; خرافات أمريكية: مبرّرات «علمية» للظلم الطبقي.. وخرافة تفوق البيض! | مجلة المجتمع

العنوان خرافات أمريكية: مبرّرات «علمية» للظلم الطبقي.. وخرافة تفوق البيض!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-سبتمبر-1971

مشاهدات 84

نشر في العدد 78

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 21-سبتمبر-1971

خرافات أمريكية

مبرّرات «علمية» للظلم الطبقي.. وخرافة تفوق البيض

 

ظل دعاة المساواة والعدالة الاجتماعية منذ عصور طويلة يبشرون بمجتمع لا طبقي تكون وسيلته إلى تحقيق هذه المساواة تكافؤ الفرص، وقد اعتبر أحد علماء جامعة هارفارد مؤخرًا هذا المثال بأنه وهم كبير، ويقول ريتشارد هرنشتين -وهو اسم هذا العالم -بأن المساواة التعليمية والحركة غير المقيدة بين الطبقات بحيث لا يكون هناك موانع أمام أعضاء الطبقات الدنيا للصعود إلى الطبقة العليا في المجتمع سوف تقود إلى مجتمع طبقي وتشكل الطبقات الدنيا منه المنبوذين بسبب الوراثة.

وقد نشر البروفسور ريتشارد هذا الرأي في مقالته في مجلة أتلانتيك الشهرية ويقول في المقال: إنه بعد مراجعة الأبحاث الرئيسية حول الموضوع منذ بداية هذا القرن أنه خرج باستنتاج واحد هو: أن الذكاء أمر وراثي لحد كبير.

ويبرهن هرنشتين على نظريته بقوله إن نتائج اختبارات الذكاء هي التي تحدد المكانة الاجتماعية لأي فرد في أمريكا واختبارات الذكاء هي مجموعة من الأسئلة يجيب عليها الأطفال في المدارس الابتدائية ثم عند دخولهم المدارس الثانوية في وقت محدد وتظل العلامات التي يحصل عليها الطفل في هذه المراحل هي التي تحدد قبوله في الجامعات وقبوله في بعض الوظائف فهناك جامعات لا تقبل من يحصلون على علامات أقل من ۸۱ %، وهناك مستوى لا يقل عن ٩٠ %.

ويستنتج هرنشتين من ذلك أن الأمة الأمريكية لديها طبقة عليا حاكمة حصلت على علاقات عالية في اختبارات الذكاء وطبقة دنيا تضم كل الذين حصلوا على علامات أقل من المتوسط في هذه الاختبارات، ويعتقد أن الفروق بين هاتين الطبقتين ستزداد حدة.

ويصل هرنشتين إلى مدى خطير في استنتاجاته بقوله إنه كلما نجحت الولايات المتحدة في إعطاء كل مواطن الفرصة لكي يصل إلى أقصى ما تسمح به طاقته ومستوى إمكانياته كلما أدى ذلك إلى تركيز الثروة والمكانة الاجتماعية في مجموعة قليلة تقف في قمة السلم، وبينما يتجمع في أسفل السلم «الفضالة الإنسانية» وهؤلاء غالبًا ما يكون أبناء لآباء سقطوا هم الآخرون في ارتقاء سلم الذكاء والمقدرة العقلية.

وفي جزء كبير من نظرية هرنشتين نجده قد تفادى القضية العنصرية بينما ركز انتباهه على التأثيرات النسبية للوراثة والبيئة في تشكيل الذكاء لدى الفرد.

ولكن الأوساط العلمية تدرس موضوع الوراثة والبيئة أساسًا على أمل إيجاد حل للفرق الذي يوحد بين الأمريكي الأبيض والأمريكي الزنجي في علامات اختبارات الذكاء والتي تصل إلى حوالي 15 درجة بينهما.  

وبذلك أصبحت دراسـة هرنشتين إحدى الوثائق التي أضافت وفودًا جديدًا للنزاع المستمر حول الاختلافات بين الأجناس البشرية، ففي عام ١٩٦٥ أصدر مونيهان وهو مستشار سابق للرئيس نيكسون للشئون الاجتماعية وأستاذ في جامعة هارفارد تقريرًا عزى فيه مشاكل السود في الولايات المتحدة إلى الأسرة الزنجية التي تحتل فيها الأم مكانة رئيسية، وفي عام ١٩٦٦ قام العالم الاجتماعي جيمس كولمان بدراسة حول الموضوع نفى فيها دور المدرسة في عرقلة تقدم الزنجي عقليًا ووضع العبء كله على حياة الأسرة الزنجية، وبعد ثلاثة أعوام أي في عام ١٩٦٩ قال العالم الاجتماعي آرثر جنسن الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في دراسة سببت جدلًا أكاديميًا واسعًا بأن العنصر الزنجي يعاني من نقص في قدرته الذهنية وأن مشاكله كلها ترجع إلى نقص في ذكائه عن الرجل الأبيض، ولكى يؤكد جنسن نظريته قام بدراسة واسعة للعوامل التي تؤثر في اختبارات الذكاء واستنتج أن ۸۰ % من أسباب فشل الزنوج في إحراز علامات كبيرة يرجع إلى أسباب وراثية بينما ۲۰ % فقط بسبب ظروف البيئة.

والواقع أن هرنشتين قد ذهب أبعد من جنسن في تأكيد دونية الزنوج من ناحية الذكاء بالنسبة للرجل الأبيض وذلك عندما قال في دراسته إن عنصر الوراثة سيكون أكثر أهمية بالنسبة للوضع الاجتماعي إذا توصل العلماء إلى إيجاد وسائل خارجية لتحسين الذكاء، ويلخص حجته في هذا المثال، إذا افترضنا أننا توصلنا إلى مؤثر بيئي على اختبارات الذكاء مثل غذاء الأم الحامل، فلا شك أن المجتمع سيحاول أن يعطي كل أم مثل هذا الغذاء حتى يحرز أبناؤها درجات ذكاء عالية وبهذا نكون قد جعلنا أفراد المجتمع كلهم على وتيرة واحدة ولديهم نفس الفرصة ولكن عندئذ يكون السبب الرئيسي لاختلاف علامات اختبار الذكاء هو «الجينات» أي يكون مرجعها إلى اختلاف خلايا الوراثة، ولاشك أن الإنسان العادي سيحرز علامات أكثر ولكن الذكاء سيجري في أسر بذاتها بطريقة أكثر وضوحًا عن الآن، وهي الأسر التي تحمل خلايا وراثيه أحسن.

ويعني هرنشتين بذلك أن المكانة الطبقية والاجتماعية ستكون مقصورة على أجيال أسر بذاتها، وبذلك فإن إزالة الحواجز الاجتماعية أمام الحركة بين الطبقات وبالذات الحركة إلى أعلى لن يغير من هذا الواقع، أي أن تكافؤ الفرص وإزالة العقبات الاجتماعية سوف يخلق حواجز بيولوجية وذلك بتقسيم الناس طبقًا للاختلافات الوراثية في الذكاء.

ويعارض هرنشتين أيضًا الأخذ بالنظرية القائلة بأن مجهود السلطة في زيادة الدخل القومي حتى يتسنى إفساح المجال أمام عدد أكثر للوصول إلى قمة السلم ويقول إن هذه وسيلة غير فعالة في إزالة أو تقليل الحواجز بين الطبقات، لا شك أن بعض الفقراء ستتحسن أحوالهم، ولكن نمو الثروة سوف يدفع إلى الطبقات العليا فقط وبالتحديد أعضاء الطبقات الدنيا الذين يملكون أحسن القدرات الذهنية بين بني   جنسهم، وسوف يؤدي ذلك إلى زيادة هوة الاختلاف في مستويات الذكاء بين الطبقات.

وأكثر من ذلك فإن هرنشتين يعتقد أن التقدم التكنولوجي سوف يعقد المشكلة أكثر لأن الآلة سوف تؤدي الوظيفة الأسهل وهذا سيترك العمليات الصعبة في الصناعة للعمال الجدد الأمر الذي سيتطلب كثرة من الذكاء والمقدرة الذهنية، ومن تثبت عدم كفاءته سينضم إلى جيش العاطلين ويستنتج هرنشتين من ذلك «أن الميل إلى البطالة ربما يجري في «جينات» الخلايا الوراثية للأسرة مثلما توارث الأمراض العضوية تمامًا من جيل إلى جيل».

ولا شك أن التنبؤ بوجود نظام للمنبوذين أمر مخيف للغاية، ويعترف هرنشتين بذلك «لأنه يذكرنا بالأرستقراطيات البائدة والطبقات الممتازة والأوضاع الاجتماعية التي ترتبط بالميلاد والنشأة وليس بالجهد والكفاءة، ولكن مع اختلاف هام وهو أن امتيازات الأرستقراطية الجديدة ستكون نابعة من مقدرة وكفاءة أصيلة وموروثة، أي أن هرنشتين يريد أن يوحي إلينا أن الامتيازات التي ستتمتع بها الأرستقراطية الجديدة المبنية على وراثة الذكاء ستكون عادلة للجميع فهي لن تكون نتيجة للاستغلال كما كان أمر الطبقات الأرستقراطية في الماضي، وتحذيرًا لهؤلاء الذين سيثورون على هذه النظرية المتشائمة قال هرنشتين «إن الطبقات التي تمتعت بالامتيازات والسيطرة في الماضي لم تكن أرقى من الناحية البيولوجية والوراثية عن الطبقات الدنيا، وهذا هو السبب في أن الثورات التي قامت ضدهم وإزاحتهم عن مكانتهم تكللت بالنجاح».

وهذا أيضًا يريد هرنشتين أن يعطينا إيحاء جديدًا وهو أن الثورات القادمة ضد الطبقة أو النخبة التي تعتمد في امتيازاتها الطبقية والاجتماعية على الذكاء والوراثة لن يكتب لها النجاح وسيكون مصيرها الفشل.

وأثارت دراسة هرنشتين جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية وثار عليها السود والبيض الذي يعتقدون أن دفاعه عن اختبارات الذكاء لا يستند على أساس علمي لأن نتائج هذه الاختبارات التي تحط من قدرة الزنوج والملونين بوجه عام لا تعكس اختلافًا حقيقيًا في المقدرة الذهنية بين البيض والسود، ولكنها تعكس التحيز الفكري والحرمان الثقافي للزنوج في أمريكا.

وسيطرت على الاستجابة لاستنتاجات هرنشتين ما يسميه العلماء «بالمحددات الثقافية للتفكير العلمي» وهذا الاصطلاح يعني سعي الإنسان وراء الأبحاث والنظريات العلمية لإثبات معتقداتهم الاجتماعية والسياسية وجعلها تبدو في ثوب يكسبها الاحترام والتقدير، والأمثلة على ذلك كثيرة في التاريخ الحديث والقديم.

فالتأكيد في الولايات المتحدة -مثلًا -على البيئة كعامل أساسي في تحديد الذكاء والمقدرات الذهنية للفرد متأثر بمفهوم فكري معين وهو أن كل الناس قد خلقوا متساويين وبالاعتقاد الليبرالي في ضرورة إزالة العوائق أمام الحركة على السلم الاجتماعي وعلى العكس من ذلك فإن الأوربيين في القرن التاسع عشر كانوا يعتقدون في أهمية الوراثة وأنها العامل الحاسم في تحديد الذكاء لأن هذا الاعتقاد يبرر وجود الأرستقراطية الأوربية ويعطي النظام الاجتماعي السائد الاحترام على أنه جزء من طبيعة الأمور التي لا يمكن تغييرها.

ويشير منتقدو هرنشتين إلى أن دراسته سوف تستعمل كذلك لتبرير وتأكيد التفوق الجنسي للرجل الأبيض.

وفي الختام يجب أن نؤكد أن نظرية هرنشتين ليست الكلمة الأخيرة في هذا المجال كما يريد هو ومؤيدوه أن يوحوا إلينا لأن أحدًا لا يمكن أن يتفق معه في النتيجة النهائية لنظريته وهو أن من الأفضل أن يترك المجتمع للجهل حتى لا تتسع هوة الفوارق الذهنية.

الرابط المختصر :