; حَد الرجَّم.. من الحدود التي قررها الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان حَد الرجَّم.. من الحدود التي قررها الإسلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1977

مشاهدات 76

نشر في العدد 355

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 21-يونيو-1977

في الوقت الذي يطالب فيه أبناء هذا البلد المسلم باتخاذ الشريعة الإسلامية دستورًا ومنهجًا، وتنقيح الدستور السابق لكي يتوافق مع روح الإسلام ومنهجه، نجد أن البعض يستنكر ويعارض تطبيق الحدود الإسلامية ومنها الرجم، کعقوبات رادعة في قانون الجزاء الكويتي، والغريب أن المستنكرين والمعارضين هم بعض أعضاء لجان التعديل القانونية، الذين أنيطت بهم مسئولية تعديل القوانين الحالية لتعمل وفق الشريعة الإسلامية.. وقضية إنکار عقوبة «الرجم » ليست جديدة، بل هي دعوى قديمة ظهرت بظهور فرقة الخوارج.. فالخوارج هم أول من أنكر وعارض عقوبة أو حد الرجم؛ بدعوى أنها لم ترد في القرآن الكريم وإنما وردت بالسنة النبوية وهي خبر آحاد لا يرقى إلى درجة التواتر.

 ونحن بهذا الصدد لا يسعنا إلا الدفاع عن عقيدتنا الإسلامية واستنكار هذه الأقوال والادعاءات المغرضة، والتي يحاول أصحابها من ورائها تشويه تلك العقيدة الصافية المنزهة وإثارة الشبهات حولها.

وقد تناول الأستاذ توفيق علي وهبة الرد على هذه الشبهة بمقالة قصيرة وقيمة، كتبها في مجلة الدعوة «السعودية» تحت عنوان «السُّنة السُّنة.. عضّوا عليها بالنواجذ».

وإليك أخي المسلم هذا الرد.

الرجم كحد من الحدود التي قررها الإسلام:

صحيح أنه لا توجد آية في القرآن تدلنا على حد الرجم، ولكن كما هو معلوم للكافة أن السنة مكملة ومتممة ومفسرة ومبينة وموضحة للقرآن الكريم، وقد ألزمنا الله سبحانه وتعالى بالأخذ بها حيث يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا. (الحشر : ٧ ) والرسول صلى الله عليه وسلم قد بين لنا كثيرًا من الأمور التعبدية التي لم ترد في القرآن، وما زلنا نعمل بها ونسير عليها دون أن ينكرها أحد، فقد تعلمنا من السنة عدد الصلوات ومواعيدها وعدد الركعات وكيفية الوضوء ومقدار الزكاة، وغير ذلك كثير وكثير ولم ينكر أحد. ولكن الخوارج هم الفرقة الوحيدة التي أنكرت عقوبة الرجم؛ بدعوى أنها لم ترد بالقرآن ولكنها وردت بالسنة، وهي أخبار آحاد لا ترقى إلى درجة التواتر.

هذه الأفكار الخبيثة المخالفة لما أجمع عليه علماء هذه الأمة من عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى الآن.

فلقد ورد في كثير من الأحاديث النبوية الشريفة ما يؤيد الرجم كعقوبة للزاني المحصن، وحفلت الكتب الصحاح بهذه الأحاديث ولم ينكرها أحد من علماء هذه الأمة، فلا أدري سببًا لإثارة مثل هذه الآراء التي لا يقرها عقل أو منطق، ولا يؤيدها أي دليل نقلي أو عقلي. لقد أصبح من البدع الرائجة الآن التهجم على سنة خير الخلق عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وهي تجارة بائرة لا يمكن لها أن تدوم. 

وقد رد الفقهاء على منكري عقوبة الرجم بأن هذا إنكار لما ثبت بالنص والإجماع وهو أمر غاية في البطلان للأمور الآتية:

١- عقوبة الرجم من الأمور التي أجمع عليها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي من الأمور التي أجمع عليها المسلمون ما عدا الخوارج، فإنكار حجية إجماع الصحابة هو جهل مركب بالدليل.

٢- عقوبة الرجم ورد فيها النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا وعملًا، فإنكار وقوعه من الرسول عليه الصلاة والسلام اعتمادًا على أن الأحاديث الواردة في هذا الموضوع هي أخبار آحاد، هذا الإنكار باطل لعدم اعتماده على دليل، فيكون الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرًا متواتر المعنى، أما أصل الرجم فلا شك فيه.

٣- رد هذا الافتراء كثير من الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال: «خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله سبحانه وتعالى.. ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف». رواه البخارى.

وروى أبو داود عن عمر رضى الله عنه أنه قال: «إن الله تعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، ونزّل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل آية الرجم فقرأناها ووعيناها. ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا من بعده، وإني خشيت أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: لا نجد الرجم...» الحديث، وقال: لولا أن يقال إن عمر زاد في الكتاب لكتبتها على حاشية المصحف.

٤- حديث رجم النبي صلى الله عليه وسلم لماعز حديث مشهور تلقته الأمة بالقبول في الصدر الأول والزيادة على الكتاب بمثله جائزة.

٥- الأحاديث القولية الواردة في ثبوت عقوبة رجم الزاني المحصن هي أحاديث مشهورة قطعية الثبوت بالتضافر والقبول. فإنكار الرجم هو إنكار لدليل قطعي بالاتفاق، فأحاديث هذا الباب بعضها مشهور بلغ حد التواتر، لكن السبب في انحراف البعض هو بعدهم عن السنة، ومحاولة تشويه بعض الروايات الواردة بها.

ولقد أجمع جمهور الفقهاء على عقوبة الرجم، ولم يختلف في هذا كما قلنا إلا الخوارج الذين أنكروها. 

يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي:

«أما ما هو الحد للزنا بعد الإحصان بالزواج فهذا أمر لا نعرفه من القرآن، بل نعرفه من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد ثبت بغير واحدة ولا اثنتين من الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اقتصر على بيان حد الزنا للمتزوجين والمتزوجات بأقواله فحسب، بل قد أقام هذا الحد فعلًا وهو الرجم. ثم أقامه بعده خلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم في عهودهم، وأعلنوا مرارًا أن الرجم هو الحد- أي العقوبة القانونية- للزنا بعد الإحصان، والرجم باعتباره حدًّا للزنا بعد الإحصان ما زال أمرًا مجمعًا عليه بين الصحابة والتابعين، حيث لا نكاد نجد لأحد منهم قولًا يدل على أنه كان في القرن الأول رجل له الشك في كون الرجم من الأحكام الشرعية الثابتة. ثم ظل فقهاء الإسلام في كل عصر وفي كل مصر مجمعين على كونه سنة ثابتة بأدلة متضافرة قوية، لا مجال لأحد من أهل العلم أن يشك في صحتها. ولم يخالف الجمهور في هذه القضية إلا الخوارج وبعض المعتزلة، على أنه ما كان الأساس لمخالفتهم أن يكونوا قد شخصوا ضعفًا في ثبوت حكم الرجم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قالوا إن الرجم باعتباره حدًّا للزاني المحصن مخالف للقرآن. 

والحقيقة أن ليس ذلك إلا لخطأ منهم في فهمهم للقرآن. قالوا إن القرآن يبين مائة جلدة حدًّا عامًّا لكل زانٍ وزانية، فليس تخصيص الزاني المحصن من هذا الحكم العام إلا مخالفة للقرآن، ولكنهم ما تنبهوا إلى أن الوزن القانوني الذي هو لألفاظ القرآن هو نفسه لشرحها الذي يبينه النبي صلى الله عليه وسلم بشرط ثبوته عنه.

ثم أورد الأستاذ المودودي كثيرًا من الأسئلة يبين فيها ما أضافته السنة أو بينت به الأحكام الواردة في القرآن، ثم كيفية قطع يد السارق والمقدار المسروق الذي تقطع اليد بموجبه، والمحرمات من الرضاع والرهان والمكاتبة، وغير ذلك من الأحكام التي أخذناها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقول:

«فهذه بعض أمثلة لو سرحت النظر فيها تبين لك الخطأ في استدلال الذين يقولون إن حكم الرجم للزاني المحصن مخالف للقرآن، والحق أن منصب الرسول في نظام الشريعة الذي لا مجال فيه للريب والمكابرة، هو أن يبلغنا أحكام الله تعالى ثم يبين لنا مقتضياتها ومقاصدها، والطرق للعمل بها والمعاملات التي تنفذ فيها والمعاملات التي لها أحكام أخرى. وإنكار هذا المنصب ليس بمخالفة لأصول الدين فحسب، بل هو مستلزم- كذلك- لمصاعب ومفاسد لا تكاد تحصی. 

ويقول أستاذنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة عليه رحمة الله: وقد ثبت في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وسلم أصر برجم ماعز عندما اعترف بالزنا وكرر الاعتراف أربع مرات. ورجم الغامدية التي اعترفت بالزنا وكانت حاملًا، فتركها حتى وضعت الحمل وأتمت الرضاع وجاءت بالولد وفي يده كسرة خبز فأمر برجمها من بعد.

وإن شرط الرجم الإحصان، بأن تكون الزانية والزاني متزوجين، ويكون قد دخل بها، وذلك لتكون العقوبة دافعة إلى صيانة الحياة الزوجية، فإذا كان الطبع يسهل زنا غير المتزوج فإن جريمته تكون أقل من المتزوج؛ ولذلك كانت عقوبة هذا الرجم وعقوبة الآخر الجلد، والعقوبة على قدر الجرم، تكبر بكبره، وتصغر بصغره.

• ثم يتحدث عن أحاديث الرجم، وهل كانت قبل سورة النور التي حددت الجلد؟ أم بعدها؟ فيقول: ولكنَّ المحدثين يزيلون ذلك الشك، ويقررون أن أحاديث الرجم كانت بعد سورة النور؛ حتى لا يتوهم أحد أنها نسختها ويبنون ذلك على أن عمر رضى الله عنه قرر دوام ذلك الحكم، وأن سورة النور نزلت سنة أربع- وقيل خمس أو ست- ومن الرواة لأحاديث الرجم أبو هريرة وابن عباس، وأبو هريره قد حضر إلى المدينة في العام السابع وابن عباس قد جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع.

ونود أن نقول إن العلماء الأعلام في هذه الأمة اختلفوا في كثير من الفروع، ولهم اجتهادات وآراء بنوها على أساس ما صح لديهم من الأحاديث، لأن معظم ما وصل إلينا من التشريع الإسلامي كان أساسه السنة النبوية الشريفة، ورغم هذه الاختلافات لم يطعن أحد منهم في السنة بمثل هذا الطعن الجارح الخارج عن كل الحدود، وما كان يجدر بمؤمن أن يجترئ هكذا على سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.

وذكر هنا أن بعضًا من الفقهاء المعاصرين يرى عدم الأخذ بالرجم، لا على أساس الطعن في الأحاديث الواردة بهذا الشأن، وإنما شكًّا منهم أن تكون هذه الأحاديث قد نسخت بنزول آية الزنا في سورة النور؛ لعدم التيقن من أن هذه الأحاديث كانت بعدها أم قبلها، فأخذًا منهم بالأحوط وتفسيرًا بأن الشك لصالح المتهم بنوا على أساس أن هذه الأحاديث كانت قبل سورة النور، ولكن البعض الآخر تأكد لديه أن سورة النور نزلت أولًا ثم كانت أحاديث الرجم، ويرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزًا والغامدية تعزيرًا وليس حدًّا؛ ولذا يبقى الحد هو الجلد وللإمام أن يشدد العقوبة إلى الرجم إذا ما رأى ذلك.

وهذه آراء ضعيفة ليس لها ما يسندها من دليل، ولكنها اجتهادات فردية.

وعلى ذلك نؤكد أن الرجم بالسنة النبوية الشريفة ولا مجال لعاقل أن ينكر ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1646

الثلاثاء 24-مارس-1970

حَديث صَريح للشيخ محمد أبو زهرة

نشر في العدد 5

146

الثلاثاء 14-أبريل-1970

أقوال خالدة