العنوان حينما تعبر الشعوب عن إرادتها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
مشاهدات 52
نشر في العدد 1024
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 10-نوفمبر-1992
ما من مرة تتاح فيها الفرصة للشعوب
العربية والإسلامية لتقول كلمتها بحرية، وتعبر عن إرادتها بأمانة فيمن تختار
ليمثلها أو يحكمها، إلا واختارت الإسلام والإسلاميين، لاسيما بعد مللها من
كثير من الأنظمة التي خدعتها بشعاراتها الجوفاء وأفكارها المهترئة طوال
العقود السبعة الماضية التي أعقبت سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا، هذه
العقود التي لم تجن الشعوب الإسلامية خلالها سوى الهزائم العسكرية والنفسية ودمار
البنية الأساسية والاقتصادية، وتحويل كثير من الدول الإسلامية من غنية ودائنة إلى
فقيرة ومدينة، تبيع الدول الغربية وتشتري فيها وفي أهلها بأبخس الأثمان،
والشواهد على ذلك لا حصر لها ولا نهاية.
ويكفي أن نتأمل حال مصر قبل انقلاب
يوليو 1952 حينما كانت بريطانيا وهي الدولة العظمى مدينة لها، وحال مصر الآن
وهي مدينة لكثير من دول العالم، حتى إن كل مولود مصري يولد وفي رقبته
عدة آلاف من الدولارات نصيبه من ديون مصر، أما الجزائر التي تعتبر إحدى الدول
العربية الغنية بثروتها النفطية، وإحدى أغنى دول العالم بثروة الغاز فهي
مدينة الآن باثنين وخمسين مليار دولار، نصفها اختلاسات وسرقات من أعضاء
حكوماتها المتعاقبين خلال الثلاثين عامًا الماضية فقط، وليبيا إحدى الدول
العربية الغنية بمواردها النفطية وقلة عدد سكانها يصل الحال بها- على يد
القذافي خلال ثلاثة وعشرين عامًا- إلى أن تفلس خزينة الدولة، وتعجز عن دفع
رواتب الموظفين عدة أشهر بعدما بدد ثروة بلاده على ثوار نيكاراجوا، ومناضلي البوليساريو،
وأعضاء الجيش الجمهوري الأيرلندي، وأخيرًا يدفع عدة ملايين من الدولارات لأحد
خبراء الإيتكيت الفرنسيين ليدربه على كيفية التعامل مع الغربيين.
إن المواطن العربي لم يذق هوانًا مثل الذي يعيشه الآن، ويذوقه تحت ظل هذه الأنظمة العربية وما يشبهها؛ لذلك حينما تتاح له الفرصة ليعبر عن رأيه في أمن وأمان وحرية؛ فإنه سرعان ما يطالب بالحل الإسلامي، ولا يرضى به بديلًا بعدما ذاق هوان الاشتراكية والجماهيرية والناصرية والعلمانية وكافة أشكال التسلط والقهر الأخرى، ولكن المشكلة تظل قائمة في تلك الأنظمة نفسها؛ لأنها لا تسمح لشعوبها بأن تختار ما تريد ومن تريد، لأن اختيارها دائمًا يكون للإسلاميين، وبالتالي فهي لا تريد أن تتخلى عن كراسي القهر والاستعباد التي تحكم شعوبها من خلالها، لاسيما وأن الشعوب لا تختار سوى الإسلام والإسلاميين، وليس شاهد الجزائر منا ببعيد، وقد اكتسح الإسلاميون حينما أتيحت الحرية للشعب الجزائري بأن يعبر عن رأيه غالبية الدوائر الانتخابية، والتف الشعب حولهم مطالبًا بالحل الإسلامي، فقامت الدنيا ولم تقعد حتى وصل الحال بالجزائر إلى ما وصل إليه الآن، وزج بالإسلاميين في السجون، وعادت الجزائر إلى عهدها القديم.
وفي لبنان دخلت الجماعة الإسلامية
الانتخابات النيابية لأول مرة في عدد محدود من الدوائر، وعدد قليل من
المرشحين؛ ليروا مكانهم في بلد يعج بالملل والنحل المذهبية والدينية
والسياسية، فكانت المفاجأة أن اخترق مرشحو الجماعة الإسلامية كافة القوائم،
وحصلوا على نسب عالية من الأصوات أذهلت المراقبين، وجعلت الصحافة العالمية
تتعجب من هذه النتائج في لبنان بصفة خاصة، لكنها الحرية حينما تتاح، والرغبة
الحقيقية للشعوب حينما تعلن.
وفي الكويت حينما جرت انتخابات حرة
ونزيهة في الشهر الماضي كانت محصلتها أن اختار الشعب الكويتي ثلث أعضاء مجلس
نوابه من الإسلاميين.
لقد أصبحت القضية الكبرى التي تنادي
بها الشعوب الإسلامية الآن هي الحرية، وحرية التعبير فقط عما تريد وماذا
تريد، وهي لا تريد إلا الإسلام يحكمها، ولا تريد إلا رجالًا أمناء يقومون على شؤونها،
وبالتالي فإن الكبت والتزوير وفرض الأحزاب الحاكمة نفسها بالقوة على الشعوب
سوف يؤدي في النهاية إلى الانفجار أو إلى اضطرابات مثل التي تعيش فيها مصر،
والجزائر الآن.
أما الحرية في الاختيار فإنها تولد
أنظمة مستقرة ودولًا آمنة، فإذا كان الغرب بعلمانيته يحترم آدمية الإنسان
وحريته في الاختيار، وما نتائج الانتخابات الأمريكية في الأسبوع الماضي التي
جاءت بالديمقراطيين، وذهبت بالجمهوريين فجاءت برئيس جديد، وذهبت بآخر- إلا
أقرب مثال على ذلك، فإذا كان الغرب العلماني يفعل ذلك.. أما تستحق الشعوب
الإسلامية بدستورها الإسلامي ومنهجها الرباني ودينها القويم أن يتاح لها حرية الاختيار
التي تتاح لشعوب الغرب العلماني؟
إن هؤلاء الحكام وهذه الأنظمة
التي تفرض نفسها على شعوبها بالقوة إن لم تحترم حرية شعوبها الآن فسوف تجبر غدًا
على احترامها، وإلا فأين أتاتورك الذي أسقط الخلافة منذ ما يقرب من سبعين
عامًا ليرى حزب الرفاه الإسلامي، وقد أصبح الحزب الأول في تركيا الآن؟
إن الكبت يولد الانفجار، وإن تزوير
إرادة الشعوب يورث البغض والكراهية للأنظمة التي تحكمها، فإما أن تخلي هذه الأنظمة
بين الشعوب وبين إرادتها، وإلا فإن وعد الله قائم، ونصره قريب: ﴿كَتَبَ
اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة:21)،
﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (يوسف:21).