العنوان حين تكون الأوطان بحجم الأرجل!
الكاتب عبدالله هادي القحطاني
تاريخ النشر السبت 22-سبتمبر-2001
مشاهدات 64
نشر في العدد 1469
نشر في الصفحة 46
السبت 22-سبتمبر-2001
حين يفصل الوطن بحجم رجل الحاكم، لا صغيرًا ضيقًا يضغط على رجليه، ولا كبيرًا واسعًا، ينخلع من رجليه فيظل حافيًا..
حين يكون الوطن كذلك، فماذا يكون دور المثقف فيه؟
وماذا يكون دور الجندي فيه؟
وماذا تكون مهمة ضابط الأمن فيه؟
وماذا تكون وظيفة المدرس والقاضي والمحامي الصحفي.. والطبيب والمهندس والصيدلاني والدير والوزير.. فيه؟
وماذا تكون أهمية الإنسان.. مواطنًا وإنسانًا.. وكائنًا حيًا.. فيه؟
لن نوزع هنا وظائف وأدوارًا ومهمات على عباد الله داخل الوطن.. داخل هذا الوطن المفصل على حجم رجل السيد الحاكم، أو على حجم رجليه الاثنتين.. فما هذه المهمة من اختصاصنا، وليبحث كل عن دوره، أو مهمته.. أو وظيفته.. ليعرف قدر نفسه، وحجم نفسه، وكرامة نفسه، وأهمية نفسه.. داخل هذا الوطن!
ما نود التأكيد عليه هنا، هو ما يلي:
أ- إن الحرية هبة الله العزيزة للإنسان، وهي التي يكون بها إنسانًا، ويكون بدونها مخلوقًا آخر: شبه إنسان، أو ظل إنسان، أو شبح إنسان.
ب- إن سائر القيم المرتبطة بإنسانية الإنسان، إنما تنبع من حريته، وتدور في فلكها، وتوجد أو تنعدم على أساسها، وعلى هدى منها، بما في ذلك كرامته، وشرفه، وسائر صفاته العليا، وسائر مهماته في الحياة.
ج- إن السيطرة على الإنسان، هي حق لله وحده، لذا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾ (سورة الغاشية آية 21 - 22)، وحين يمارس إنسان ما، السيطرة على بني الإنسان، يكون قد نصب نفسه إلهًا عليهم، أو يكون قد اتخذ منهم دواب مسخرة لخدمته، لأن الدواب مسخرة لخدمة الإنسان، أما الإنسان فمخلوق لعبادة الله وحده.
د- إن قولة عمر بن الخطاب قديمًا: «متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟»، وقولة أحمد عرابي حديثًا: «إن الله قد خلقنا أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا وعقارًا»، إن هاتين القولتين، لابد أن تجدا لهما أصداءً في نفوس الأحرار، من بني تلك الأوطان التي فُصلت على أحجام أرجل بعض الحكام، فإن لم تجدا أصداءً في نفوس نفر من الناس، فهذا يعني أن الأحرار قد فقدوا، فليفعل الحكام بالأوطان وأهلها ما يريدون.
هـ- إن الهوامش المتاحة لعملاء تلك السلطات الحاكمة، والهوامش المحرمة على الأحرار والكرام، هذه الهوامش المعكوسة، هي الداء القاتل، الذي تقدمه شياطين الإنس، داخل الأوطان وخارجها، للحاكم، في أكواب اللبن والعسل، ليجد الحاكم نفسه بعد وقت قصير قد خرج، لا من قصره فحسب بل من الدنيا كلها.
و- إن الأوثان الصغيرة، التي تزين للوثن الكبير، أن يفصل الوطن على حجم رجليه وتساعده في هذا.. إنما تفعل ذلك ليتاح لكل منها، أن يفصل «إمبراطوريته» الصغيرة، الأمنية، أو الإعلامية، أو الإدارية.. على حجم رجليه هو.. حتى يصبح الوطن برمته، أزواجًا من الأحذية المتدرجة في اتساعها، الصغير منها يدخل فيما هو أكبر منه، حتى تدخل جميعًا في الحذاء الأكبر، الذي ينتعله الوثن الأكبر.
ز- إن ما قيل في هذه السطور، ليس خيالًا شعريًا، بل هو واقع بشري وإلا، فكيف يفسر ما يجري في بعض بلاد العرب والمسلمين؟!