; خذوا القرآن عقيدة ومنهج حياة | مجلة المجتمع

العنوان خذوا القرآن عقيدة ومنهج حياة

الكاتب الشيخ معوض عوض إبراهيم

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1985

مشاهدات 53

نشر في العدد 721

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 11-يونيو-1985

 القرآن الكريم ليس ككل كلام من جهة معناه أو من جهة مبناه.. إنه كتاب الدين والدنيا على سواء، بكل ما يتسع له اللفظان من أغراض وهدايات، إنه دعوة إلى توحيد الله وحقيقة الإيمان، وإرساء العقيدة، وإيجاب العبادة، وبيان السلوك، ووضع ما مضى من أمور في مجال العبرة والتأسي للأمة التي أراد الله أن تكون الوارثة لكلماته القائمة بمراداته، جلت حكمته، ما بقي الناس ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾(البقرة: ١٤٣).

 وهو كتاب يبرز الحقوق والواجبات على مستوى الأفراد والجماعات والأسر والشعوب، على نحو يثمر صلاحها ليتبنى ومثيلاتها مجتمع الخير، الذي كان بالإسلام ردحًا من الزمان كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم... الحديث». وكم قدم الإسلام لمجتمع الخير، وما زال قادرًا على أن يقدم، الأنظمة والقوانين التي يترابط بها مع الموافق والمخالف بوضوح وكرامة عبر الأجيال وكر العصور، إلى ما يحفل به من تاريخ من عبر، ممن آمن أو كفر، ولكن لتواصل المسيرة خلف الأخيار ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ (النور: 44).

 لقد واكب القرآن سير الدعوة في مكة من أول يوم وفي المدينة، حتى أكمل الله الدين وأتم به النعمة، فقال تعالى: ﴿ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ (المائدة: 3).

 كان يجيب على كل سؤال يتجه، ويبادر كل حدث يعرض، بما يميط اللثام عن الحق فيؤخذ، ويرفع الحجب عن الشبهات والشهوات لنمضي في طريق الصواب جادين مطمئنين هذا القرآن، بما يحمل في أطوائه مما لا بد للحياةمنه كي تكون حياة رائدة.

 وبتراثه الفريد بالقضايا التي لا يستغني المؤمن في شتى أحواله عن قضية منها واحدة، ما كان يأخذ منهج كماله إلا وهو يتنزل كما قال تعالى: ﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا﴾ (الإسراء: 106). إنه تنزل آية بعد آية، أو آيتين وآيات وراد مثلها في هذا الأمر أو ذاك، مما ألمحنا إلى بعضه ليرتبط الحديث بالحدث، فيستقر في الأنفس ثم يأخذ بأزمة العقول ثم تتحرك به الألسنة، وتترجمه الجوارح آثارًا دالة على الإيمان والإذعان لله، والانفعال بمنهجه تعالى، والقدرة على أدائه للأجيال بما تجدد متغيرات الحياة من معانيه، وما تؤكد من حقائق جدته، وضرورته لها، وللأجيال جميعًا.

 ﴿وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ (النمل: 93) ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ﴾ (فصلت: 53).

 لقد ألف الناس أن يرسلوا كلامهم إرسالًا، وتجري مؤلفاتهم كما نرى في أبواب وفصول، تستوعب موضوعاتهم بقدر ما أوتوا من علم، على غير ما تفرد به القرآن الكريم.

 يقول السيد أبو الأعلى المودودي -رحمه الله- في رسالة «مبادئ إسلامية لفهم القرآن» تحت عنوان «كيف رتبت آيات القرآن».

 إن وضع الآيات المتجانسة في المباحث في موضوع واحد، لا يوافقه طبيعة هذا الكتاب، بل من غير ما تقتضيه طبيعته، هو أن يجد القارئ أثناء دراسته القرآن، الآيات المكية.. تتخللها الآيات المدنية.. والمواعظ الابتدائية تحف بها الوصايا النهائية، وتعاليم المرحلة الختامية، تواكبها تعاليم المرحلة الابتدائية.. حتى قال: «والله تعالى كان يريد أن يجمع كلامه، ويحفظ في مصحف، خالصًا نقيًا لا

يشوبه شائبة من الزيادات، ولا يمازجه كلام غيره، يرتب على ما هو عليه من الإيجاز والإعجاز معنى وصورة لتيسير قراءته لكل فرد من الأفراد، الصغير منهم والكبير، والناشئ والكهل، الرجل والمرأة، الرجل العادي والعالم الضليع، في المدن والقرى، في كل زمان ومكان، في كل حال وواقع، وليدرك جميع الناس -مهما اختلفت درجات عقولهم- ماذا يريد الله منهم وماذا لا يريد، ومن الواضح أنه لو أضيف إلى القرآن تاريخه المطول وجعلت تلاوته أمرًا لازمًا مع تلاوة القرآن لضاع هذا الغرض»..

 أقول وبالتيسر قراءة القرآن الكريم على هذا النحو من غرض، ما زال وسيبقى مظهر إرادة الله في حفظ كتابه، وبقائه حجة في الدنيا والآخرة، وما كان هذا الغرض الجليل يحصل -على تعدد مقاصد القرآن- لو أن كتاب الله تعالى نزل -كما عارض المشركون وعرضوا- جملة واحدة، تتداخل فيها وتتصل مثل آيات العقيدة بما وراءها من أعراض وغايات، يقول السيد المودودي: 

 «كان الله -من خلال صراع الدعوة- ينزل على نبيه بحسب المناسبات، واقتضاء الحاجة آيات هياجة في جريانها كالنهر الجاري، وفي قوتها كالفيضان الهائل، وفي تأثيرها كالنار المضطرمة.. وفي هذه الآيات أخبر المؤمنون بواجباتهم الابتدائية، وبعث فيهم الوعي الجماعي الحركي، وعلموا الورع والتقوى ومكارم الأخلاق وطهارة السلوك، ولقنوا مناهج تبليغ الدين القيم، وطرق إقامته» وهو -رحمه الله-يلفت النظر إلى حقيقة علمية، يزداد بها الدارس علمًا بأن الترتيب الحالي للقرآن الكريم، وفي آياته بخاصة وفي تتابع سوره في المصحف ما قام به الذين جاءوا بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بل هو توقيفي وضعه النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه بتوقيف من جبريل عليه السلام، وكان من عادته -صلى الله عليه وسلم -أنه كلما نزلت سورة من سور القرآن، كان يدعو بعض كتابه ويأمر بكتابتها ووضعها -كما قال- عقب سورة كذا، دليل سورة كذا، وكذلك حين ينزل شيء من القرآن آية أو بضع آيات ولم يرد جعله سورة مستقلة، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بوضعه في موضع كذا من سورة كذا.. ووفق هذا الترتيب نفسه كان -صلى الله عليه وسلم- يتلو القرآن في الصلوات وغيرها من المناسبات».

 وهو كلام قرره الدكتور الشيخ محمد عبد الله دراز -رحمه الله- في الفصل الثاني من كتابه المدخل إلى القرآن الكريم»، قال: 

 «فقد نزل القرآن أجزاء متفرقة، تتباين أطوالها من سورة كاملة إلى آية واحدة، وأحيانًا إلى جزء من الآية، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتلو كل جزء ينزل عليه ويعلمه للمسلمين، ليصل عن طريقهم إلى من لم يسمعه من فم الرسول -صلى الله عليه وسلم- مباشرة». وذكر حرص الصحابة على سماع القرآن أول ما يوحى إلى الرسول لدواعٍ شريفة، وكان الأعداء لهم مثل ذلك الحرص وإن اختلفت دواعيهم بين الإعجاب ببلاغة، وبين تلمس ما يتوهمونه ضعفًا فيه للإشفاق عليه، حتى قال رحمه الله: «إن مجموعات الآيات المنزلة لم تكن لتبقى منعزلة بعضها عن بعض، ولا أن تتوالى في ترتيب زمني بعضها تلو الأخرى بحسب نزول الوحي، فقد كانت مجموعات كثيرة منها تتزايد بمعزل عن مجموعات أخرى، وتكون تدريجيًا مجموعات مستقلة بعد أن تنضم إليها آيات أخرى نزلت بعدها وإن بعضها كانت تضاف هنا، وإن غيرها كانت تتداخل مع غيرها هناك، بحسب أمر الرسول الصريح الذي كان يتلقاه بدوره من الروح القدس».

 هذا هو القرآن في مبناه آيات وسور تطيب بهذا الجانب فيه نفوس المؤمنين، فماذا قال المشركون في ذلك عادين؟

الرابط المختصر :