; لعلكم.... في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان لعلكم.... في رمضان

الكاتب أكرم رضا

تاريخ النشر السبت 22-أكتوبر-2005

مشاهدات 65

نشر في العدد 1674

نشر في الصفحة 44

السبت 22-أكتوبر-2005

كانت نفحات رمضان تبدو في حديث - صديقي الحزين وهو يقول لي : أخاف أن يمر رمضان مثل كل عام، انتبهت إليه وهو يستكمل حديثه: كل عام نترك رمضان ومعنا ذخيرة طيبة وممارسات إيمانية ترفعنا إلى آفاق عالية ثم ما تلبث الأيام حتى تأكل كل ما صنعه رمضان.

في رمضان، صوم وقرآن وذكر وتراويح وتهجد وصدقات وعلم ومجاهدة، وقدرة عجيبة على السيطرة على النفس، ولكن للأسف كأنني دخلت من باب رائع الجمال لأجد خلفه مكانًا مهجورًا.

قلت له: ماذا يفعل كل المشتاقين لنفحات رمضان عند استقباله؟

قال: يضعون خطة للصلاة والقرآن والذكر والصدقات وغيرها.

قلت له : نعم .. لماذا ؟

بدت الدهشة في وجهه وهو يقول: لماذا !! أظن الإجابة معروفة، لتحصيل أكبر قدر من الحسنات ولأن الحسنات تضاعف في رمضان.

قلت له وأنا أبتسم بهدوء وسيحصلون على هذا إن شاء الله.

قال وكأنه ينهي هذه النقطة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: 30).

قلت له : نعم ولكن سيخرجون من رمضان كما قلت إلى أرض بلا بناء، بلا سقف ولا جدران، وتأتي عوامل التعرية لتزيل كل ما خزنوا في رمضان.

رأيت علامة الاستفهام ترتسم في كل خلايا وجهه فعلمت أن الوقت قد حان لكي أطرح فكرتي بوضوح.

قلت له : ما الفرق بين المهندس والمقاول؟

لم أكن أريده أن يجيب فأضفت: الفرق أن المقاول يجمع كل أدوات البناء وما يحتاجه التشييد من حديد وزلط ورمل وأسمنت وأخشاب وغيرها، ويضعها في موقع البناء، فإذا لم يتم البناء جاءت الأمطار والرياح والشمس لتفسد أكثر هذه المواد وتصبح غير قادرة على أداء مهمتها.

أما المهندس فإنه قبل أن يعطي الأمر بتخزين جميع المواد، فإنه يصنع ما هو معروف بالماكيت أو النموذج وهو صورة كاملة بأدق التفاصيل للبناء الذي يريد أن يشيده، ولذلك قالوا : «إن الفكرة تولد مرتين الأولى في عقل صاحبها والثانية على أرض الواقع»، وكلما كانت الفكرة أقرب إلى الكمال في عقل صاحبها كلما كانت ناجحة على أرض الواقع.

إن الذي يجمع في رمضان أكبر قدر ممكن من العبادات كالمقاول يجمع مواد البناء في قطعة الأرض المكشوفة ولا يبني، فتأتي عوامل التعرية من المعاصي ، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: 14).

أما المهندس فإنه يبني النموذج (الماكيت) أولًا في ذهنه وعلى الورق ويعرف تمامًا ماذا يريد في نهاية الأمر، فنجده يجمع لبنائه ما يحتاج من المواد لا ليضعها في الفراغ المكشوف بل ليضع كل عبادة في مكانها لتساهم في البناء.

قال صاحبي وهو مصر أن يتجاهل مثالي: تقصد أن الجهد العبادي المبذول في رمضان ليس هو الهدف من رمضان؟

قلت له : ليس هدفًا في حد ذاته وإنما هي وسائل نعم هي وسائل، نأخذ عليها الثواب لمجرد أدائها مع الإخلاص، إلا أنها أيضًا وسائل وأدوات يجب أن توضع لتحقيق هدف نهائي وهو كيف نخرج من رمضان برمضان؟

شعرت بتجاوب صاحبي وهو يقول بحماس: إذًا المفروض عندما نضع خطة لاستثمار رمضان أن نحدد أولاً ما هي الأهداف التي نرجوها من رمضان.

قلت بسرعة موجودة في (لعلكم).... قال في غيظ: رجعنا مرة أخرى للألغاز.

قلت له: لا يوجد أي لغز، فقط اعلم أن الأهداف الأساسية من رمضان ثابتة وذكرها الله في القرآن في آيات الصيام أبحث فيها عن ( لعلكم﴾ ستجد الأهداف.

سكت صاحبي وكأنه يسترجع الآيات وقال: ﴿لعلكم تتقون﴾، ولعلكم تشكرون ، ﴿ولعلهم يرشدون﴾.

إذا هي ثلاثة أهداف قلت له: بل أربعة ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 187).

قال صاحبي :أليست التقوى واحدة وقد ذكرت في أول الآيات؟

قلت له : لا .. هذه تقوى أخرى تختلف عن الأولى.

قال لي صاحبي أظنك ستوضح هذا الفرق.

قلت له : نعم. فقط اعلم أن (لعل) من العباد تمن وترج. وقد يقع الشيء أو لا يقع أما (لعل) من الله سبحانه وتعالى فهي تأكيد على وضوح الشيء ما استكملنا شروطه وأديناه بوسائله كما وضعها الله لنا.

لعلكم تتقون

قلت لصاحبي أريدك أن تنتبه إلى أن كل هدف يحتاج من أجل تحقيقه إلى مجموعة من الوسائل بينتها الآيات أيضاً فالتقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد للموت بعد الرحيل، كما قال الإمام علي، فما هي الوسيلة التي بينتها الآيات لتحقيق هذه التقوى؟

قال صاحبي متفهماً، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

قلت له : نعم.. الصوم.. ولكن ما هو الفرق أن يكون الصوم هدف يسعى إليه الناس في رمضان كالعادة.. وأن يكون وسيلة لتحقيق الهدف الذي بينه الله وهو التقوى؟

سكت صاحبي مستغرقاً في الانتباه فقلت له: الفرق بعيد جدًا، فالأول لن يتعدى الاهتمام بشكل الصوم حيث الامتناع عن نواقضه وإتمام موعده.. وعند آذان المغرب من كل يوم من رمضان سيشعر كل مسلم أنه قد أدى ما عليه ووفى.. وفي نهاية رمضان سيكون قد فرغ فينفض يديه من رمضان الذي كان الهدف الأساسي فيه هو أداء فريضة الصوم وقد أداها.

أما أن الصيام وسيلة لتحقيق هدف التقوى فسوف يحول صاحبه إلى المحافظة على هذه الوسيلة من التلف حتى يضعها في مكانها في البناء، يحافظ عليه أثناء الشهر وفي نهاية الشهر وبعد انتهاء الشهر، يحافظ عليها بمجموعة من دوائر الحماية المتمثلة في صوم الجوارح عن الحرام فيصوم البصر واللسان والكف والقدم، ودائرة أخرى هي صوم القلب عن غير الله، فيمتلئ بالتعلق به ذكرًا ورضى وتسليم وتوكل، فيكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

لعلكم تشكرون

سكت مراقبًا وجه صاحبي المتغير .. ثم قلت : أما الهدف الثاني فهو (الشكر).

والشكر ناتج عن الاستحضار المستمر للنعمة والافتقار إليها، وفضل المنعم عليه، فيضعه الله تعالى لنا هدفًا من أهداف رمضان ويبين أن لتحقيقه ثلاث وسائل.

الأولى: القرآن ... ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ﴾ (البقرة: ١٨٥).

وعلى هذا نجد أنه من الطبيعي أن تمتلئ كل ثنايا وتجاويف الشهر في يومه وليله بالقرآن، فتحديد أوراد للقراءة وأوراد للحفظ والمراجعة وإطالة صلاة التراويح بالقيام للقرآن، وصلاة التهجد في جوف الليل، كل هذا يصب في الوسيلة الأولى لتحقيق هدف الشكر حيث المناخ القرآني.

الثانية: التخفيف والتيسير...

وهنا يستشعر المؤمن ضعفه، وخاصة بعد مرور الأيام الأولى من الصيام، وخاصة عند مرضه، وخاصة عند سفره، فما يلتفت يمينًا أو يسارًا إلا ويجد الله عنده، يجده ودودًا، رؤوفًا ميسرًا له، لم يفرض عليه ما يضره أو يرهقه فيناديه بأحب ألقابه (يا أيها الذين آمنوا﴾ مذكرًا له بعهد الإيمان القائم على الطاعة ويتحدث إليه برفق أن الصيام كتب على الأمم من قبلكم فلستم بدعًا من الأمم ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: ٢٦)، وأنه أياما معدودات ، ونلحظ روح التحبيب والتيسير، ثم تأتي الرخص للمريض والمسافر بل والكبير السن الذي لا يطيق الصيام، ثم الحكمة من بعد ذلك كله ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: ١٨٤) عندها ألا تجد كلمة (الحمد لله) يلهج بها قلبك؟ ألا ينحدر الشكر فياضًا على لسانك؟ إنه أراد بنا التيسير رحمة منه وفضلًا. إنه علم ضعفنا فيسر لنا - ممتنًا علينا - أن استكمالنا الشهر صيامًا وقيامًا وعبادات (ولتكملوا العدة) كل ذلك كان بفضل تيسيره - سبحانه اللطيف الخبير.

والثالثة: الذكر. والمتمثل في التكبير المعبر عن الشكر ونحن تعودنا أن نحمد الله كصيغة من صيغ الشكر، إلا أن الله أهدى إلينا هنا صيغة يرضاها لشكره على نعمة الشهر والقرآن والصيام والتيسير، وهي التكبير (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم).

كل هذه الوسائل القرآن والتخفيف والتكبير (ولعلكم تشكرون)، وفرق كبير أن تؤدى هذه الأعمال لمجرد استحضار الثواب عليها فتنتهي بانتهاء الشهر، وأن تكون وسائل لتحقيق هدف أساسي تحتاجه حياتك كلها في رمضان وغير رمضان وهو الشكر، فتستمر الوسائل باستمرار الهدف ظاهر أمامك لا يخفى عن قلبك.

لعلهم يرشدون

وقبل أن أسترسل في الحديث عن الهدف الثالث قاطعني صاحبي بعد صمت طويل قائلًا وهو يبتسم: هنا أريد أن أقف وقفة، أنت كثيرًا ما تحدثنا عن المراهقة كمرحلة عمرية تنتهي بالرشد، فما علاقة الرشد بالصيام ورمضان حتى يصبح هدفًا من أهداف رمضان مثل التقوى والشكر !!

سعدت جدًا من تجاوب صاحبي وفهمه فقلت له مبتهجًا : ذلك هو الهدف الأساسي لإرسال الله الرسل والكتب أن ترشد البشرية، وسوف أستعير تطبيقك الإنساني على مراحل العمر هنا.

فالمراهقة مرحلة يستشعر فيها الإنسان أنه مسؤول يستطيع أن يفعل ما يريد بنفسه دون أن يعاونه أحد. فنجد تلك الوقعات المؤلمة بسبب عدم خبرته، وعندما يستكمل الخبرة ويعرف ما ينفعه وما يضره، ويعرف ممن يخاف ولمن يأمن. ويعرف على من يتوكل ومن يترك ويهجر، ويعرف من يحب ومن يكره، ويعرف في النهاية إلى من يلجأ ويسأل ويدعو، عندها نقول إنه قد استكمل الرشد.

وكذلك فإن من أهداف هذا الشهر أن يدرك الإنسان موقع ربه سبحانه وتعالى ويعرف قدره ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: ٦٧).

ووسائل هذه المعرفة هي كل الوسائل السابقة، وتكثيفها في هذا الشهر يؤدي إلى نوع من الطاقة الرافعة نحو الله، فتجد الأبدان مستجيبة لطاعة الله على شكل صيام وحرمان نفس وصلاة طويلة وقيام مجهد، والألسنة اللاهجة بالذكر والشكر والتكبير، والقلوب المحلقة في رغبة عظيمة نحو الله، تترجم هذه الرغبة إلى سؤال عن الله.

إنه الحب قد أضاء في القلوب، إنها الطاعة قد جلت الأنفس فصفت مراياها وانعكست عليها الأنوار القدسية، فزاد الشوق إلى الباري فسألت عنه القلوب قبل الألسن.

وهنا يطمئن الله تعالى القلوب المشتاقة إلى قربه، ويقدم لعباده عطاءً جديدًا ووسيلة فعالة لاستكمال هذا الرشد، وهي الدعاء ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة : ١٨٦).

وقد سأل الصحابة رضوان الله عليهم النبي صلى الله عليه وسلم «أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟»، فأنزل الله تعالى هذه الآية يخبرهم أنه قريب، ولذلك ينتشر الدعاء في الشهر الكريم ويستحب، ونجد الناس في لهفة شديد للوقوف مؤمنين خلف إمام يدعو بل ويصبرون على طول الوقوف رافعين الأيدي موقنين أنها لن تعود فارغة.

وباستكمال معرفة (القريب المجيب) واستخدام وسيلة الدعاء، تلين الجوارح استجابة لله وتلين القلوب إيمانًا به (لعلهم يرشدون). 

ويتحقق الرشد في أسمى معانيه أن يدرك الإنسان أن القريب هو الله وأن المجيب هو الله وأنه لا واسطة بين الله وبين خلقه.

لعلهم يتقون

ابتسم صاحبي وتنهد بعمق كأنه وصل إلى نهاية رمضان فائزًا بالتقوى والشكر والرشد، فقلت له : تبقى واحدة.. التقوى.

قال: نعم أريدك أن توضح لي الفرق بين التقوى الأولى والتقوى الأخيرة.

قلت له لا فرق أما الأولى فتقوى الله فيما بينك وبينه وهذه تجد الصيام كوسيلة لتحقيقها ناجح جدًا وأما الأخيرة فهي تقوى الله فيما بينك وبين خلقه.

ولقت قدمت لنا الآيات نموذجين لهذه التقوى: نموذج يتضح أثناء رمضان على هيئة علاقة حسنة بين الزوجين في البيوت تستمر لما بعد رمضان، ونموذج بعد رمضان في علاقاتنا المالية قد ييسر الله حديثًا حوله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 363

69

الثلاثاء 16-أغسطس-1977

نفحات رمضان

نشر في العدد 1428

64

الثلاثاء 28-نوفمبر-2000

المجتمع التربوي (عدد 1428)