; المجتمع الثقافي العدد 1653 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي العدد 1653

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 28-مايو-2005

مشاهدات 67

نشر في العدد 1653

نشر في الصفحة 48

السبت 28-مايو-2005

آزاد منير الغضبان

ghadban14@hotmail.com            

خاطرة

مشاعر فتاة مغتربة. في الثالثة عشر من عمرها

بدأت في كتابة مذكراتي. وفي عيني نعاس شديد. كنت قبل أن أكتب أجلس إلى النافذة. أتأمل السكون الغريب.

باشرت بالكتابة: ليل طويل، وظلام قاتم وهدوء غريب، وهناك ما وراء هذا الظلام. إنه غامض وحزين. أنظر من النافذة فأرى ذلك وأنظر إلى قلبي فأجده أيضًا بانتظاري في هذا السكون الغريب. ثم أسلمت عيني للنوم. بعد أن صليت الفجر وأخذت أجهز للذهاب إلى المدرسة. قرأت أذكار الصباح راجية من الله أن يوفقني.

 وصلت إلى المدرسة ففوجئت باحتفال كبير قد جهز له سوف يبدأ بعد لحظات. جلست بعد أن سلمت على قريناتي. في صفوف مرتبة تتميز بالنظام.

حب الوطن

بدأ الاحتفال. وكان تقريبًا عن الوطن وحب الوطن. أثر فيَّ هذا الموضوع قليلًا. ولكن بعد فترة وجيزة. لم أدر إلا والدمعات تنهال على خدي حارة ملتهبة. كان ذلك بعد أن صعدت طفلة صغيرة على المسرح وأخذت تتغنى بوطنها وبأمجاده. وبعد أن انتهت. كان لها تصفيق حار فرحًا بها. أما أنا فكنت أصفق إعجابًا بها وحزنًا على نفسي. وبعد ذلك صعدت فرقة من الفتيات في مثل عمري ليمثلن رقصة شعبية تتميز بها بلادهن.

أحسست أني وحيدة. أني غريبة. ربما بكت الأخريات تفاعلًا مع هذا الاحتفال واعتزازًا بوطنهن. أما أنا فأبكي حزنًا وحسرة في قلبي.

استمرت تفاعلات الاحتفال ثم صعدت فتاة في الثامنة عشرة من العمر. وأخذت تنشد شعرًا بلهجة الوطن. كنت أنا الوحيدة التي أطرقت رأسها وقلبها يتفطر ألمًا وحسرة. كنت أود أن أرى وطني مرة واحدة على الأقل. لكن الله كتب لي ألا أراه كل هذه السنين. والآن وبعد أن بلغت الثالثة عشرة من العمر أخذت أحن إلى بلادي الحبيبة.

انتهى الاحتفال وصعدت الطالبات جميعًا إلى صفوفهن والنشاط يملؤهن بهذا الاحتفال الجميل. أما أنا فقد تنهدت تنهيدة طويلة وصعدت إلى صفي وأنا أحاول رسم ابتسامة على شفتي وقلبي يقول: هنأكن الله بوطنكن. من حقكن. نعم من حقكن أن تتغنين به وأن تذكرن

أمجاده وأن تعشقن ترابه.

 ولكن. أنا. أنا لا يحق لي ذلك، فهو ليس وطني وليس وطن أجدادي.

رجعت إلى المنزل بعد يوم شاق في الدراسة. وبعد أن صليت وتناولت طعام الغداء. أمسكت بالقلم. وأخذت أخط كلمات كأنني أخطها بدم من قلبي. أو بعصب من أعصابي أو بوريد من أوردتي:

 إنها حكاية. وأي حكاية. سأرويها لك أيها الزمان. وسأرويها لك أيها القمر، وسأرويها لك أيها القلم.

هل سمعتم عن فتاة حرمت النظر إلى وطنها؟ حرمت شم ترابه. حرمت تنفس هوائه. حرمت النظر إلى سهوله الخضراء. وإلى واحاته الغناء. تشتاق إليه ولا تعرفه. وتحن إليه. ولا تستطيع أن توصفه. ولكن. تحاول أن تتخيله!

 هل سمعتم. تحاول أن تتخيل وطنها. فلا تتخيله إلا جنة خضراء ملئت بزهور من الأقحوان والياسمين. فاح شذا عطرها فملأ أرجاء تلك الجنة.

هل سمعتم عن فتاة لم تر إلا القليل من أقاربها. وهناك الكثير الكثير ممن لا تعرف صورهم. تشتاق إلى الحديث مع بنات عماتها. ولربما تبتسم. عندما تتخيل الخصام مع بنات أخوالها!

هل سمعتم عن عائلة هاجرت من وطنها. وضحت من أجله لأن الظالمين حكموه. وتحكموا في أهله. وصار الظلم في كل مكان. والرشوة في كل أمر. والجريمة في أي وقت فإذا بالجنة الخضراء تتحول إلى بستان قد حرق جله. وقضى الخريف على الباقي المتبقي منه.

 لكن الأمل الذي يراودني. أعظم من أي ظلم أو سطوة أعظم من أي رشوة أو جريمة. سوف يأتي يوم يعود فيه الأمن والأمان والاطمئنان.

سوف يأتي يوم يعود فيه النور لترى تلك البلاد بصيصه بعد أن فارقها منذ زمن طويل.

نظرت إلى الزمان. وإلى القمر. وإلى القلم. ثم أطرقت رأسي في سكون. وأنا أدافع عبراتي.

وأذكر قول الشاعر:

أيها الراكب الميمم أرضي

                           أقر من بعضي السلام لبعضي

إن جسمي كما تراه بأرض

                                 وفؤادي ومالكيه بأرض

 قد قضى الله بالفراق علينا

                   فعسى باجتماعنا سوف يقضي.

من كنوز المكتبة الإسلامية

الإسلام المفتري عليه بين الشيوعيين والرأسماليين

الاتهام بالشيوعية كالاتهام بالرأسمالية أمر يضيق به المسلم الحق ويلحظ في قائليه سوء الفهم أو سوء النية أو هما معًا.

فالإسلام عقيدة ونظام، والنظام، في ديننا. يتبع العقيدة على خدمتها، أو هو امتداد مطلق لآثارها وفضائلها، فهو تابع لها أبدًا وقد أخذ أشكالًا مختلفة على مر الأزمنة، بيد أن ذلك يشبه اختلاف الوسائل مع اتحاد الغاية. وقد ظن السطحيون أن وجود مبادئ معينة في النظام الإسلامي قد تميل به نحو اليمين أو اليسار وذلك خطأ، فإن مبدأ الملكية -مثلًا- قد يشترك في الاعتراف به النظام الإسلامي والنظام الرأسمالي، وتحريم الفائدة الربوية قد يشترك فيه النظام الشيوعي والنظام الإسلامي.

وليس معنى هذا أو ذاك أن الإسلام رأسمالي أو شيوعي، إنه منهج مستقل يستقي من طبيعته الدينية، ثم يمضي في مجراه المرسوم لنفع الناس وحماية مثله العليا.

قد ترتفع الأصوات وتدبلج المقالات في دحض الشيوعية وبيان إلحادها وفسادها، لكن من يقنع الشعوب التي تتلوى من الألم في دائرة الثالوث المتوطن المعروف ثالوث الفقر والجهل والمرض؟ لا شك أن هذه الشعوب قد تغويها الشعارات الصاخبة التي تنادي بالعدالة الاجتماعية ورعاية الطبقات المسحوقة إذا لم تجد منا من يعمل على حل مشكلاتها وإطعام أفواهها، والحكمة التي تدلل على صدقيتها تنطق بملء الفم قائلة: إن المعدات الفارغة لا تعرف المنطق. نعم إن مائة درس في الدين والأخلاق لا تعمل عمل درهم تضعه في يد محتاج. ويمكن القول إننا أسخطنا الرأسماليين والشيوعيين جميعًا بهذا النهج الذي جنحنا إليه. إذ كنا أقدر من الشيوعيين على تجريح الرأسمالية وإصابة مقاتلها، وكنا -في الوقت نفسه- أقدر من الرأسماليين على مكافحة الشيوعية وسد الأبواب في وجهها.

 وإذا كان الإسلام يلتقي مع الشيوعية في بعض الاهتمامات ومع الرأسمالية في أمور أخرى، فما الذي يميزه عن غيره من النظم والنظريات؟

والإجابة بسيطة ننطلق من أن الإسلام رسالة السماء إلى الأرض، فهي تستمد سموها وتميزها من هذا المصدر السابق الرفيع.

ثم إن الإسلام ينظر إلى الإنسان باعتباره إنسانًا بصرف النظر عن الطبقة واللون والمنصب فهو لا ينحاز للعامل على حساب رب العمل ولا يجامل رب العمل بما يهضم به حق العامل، إنه ينحاز إلى الإنسان بصفته تلك، وليس لأي اعتبارات أخرى.

أما الميزة الثالثة التي يمتاز بها النظام الإسلامي فهي أنه يربط عمل الإنسان الدنيوي بالثواب والعقاب الذي يرتبه له في الآخرة.

 فلا يكفي النجاح في الدنيا أو تأمين النفس والأهل والأنصار والموالين، بل لا بد من الميزان الدقيق الذي ينتهي بصاحبه إلى الجنة أو النار.

لقد أصبح لزامًا على المسلم الذي يستلهم من الإسلام تصوره وسلوكه وأسلوب حياته، أن يشق طريقه وسط الركام، لأن الذين تؤذيهم اليقظة الإسلامية كثيرون، فكم من ظلم سينقصم، ومن وهم سينكشف من كبراء سيصغرون، ومن محتلين سيزولون.

أخيرًا من المألوف أن يرجع الإنسان إلى دينه عبادة وسلوكًا، لكن أن يحمله رسالة للحياة ومنهجًا للمجتمعات بهذه الثقة وبهذا الاستعلاء وبتلك اللغة البليغة الجاهرة، فهذا ما يميز أسلوب الشيخ الغزالي في هذا الكتاب وفي غيره مما أثرى به للمكتبة والفكر الإسلامي.

الكتاب: الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين

 المؤلف: الشيخ محمد الغزالي

الناشر: دار البيان- الكويت

 

واحة الشعر

دعوة مظلوم

مهداة إلى العائلات الفلسطينية في مخيمات اللاجئين الذين دمر اليهود منازلهم فعادوا لحياة الخيام من جديد لكنهم لم ولن يغادروا أرض الرباط.

غاب نجم الليل عن قطب الشمال

وأتى البحر بموج كالجبال

واختفى النور فلا نور يرى

أطفأ الليل مصابيح الجمال

دارت الدنيا بنا فوق السفين

ضاعت المرساة وأنبت الحبال

يا إله الكون يا رب السماء

منزل الآيات والسبع الطوال

أنت مولانا وتهدي الحائرين

فاهدنا يا ربنا يا ذا الجلال

ترزق الجائع في جدب السنين

تسعف الظمآن بالماء الزلال

تأمر الشمس فتعلو في السماء

تغمر البدر جمالًا والهلال

يرحل الليل وينشق الصباح

تسكن الريح وتمتد الظلال

يا لطيفًا لم تزل يا ربنا

يا غنيًا عن دعائي والسؤال

اكشف الضراء عنا يا حليم

واهدنا يا ربنا بعد الضلال

نصرك اللهم للجند الشباب

هاجموا بالعزم آلات ثقال

حكم الطاغوت فينا سيفه

مزقت أوصالنا حمر النصال

في محيط القدس نسف ودمار

وصلاة وبكاء وابتهال

في جنين الشوق عرس للشهيد

رفح الأبطال أتون اشتعال

حارة الزيتون غارات ونار

غزة الأحرار ميدان الرجال

أفسد الموساد، في أوطاننا

علموا الشيطان فن الاغتيال

دمر الأشرار دور الآمنين

هاجموا النخل وروض البرتقال

في جبال النار نزف وأنين

جرف الملعون زيتون الجبال

تلة السلطان عادت للخيام

تأكل الخبز بمعجون الرمال

آه والآهات نار في الفؤاد آه

كلما قلت اهدني جد اشتعال

آهوالآهات عنوان الغـيور

في حوار أو قتال أو جدال

آه والآهات هم في الصدور

يمنع النوم ويأتي بالسؤال

من لأخت في سجون الظالمين؟!!

من لحر في قيود الاحتلال؟!!

من لمغدور على درب حزين؟!!

كان يسعى يطلب الرزق الحلال

من لأم لملمت أيتامها؟!!

من ليحيى وثريا ومنال؟!!

وبنو الأوغاد في بستاننا

بين رقص وحبور واحتفال

أين أضياف أبي. أين أبي

أين أهل الجود من عم وخال

أين مهباش أبي. كان هنا؟!!

يصنع السمراء مشروب الرجال

من لعم بين حل وارتحال

في المنافي في لياليه الطوال

وابن عم مثل غصن فارع

حاصروه قيدوه بالحبال

غاب عن مخطوبة شمس الضحى

رسمت بالشوق عرسًا في الخيال

لمع الدمع على أهدابها

شاهدت في دمعها بدر الكمال

فرسًا يقدم جيشًا مؤمنًا

مرفوق الجسر أو عبر القنال

يا عدو القدس إنا ها هنا

ما مللنا من صراع أو نزال

جدنا عمرو القنا أكرم به

وابن عم المصطفى خير الرجال

أمنا الخنساء أو أخت لها

شيخنا ياسين طلاع الجبال

يا عدو القدس بادر بالرحيل

جاءك القسام أبشر بالزوال

نصرك اللهم للجند الشباب

يدفعون الكفر عن عرض ومال

يا خفي اللطف هذا حالنا

يا غنيًا عن دعائي والسؤال

يا لطيفًا لم تزل يا ربنا

يا لطيفًا لم تزل يا ذا الجلال

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

دحلمي محمد القاعود

لغة عصام الغزالي الشعرية (3من 5)

المفردات النادرة أو العامية

ويلاحظ أن الشاعر يأتي في معجمه ببعض المفردات النادرة الاستعمال أو المفردات ذات الدلالة العامية أو ينحت بعض المفردات بطريقة خاصة ليعبر عن حالة خاصة أو يستخدم بعض الجموع أو المفردات غير السائغة.

فهو يستخدم مثلًا وصف «الفتيق»، للمسكبمعنى المسك الفواح الرائحة، ويستخدم الفعل «جلح»، في قوله:                

تركت على جدار القبو نقشًا 

جلحت به الطغاة إذا جلحت (1)

بمعنى الإزالة والمقاومة أو المشادة والوصف والفعل كلاهما نادر الاستعمال

كما يستخدم بعض المفردات ذات الدلالة العامية في قوله:

«كأن الوعاء إلى شقفتين انكسر» (۲).

 والشقف هو الخزف أو مكسره أو الفخار عمومًا، والواحدة شقفة». واللفظة نادرة الاستعمال في الفصحى، سائرة على ألسنة العوام وخاصة في القرى

وهناك بعض الألفاظ التي ينحتها الشاعر لدلالة ما مثل عنوان إحدى قصائده «الحمقري» المنحوتة من الحمار والعبقري وأيضًا ينحت مصدرًا خاصًا، العبقرة، بمعنى العبقرية في قوله:

وأنا فداؤك يا خفي «العبقرة»(۳)

بل إنه يصنع منها فعلًا على النحو التالي:

 وتبكيك مصر التي حظها

كحظ اليتامى وإن «عبقروا» (1) 

ولعله يقصد بهذا الفعل «عبقروا»، إن كانوا عباقرة. فحظهم مثل حظ اليتامى على السواء، وسوف نجد نحتًا من نوع آخر، كما نرى في حديثه عن العلاقة بيننا وبين العدو اليهودي في فلسطين المحتلة، حيث يرد على المحاولات الرامية إلى جعل الكيان اليهودي الغاصب كيانًا طبيعيًا في وطننا العربي:

لن يولد.. مهما حاولنا.

طفل يدعى «مصرائيلًا» (5)

والتركيب كما هو واضح مكون من مصر و«إسرائيل». وقد يستخدم الشاعر جمعًا غير فصيح مثلما يفعل مع ظفر وجمعه الفصيح أظفار، ولكنه يستخدمه الاستخدام الشائع وهو «الأظافر»، كما نرى في قوله:

ووقعت الأظافر في أناة

على وجه الصفاةلقد نجحت (6) 

ومن التركيبات الشائعة الاستخدام تركيب «اللامعقول»، وإدخال «ال»، على المنفي يعد من غير الفصيح، وقد روج له بعض الصحفيينومشكلة هذا التركيب أنه يشيع النثرية في البيت أو القصيدة، يقول عصام

 اللامعقول يحاصرنا 

ويعطل كل الأفهام (۷)

والمشكلة يمكن حلها ببساطة إذا حولنا التركيب إلى «غير المعقول». فيكتسب فصاحة وشاعرية في آن واحد.

ثمة بعض المفردات التي تأتي في سياق هجائي، ولكنها غير مقبولة، ويمكن للقارئ أن يطلع على قصيدة «أنا الأجير» في ديوان دمع في رمال التي تعالج عنصرية بعض المجتمعات ليرى فيها نوعًا من هذه المفردات.

 وقد توقفت عند مفردة السكوت التي يحملها عنوان أحد الدواوين الذي هو عنوان إحدى القصائد «أهددكم بالسكوت» (۸)، فما الذي يعنيه التهديد بالسكوت؟ إن القصيدة التي يحملها العنوان جميلة وجيدة، فنًا وموضوعًا، وهي تخاطب الذين يحولون بين الكلمة المتألقة ونشرها على الناس، ويقول في ختامها:

دعوني وحريتي، واحذروا 

فقد يعلن الرفض لحن صموت

بماذا يهددني سيفكم

 إذا كنت هددتكم بالسكوت؟!

فهؤلاء الذين يهددهم الشاعر لا يريدون أحدًا غيرهم وأتباعهم أن يكون له صوت إنهم قمعيون حتى النخاع، ويسرهم أن يسكت الشاعر وأمثاله دون سابق تهديد أو وعيد.

فلماذا يكون التهديد بالسكوت بدلًا من الإصرار على الكلام؟ على كل للشاعر رأيه.

طبيعة تلقائية

بيد أن لغة الشاعر في سياقها العام توحي بالطبيعة التلقائية، وكأن الشاعر مفطور على الإنشاد دون كد أو صعوباتومع هذه الفطرية التي تبدو غالبة على لغة عصام الغزالي، فهناك ما ينبئ عن حفاوته ببعض الظواهر البديعية والتركيبية التي تتخلل هذه اللغة، وهذه الظواهر قد توحي باهتمام الشاعر بالصنعة مما يتناقض مع ما قلته من فطرية اللغة عنده، ولكن واقع الحال يؤكد أن الأمر لا تناقض فيه بسبب قدرة الشاعر على تحويل المصنوع إلى مطبوع، فلا تشعر بتكلف ولا تحس بافتعال، وإنما تطويع كامل يجعل اللغة الشعرية عند عصام الغزالي، لغة لينة مطواعة بصفة عامة، كما قلت في بداية كلامي عن اللغة، ويمكن أن نشير إلى الظواهر البديعية والتركيبية من خلال لعبة المطابقة، وأحيانًا المجانسة، وما يعرف بحسن التقسيم، بالإضافة إلى التضمين والاقتباس وما يمكن أن يسمى بالتناص.

(۳)

لعبة المطابقة في شعر «عصام الغزالي» تتجاوز مطابقة كلمة مع كلمة أخرى، أو لفظة مع لفظة، لتقدم لنا ما يمكن أن يسمى صورة مقابل صورة، وله أساس في بلاغتنا العربية يعرف بالمقابلة، ولكن ما أعنيه هنا هو عملية تصوير لحالة ما تأتي في سياق من التقابلات لتصنع مفارقة بين واقعين يبرز من خلالهما ما يريد الشاعر توصيله للجمهور، ولعل قصيدته نطف القصائد، ضمن ديوانه أهددكم بالسكوت تمثل خير النماذج على هذه المفارقةفالقصيدة تتناقل المعاناة في الواقع الأدبي والثقافي الذي يحتفي بأشباه الشعراء المثقفين ويهمل الجادين والأصلاء منهمويظن البعض تحت تأثير الإحباط واليأس أن الزبد، هو «النفع»، وأن النفع هو الزبد، تختلف المعايير والمقاييس في أيام الخلط والالتباس، ولكن الشاعر يقاوم هذا الظن، ويعرض المسألة عرضًا موضوعيًا ينتهي إلى أن الزيد يذهب جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، ولنقرأ المقطع التالي من القصيدة، وهو مقطعها الأخير:

وقال الضغطيا أفكار ليني 

وقال السخط يا أحرار جوعوا

فمزقت العمامة فاشرأبت 

النور الشمس من شجري فروع

وأثمرت القصائد من ضلوعي 

كواكب لا يراد لها سطوع

تمرد أيها القلم المعاني 

ومت يا أيها الحذر الجزوع

 فمن خشي الفخاخ فجانبتها 

مسيرته سيلحقه الوقوع

ويا نطف القصائد لن تهوني

 ستدركك الخصوبة والذيوع

تكاليف الأمانة أن تعيشي

 ويدفع دونك الضعف القنوع (۹)

فالشاعر في هذا المقطع يقدم لنا المفارقة من خلال المطابقة أو المقابلة بين ما قاله الضغط وما قاله السخط كل منهما له تصوره إزاء الواقع الأدبي والثقافي بل الواقع عامة، الضغط ويرادفه القهر والحصار والتجاهل والظلم يفرض على الآخرين أن يخضعوا ويستسلموا ويلينوا... أما السخط ويرادفه الغضب والتمرد والثورة، فيدعو أصحابه إلى الجوع والتضحية والفداءمفارقة بين واقعين في الأول نعيم ورخاء ورفاهية، وفي الآخر خشونة وشدة وقسوة ولكن الشاعر يختار، ويقدم لنا اختياره من خلال اقتناع كامل مدعوم ببراهين عديدة تتحقق من خلالها أيضًا لعبة المطابقة، أو تكتمل من خلالها المفارقة، فها هي الغمامة تتمزق لتقف أمام نور الشمس، وها هي قصائد الشاعر التي تشبه الكواكب المضيئة، يقابلها من لا يريد لها سطوع أو إضاءة، ثم نجد الشاعر يرى ضرورة تمرد القلم المعذب، وموت الحذر الجزوعففي التمرد حياة وفي الحذر الموت. ويؤكد على هذا المعنى بأن الحذر لا يغني عن قدر ومن يخشى الفخاخ سيقع فيها وستقيض عليه، ويخاطب نطف القصائد بأنها لن تهون ولن تموت بل ستدركها الخصوبة والحياةإنها المفارقة التي يدعمها الدليل والبرهان يختمها الشاعر بلعبة المطابقة من خلال الموت والحياة أيضًا:

تكاليف الأمانة أن تعيش

ويدفن دونك الضعف القنوع

وعلى هذا المنوال نجد الشاعر يتحرك بلعبة المفارقة، من خلال قصائد عديدة، وإن كان يطور هذه اللعبة من خلال الدراما، وهو ما سنشير إليه فيما بعد ليعطي شعره حيوية أو حركية تبعد به عن السكونية والرتابة.

عناصر الإيقاع

أما المجانسة فليست شائعة في شعر «عصام الغزالي»، وإن كان لها حضور ما، وهي من عناصر الإيقاع بالدرجة الأولى، وقد نراها في عناوين بعض القصائد، ولا نراها في متنها، تأمل مثلًا عنوان إحدى القصائد في مجموعة هوى الخمسين الذي يقولالاستفتاح من الباب المفتوح لترى أن الشاعر يسعى إلى لي العنق نحو المتن بطريقة مثيرة وجاذبة.

ويندرج «حسن التقسيم»، أيضًا، في باب الإيقاع، ولكنه يأتي في البناء الشعري، وكأنه فرصة لالتقاط الأنفاس عند قراءة القصيدة وخاصة إذا كانت طويلة، وهو ينتمي إلى تراثنا الشعري القديم، وصياغة أبي تمام والمتنبي خاصة، ولنقرأ هذا البيت مثلًا:

الظلم في ألميوالعدل في قلمي

والحق في علمي لا الكبر والسرف 

ولنقرأ في القصيدة نفسها نوعًا آخر من حسن التقسيم، وإن لم يكن على مثال النمط السابق

ناديت فانصرفوا. جاوزت ما اقترفوا

 سيان إن جحدوا قدري أو اعترفوا

لا شيء ناصرني والسيل حاصرني 

والناس أكثرهم في جوفه انجرفوا (۱۰)

الهوامش

  1.  انظر على الترتيب هوى الخمسين ٩٩, ١٠٢.

  2. هوى الخمسين، ص ٩٤.

  3. السابق، ص ٦٣.

  4.  نفسه، ص ٥٩، وتشير معاجم اللغة إلى أن العبقرة، وصف للنساء، وعبقر السرابأي تلألأً، والعبقر أول ما ينبت من أصول القصب ونحوه والعبقري نسبة إلى عبقروهو صفة لكل ما بولغ في وصفه وما يفوقه شيء، والعبقرية صفة العبقري وحاله، وهي مصدر صناعي.

  5. هوى الخمسين، ص ٥٨.

  6. السابق، ص ١٠٢.

  7. أهددكم بالسكوت ص ٤٩.

  8. السابق، ص ١٠٥.

  9. نفسه، ص ۱۸.

  10.  هوى الخمسين، ص ۷۳.


 

مقتطفات ثقافية.

حوار الثقافات بين ضفتي المتوسط

لماذا تتحدث أوروبا دائمًا بلغة الثقافة؟ ما غاية الحوار بين الثقافات؟ من المستهدف من هذا الحوار؟ هل المقصود تعاون وتفاعل ام استهلاك للآخر؟ هل يصبح حوارًا فعليًا في ظل الهيمنة الأمريكية ووقف أوروبا على خط الدفاع الأمريكي، أم هي محاولة أوروبية لإثبات الوجود في مواجهة التفرد الأمريكي بالساحة الدولية؟ وماذا سيستفيد العرب والمسلمون من هذا كله؟

الحداثيون العرب

ذهبت الناقدة الإسلامية سهيلة زين العابدين حماد إلى أن الحداثة الموجودة على الساحة العربية ليست قائمة على التجديد والتحديث والتطوير، وإنما هي قائمة على إلغاء كل ما له علاقة بالإسلام دينًا وعقيدة ولغة وتاريخًا وتراثًا، إنها تستهدف اجتثاث جذور الإنسان العربي المسلم وجعله تابعًا للآخر. لا هوية له ولا قرار، تائهًا ضائعًا، هذه حال الحداثيين العرب، فهل صحيح أن الحداثة في أدبنا العربي يقصد بها معاداة الإسلام ولغته. وقد خطط لها من قبل أعدائنا؟ وهل هي كما كشفت الكاتبة البريطانية «فرانسيس ستور سوندرز» في كتابها «من يدفع التكاليف». ممولة من قبل المخابرات الأمريكية.

 

القارة السوداء في تقرير استراتيجي

من بين ستمائة صفحة للإصدار الثاني للتقرير الاستراتيجي الإفريقي، سنكتشف كم التغيرات العاصفة بالقارة السوداء من صراع بين قوى تدق أبوابها باحثة عن دور أو سوق وأخرى ساعية لاستعادة الهيمنة القديمة، وثالثة لا ترى إفريقيا إلا في إطار إمبراطورية تظن أنه قد آن أوانها.

التقرير الصادر عن معهد البحوث والدراسات الإفريقية في جامعة القاهرة هو محاولة عربية لكسر حاجز العزلة بين المثقفين العرب وحالة القارة السوداء، وقد نجح في إصداره الثاني في تغطية كثير من القضايا بالغة الأهمية في شأن القارة التي تتراجع الاهتمام العربي بها لمصلحة الدوائر الغربية.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1207

77

الثلاثاء 09-يوليو-1996

واحة الشعر (العدد 1207)

نشر في العدد 2012

91

السبت 21-يوليو-2012

مصري خارج وطنه

نشر في العدد 1333

70

الثلاثاء 05-يناير-1999

استراحة المجتمع (1333)