العنوان خبرة السنين
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 13-يوليو-2013
مشاهدات 63
نشر في العدد 2061
نشر في الصفحة 46
السبت 13-يوليو-2013
تمر بنا الحياة بتجاربها، فتصقل شخصياتنا، ونتعلم منها الكثير، فتكون درعا واقية نتحصن بها من مثيلاتها من تجارب الحياة، ونتعرف في خلال رحلتنا مع العمر على نماذج مختلفة من البشر، فنخبرها ونكتسب فراسة تعيننا على تحليل بعض الشخصيات.
- قصة فتاة سلكت طريق الإدمان بعد أن تعرفت على شاب هاتفيا عن طريق صاحبة السوء.
- بعد أن عجز أهلها عن علاجها أبلغوا عنها الشرطة فدخلت السجن وبدأ العلاج المر.
ومن كثرة المخالطة، لا تخذلنا فراستنا في الكثير من الأحيان، ثم يحاول الوالدان تجنيب أبنائهم أن يمروا بأخطار المواجهة كما حدث معهم، ويريدون أن يكتسب الأولاد خبرتهم ويبدؤوا من حيث انتهوا هم فيبنون على ما بنى والداهم، ولا نكرر نفس الأخطاء فيظل البناء على حاله، وتكون المفاجأة، فكثير من الأولاد يرفضون تماما الاستفادة من هذه الخبرة، بل إن بعضًا من الأولاد يريدون أن يبتروا أنفسهم من الجذر الأصلي، لينطلقوا بخفة في الفضاء، وهم لا يدركون أنهم ينطلقون إلى حيث حتفهم.
فنجد الوالد يطلب من ولده ترك أصدقاء السوء ولا مجيب إلا ما رحم ربي، والأم تتوسل لابنتها أن تلتحف بالحياء في ثيابها وحديثها واختياراتها، وقليلا من تجيب ونجد كثيرًا من الشباب في واد متفرد مختلف عن الوادي الذي يعيش فيه والداهم، بل يتصور بعضهم أن الوالدين من «الأنتيكات» القديمة، نحافظ عليها ولا نستفيد منها، فقط منظر أو ديكور.
زيارة السجن المركزي:
عندما زرت السجن المركزي لإلقاء بعض المحاضرات على السجينات، رأيت الانفراد بالرأي عن نصح الوالدين، وقد رسم أخاديده على وجوههن، فقد دفعن له ثمنًا غاليًا، وسجلت بعض الشابات بأقلامهن ما تعرضن له، فقط بسبب مخالفة الوالدين والإصرار على المخاطرة وخوض التجربة بأنفسهن، فولجن فيها، وسحبتهن دوامة مواجهة الحياة بلا خبرة، وقبل أن يفقن من غفلتهن وجدن أنفسهن في قاع عميقة، لا يستطيع سوى غافر الذنب وقابل التوب أن ينقذهن، فلجأن إليه سبحانه، وأردن أن يحذرن بنات ما زلن يكابرن، ويتسلطن برأيهن بعيدا عن الحكمة والاستفادة من خبرة من سبق على درب الحياة، وهذه رسالة إحداهن أنقلها كما كتبتها، متسترة بالسطور عن الظهور العلني والحديث المباشر، لعل فيها النجاة لأخرى على طريق الهاوية.
أنا من أضاعت نفسها وتتبعت خطوات الشيطان خطوة بخطوة.. على الرغم مما كان لديها من أسباب الصلاح والاستقامة ما لم يتوافر لكثيرات غيرها، من أم حنون صالحة تقية، وإخوة مشفقين محبين وظروف أسرية، لكنها رمت بذلك كله وراء ظهرها وانطلقت تجري وراء من كان سبب شقائها.
خطوات الشيطان
أولى خطوات الشيطان هي استجابتي لمحاولات صديقتي للتحدث بالهاتف مع أحد الرجال لمرة واحدة فقط، ويا ليتني لم أستجب حيث كانت كافية لوقوعي في مصيدة العفيفات الغافلات، منذ سمعت صوته وأنصت إلى حديثه حتى ملك علي قلبي وعقلي، وصرت لا أستغنى عن اتصاله ولو مرة واحدة بالأسبوع تبعًا لظروفي حتى طلب اللقاء، فلم أتمكن إلا من النظر إليه من بعيد أثناء خروجي مع أهلي بعد الاتفاق معه على ذلك، حتى جاء اليوم الذي طلبني فيه للزواج، فكدت أطير من شدة الفرح لعدم ارتياحي للحديث في الهاتف لعلمي بأن ذلك سيغضب أمي وإخوتي... لذلك أسرعت أخبر أمي أن هناك من يريد خطبتي، وبعد السؤال عنه وجدوه بلا وظيفة وقد سبق له دخول السجن وسلوكه مشكوك به فأخبروني بالرفض، لكني أريده ولا أريد زوجا غيره، فأعلنت رفضي لرفضهم ورجوتهم وتصادمت معهم وأنا الابنة المطيعة الخلوقة قاطعت أمي وأنا ابنتها البارة.
وتوصلت إلى اتفاق مع أحد إخوتي بأن يذهب معي إلى المحكمة لعقد قراني على ذلك الرجل الذي سرق مني حياتي كلها، ويا ليتهم منعوني أو حبسوني. تزوجته بعدما قاطعت أهلي وبدأت تتكشف الأمور، فقد لاحظت فقدانه لتركيزه معظم اليوم، والتزامه البيت وعدم خروجه لأي سبب حتى جاء اليوم الذي وجدته فيه يتعاطى مخدرات، فوقع علي ذلك كالصاعقة، ولكن بعد فوات الأوان، فقد حملت منه بتوأم، ووقع الفأس في الرأس.. ماذا أفعل وأنا قد قطعت صلتي بأهلي وتركت الدنيا خلفي من أجله؟! وهل تعرفون ماذا كان رد فعله بعد اكتشافي لأمره؟ أدخلني إلى عالمه الشقي وأنا أطيعه كمن لا عقل لها: فجربت لأول مرة الحشيش، وتدرجت حتى وصلت إلى الهيروين ولم أفكر حتى بطفلي اللذين أحملهما .
محاولات العلاج
وبعد أن ساءت حالي، وصل الخبر إلى أمي الطيبة الحبيبة، فلم تقدر على تركي أغرق مع ذلك الحقير، على الرغم مما فعلته معها، ألم أقل لكم إنها الأم الحنون، فجاءت وأخذتني لبيتنا بمعاونة أشقائي، وطلبوا لي الطلاق، وشرعوا في علاجي، حيث أدخلوني مستشفى الطب النفسي أكثر من ست مرات بلا فائدة، حيث كنت أرجع إلى وحل الإدمان مرة أخرى بعد أن سكن المخدر جسدي وتمكن مني، وفي أثناء ذلك ولدت بنتين جميلتين، لكن لم يشعرني ذلك أبدا بأمومتي؛ فقد أفقدني المخدر حتى إنسانيتي، وجزى الله أمي عني خيرًا، فقد تولتهما منذ ولدتهما كما تولتني في صغري، وتنكرت لها في كبري، وبعد أن باءت محاولات أهلي لعلاجي بالفشل، حيث كنت أرجع مرة أخرى إلى السم عن طريق شراء المخدر بأي طريقة قدرت عليها، ولو بسرقة المال من أمي أو سرقة هواتف أخواتي.. هل رأيتم كيف تحولت إلى مسخ جائع لا هم له إلا الحصول على ذلك السم؟!
حتى بدأت بحقن نفسي عن طريق الإبر ولأول مرة، حينها تيقن أهلي بأن آخر العلاج الكي، وأنه لابد من ذلك حتى لا يجدوني يومًا وقد سقطت بجرعة زائدة، هل تعرفون ما ذلك العلاج المر، والذي كان أشد مرارة علي مما كنت فيه؟ لقد أبلغ عني أخي المباحث بعد الاتفاق مع قريب لنا يعمل هناك لضمان عدم حصولي على المخدر، ولا أنسى ذلك اليوم الذيدخل علي أخي وأنا في غرفتي شبه غائبة عن الوعي، وقال لأمي ساعديها لتغيير ملابسها ولتأتي لي في الطابق الأرضي، فأنا أنتظرها، وعندما دخلت وجدت مجموعة من الرجال ومعهم أخي الأكبر، فقالوا لي: اخرجي معنا بهدوء فنحن من المباحث.
دخول السجن
دخلت السجن بتهمة التعاطي، وصدقوني لا أستطيع أن أصف لكم ما عانيته منذ ذلك اليوم، يا ليتني لم أكن من الأحياء، أو يا ليت أخي قد دفنني ولم يرسلني إلى هذا العذاب، فقد كانت بداية دخولي إلى السجن عذابًا لا يوصف حيث حملت إلى المستشفى مرات عديدة ما بين الحياة والموت، وإخواني يراقبونني من بعيد.
حتى بدأت الحياة تدب في من جديد، وصار لي إحساس وشعور كباقي البشر، وأصبحت أفكر في حالي وما كنت فيه وأهلي وأمي وابنتي، لقد من الله علي بالشفاء، لكن السجن ومرارته، والزنازين وقسوتها، والذل والندم كلها مشاعر مؤلمة تعصف بقلبي كل يوم، لم يخففها عليَّ بعد الله إلا زيارة الحبيبة لي في السجن مع إخوتي، بالإضافة إلى انضمامي إلى حصص مركز الرشاد حيث عرفت الطريق إلى الله تعالى عرفت معنى التوبة الحقيقية، والتي لابد أن تقترن بالرجوع إلى الله والوقوف بين يديه، والاستعانة به، لقد عرفت لم كنت لا أستمر في الإقلاع عن المخدرات سابقًا لأنها كانت توبة ناقصة باهتة لا حياة فيها، فالإيمان بالله هو حياة القلوب والأجساد معًا، واليوم بعد مرور ثمانية أشهر على سجني أسأل الله أن يثبتني على ما أنا عليه، وأن يزيدني من فضله، وأن يهون علي ألم الحسرة والندم!
استشارة واستخارة
رسالة مؤثرة نقلتها كما هي حتى بأخطائها اللغوية والنحوية، تدق جرس التفكير والتروي والاستشارة والاستخارة، قبل أي خطوة يخطوها بشر على بساط الدنيا المفروشة لقد كانت البداية تحذيرًا يردده الوالدان ليلًا ونهاراً: لا تتحدثي ابنتي مع رجل ليس لك بمحرم، وتستهين الفتاة بالتحذير، وتتصور أنهما يبالغان كثيرًا فيما يقولان، وتتصور أن الأمر أبسط كثيرا جدا مما يتصوران، ثم يحدث ما مرت به بعد ذلك من فتنة تلو الأخرى حتى حادت تماما عن الطريق.
ذبول وردة
رأيت أيضًا في السجن فتاة في مقتبل عمرها، ولكن نضارة الوردة قد ذبلت بعد قطفها قبل أوانها فطالما حذرها ليس فقط والداها ولكن كل من له ألف باء في خبرة الحياة ألا تدخل مسكنًا لصديقة من قبل أن تعرف من فيه، أو ماهية هذا المنزل، وبالطبع ليس هي فقط ولكن كثيرًا من الفتيات يجدن أن هذا الحذر غير مبرر، إنها تزور صديقتها فما الداعي لهذه الاحتياطات العتيقة في رأيها؟ وحدث ما حذرها منه الجميع، دخلت المنزل بعفوية وطفولة وبراءة، لا تتوافر لها أركان الحماية الكافية، وكانت النتيجة مفجعة خسرت فيها أعز ما تملك فتاة في الدنيا وليس ذلك فقط بل مع قضبان زنزانة تلتف سجن هلي على عنقها بثقلها ليلًا ونهارًا.
تود السجينة أن يرجع بها الزمن قبل لحظة دخولها مباشرة إلى بيت صديقتها فلا تدخله فتصبح حياتها مختلفة تمامًا عما تعانيه الآن ولكن هيهات ثم هيهات.
نصيحة واجبة
أردنا منها أن تنصح الفتيات بكلمة فقالت بحسرة: لا فائدة من النصح، فقد نصحوني كثيرًا، فكل فتاة عليها أن تتنازل قليلًا عن قناعاتها، وعليها إخضاع رغباتها وأسلوب حياتها لبعض التجارب، والعمل ببعض النصائح، ولكن ما يحدث في الواقع أن أحدًا لا يتنازل والجميع يتصورون أنه خلق ليتحدى هذه النصائح على اعتبار أنها ليس لها داعٍ، فقد تطور الزمن ولن يعيش الأبناء في كهف آبائهم وأمهاتهم كما يقولون كانت الحسرة تحيط بها من كل مكان واليأس يكاد يلتهمها التهامًا إلا بقية من أمل في عفو الله سبحانه وغفرانه.
وقد أتاح الله سبحانه لنا فرصا لنتغير بدون حرج أو تنازل إلا لله رب العالمين، وها هي الفرصة سانحة بين أيدينا، وقد غلفنا شهر ليلًا رمضان برحماته ، أن نبدأ في التغيير بحجة الشهر الكريم .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل