق شاعرنا البليغ الحكيم الذي أوصانا بالقناعة فيها، ومنها بما قسم الله Uلنا، إذ يقول:
هي القناعة فاحفظها تكن ملكاً
لو لم تكن لك إلا راحة البدن
وأنظر لمن ملك الدنيا بأجمعها
هل راح منها بغير القطن والكفن
ثالثاً: الإنابة إلى دار الخلود:
ويقصد بذلك المسارعة إلى أعمال البر والخير وطاعة الله Uوتجنب المعاصي، جلبا للحسنات ودرأً للسيئات بهدف الفوز بجنة عرضها السموات والأرض فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ولعل من المفيد في هذا السياق أن ألفت نظر القارئ الكريم إلى الكلمات التي استخدمها القرآن الكريم في حثنا على تحصيل الدنيا وتلك التي استخدمها عندما حثنا الله Uعلى تحصيل خير الآخرة، ثم أدعوك أخي القارئ إلى عقد مقارنة بين فعل الأمر الذي استخدمه القرآن الكريم عندما حثنا على تحصيل خير الدنيا، وبين فعل الأمر الذي استخدمه في حثنا على تحصيل خير الآخرة.
فعندما حثنا القرآن الكريم على تحصيل خير الدنيا استخدم فعل أمر فيه التأني والتريث، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة:10) فيلاحظ هنا استخدام فعل الأمر انتشروا ففي الانتشار تأن وروية.
وفي سورة الملك استخدم القرآن الكريم فعل الأمر، امشوا في قوله تعالى، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك:15).
وواضح ما يوحي به معنى فأمشوا من تأن أيضاً وروية أما عندما حثنا القرآن الكريم على تحصيل خير الآخرة فقد استخدم أفعال أمر تؤكد المسارعة والمبادرة والمسابقة، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى، ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران:133)
وفي سورة الحديد استخدم القرآن الكريم فعل الأمر ،سابقوا وذلك في قوله عز وجل ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (الحديد:21).
بيد أن واقعنا يؤكد أننا تنافسنا في الدنيا وتسابقنا، وتكاسلنا عن طلب الآخرة، فأين نحن من توجيهات القرآن الكريم؟
رابعا: الاستعداد للموت قبل نزوله:
وهذا يقتضي أن تكون حال الإنسان دائماً هي التأهب والاستعداد كراكب القطار الذي يوشك أن يصل، أو راكب الطائرة التي توشك أن تهبط فثم فرق بين المسافر اليقظ المتأهب لنزول محطته أو مطاره الذي يقصده وبين ذلك النائم الذي لم يتأهب ولم يستعد.
فآيات الله المقروءة التي تتلى علينا صباح مساء تدعونا إلى هذا التأهب وذلك الاستعداد وآيات الله المنظورة في الكون تؤكد لنا ضرورة الاستعداد والتأهب.
وآيات الله المعقولة أي التي يعقلها العاقلون العالمون المؤمنون تنطق بهذه الحقيقة وتؤكدها.
وفي وفاة الصديق عبرة
قبيل عيد الأضحى بأيام أي منذ أسبوعين طار إلي خير وفاة واحد من أعز أحبابي، هو المهندس أحمد سلطان رحمه الله عرفته مطيعاً لربه، راقي الأخلاق، مشرق الوجه یكسو وجهه نور الإيمان، كان ذا قلب رقيق قوي العاطفة، مشغولاً بهموم دينه وأمته أحسبه كذلك والله حسيبة، ولا أزكي على الله أحداً فلما سألت عن ظروف الوفاة، قيل لي لقد سافر إلى بلدته مدينة الإسكندرية ليحضر حفل زفاف شقيقته التي أحبها وكان يتمنى حضور زواجها، فسافر مع زوجته وأولاده في إجازة من العمل مدتها أسبوع، وليلة العودة إلى دولة الكويت الشقيقة التي يعمل بها، خرج هو وزوجته لشراء هدية لأخته العروس في ثالث أيام زواجها، فلما ركب سيارة الأجرة هو وزوجته إذا بروحه تصعد إلى خالقها فجأة!! كان وقع الحدث مؤلماً، ولكني لا أملك ولا يملك أحبابه إلا أن نقول جميعاً، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن وإنا لفراقك يا أحمد لمحزونون، وإنا لله وإنا إليه راجعون، داعين ربنا له ولأمواتنا جميعاً بالجنة، وأن يجمعنا الله Uبهم في مستقر رحمته وواسع نعمه، سائلين الله Uأن يحيي قلوبنا بالإيمان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل