; خريطة الأعراق في قرغيزيا بعد الإطاحة بأكاييف | مجلة المجتمع

العنوان خريطة الأعراق في قرغيزيا بعد الإطاحة بأكاييف

الكاتب عاطف عبدالحميد

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2005

مشاهدات 62

نشر في العدد 1647

نشر في الصفحة 35

السبت 16-أبريل-2005

دولة محبوسة دون إطلالة على بحر مفتوح أو مغلق.. وتحتل في الخريطة الذهنية نموذج الدول البدائية.

● الأقلية الروسية تعرضت لضغوط متزايدة منذ الاستقلال لكنها باتت تلعب دورًا مهمًا منذ عام ١٩٩٥.

● أقلية أوزبكية تركز على الاستقرار في المناطق الحضرية.. وأقلية ألمانية تناقصت بعد الاستقلال.

● أكاييف اجتاز اختبار اللغة القرغيزية كشرط للترشح لمنصب رئيس البلاد في عام0 ۲۰۰ بصعوبة بالغة.

مع الانشغال بالتطورات المتعاقبة في جمهورية قرغيزيا بعد الإطاحة بحكم الرئيس عسكر أكاييف تجرى الاستعدادات والصفقات وحلول الوسط لترتيب الأوضاع السياسية داخل الجمهورية. ومن بين الملفات الشائكة التي لم تطرح بعد على طاولة النقاش احتمالات التوتر بين الأعراق بدرجة قد تعصف بالبلاد، على نحو ما وقع مطلع التسعينيات، فأسقط آلاف القتلى والجرحى.. المقال الحالي محاولة للولوج إلى خريطة الأعراق في قرغيزيا بهدف التعرف على الوضع الداخلي في الدولة قبيل الانتخابات المزمع إجراؤها في يونيو المقبل.

تحتل قرغيزيا موقعًا على خطوط التماس لمناطق متباينة الأعراق والديانات والمذاهب، فحملت إرثًا جغرافيًا سياسيًا ثقيلًا بسبب موقعها الوسيط على طرق التجارة القديمة ومكانتها كإحدى القلاع المهمة في تصادم القوى الدولية والإقليمية. ويزيد من أهمية الدولة وقوعها على خطوط التماس بين الصين شرقًا وآسيا الجنوبية جنوبًا وروسيا شمالًا والعالم الإسلامي في الغرب، كما أن قرغيزيا باتت ذات أهمية جغرافية مضاعفة منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان وإسقاط نظام طالبان وإقامة القواعد العسكرية سواء في الدول المجاورة لقرغيزيا أو على أراضيها نفسها.

 يبلغ عدد سكان قرغيزيا نحو خمسة ملايين نسمة يدين نحو ٨٠ منهم بالإسلام على المذهب السني ونحو ١٨% بالمسيحية على المذهب الأرثوذكسي و ٢ % لديانات أخرى بعضها وثني قليل الشهرة كالشامانية وبعضها ذائع الانتشار في شرق آسيا وجنوبها كالبوذية, وحسب المصادر التاريخية فقد وصل الإسلام إلى قرغيزيا منذ نحو ۱۳۰۰ سنة مضت.

في المقابل تعاني قرغيزيا اقتصاديًا من انحباسها في قلب جمهوريات آسيا الوسطى دون أية إطلالة على بحر مفتوح أو حتى بحر مغلق كبحر قزوين الثري بالنفط والغاز والذي تحظى بالإطلال عليه كازاخستان وتركمانستان.

ولا يشبهها في هذا الانحباس وذلك الفقر الاقتصادي سوى جمهورية طاجيكستان المجاورة. وقد انعكس هذا الموقع على اعتماد قرغيزيا في تجارتها وارتباطها الثقافي والديني بالمراكز الكبرى المحيطة بها وخاصة في جمهورية أوزبكستان غربًا وكازاخستان ومن ثم روسيا شمالًا والصين شرقًا. هذا وتحتل قرغيزيا في الخريطة الذهنية للكثيرين نموذجًا لدولة بدائية تمتزج بها الثقافة القبلية بنشاطي الرعي والزراعة.

● الخريطة العرقية

تتألف قرغيزيا بحسب آخر الإحصاءات من المزيج الذي يعرضه الشكل (رقم ۲) والذي يوضح التوزيع النسبي للأعراق في قرغيزيا.

يتضح من الشكل أن أكثر من ثلث سكان الدولة متفرقون بين العديد من الأقليات أهمها الأقلية الروسية والأوكرانية والأوزبكية والدونغينية والإيجورية والطاجيكية، وبقايا جاليات ألمانية.

● الأقلية الأوزبكية

يشغل الأوزبك أخطر صفحات ملف الأقليات في قرغيزيا، ومنذ عام ١٩٩٠ - الذي اشتبك فيه الأوزبك مع القرغيز - صارت هذه الأقلية الأكثر أهمية في الدولة, خاصة وأن أهم الحركات الإسلامية ذات المشروعات السياسية تتركز في مناطق انتشار الأوزبك في جنوب البلاد. يضاف إلى ذلك أن المشتغلين بقضايا الإسلام السياسي في الغرب يفرقون بين القرغيز الأكثر تساهلًا والأوزيك الأكثر تشددًا فيما يخص طموحات الحكم الإسلامي. وقد اتخذت قرغيزيا إبان حكم عسكر أكاييف من العلمانية مرجعًا لإدارة الدولة, ولا يبدو أن المعارضة التي وصلت إلى السلطة الآن ستغير من هذا النهج في شيء.

تزايدت نسبة الأوزيك من 10% في عام ۱۹۳۹ إلى أكثر من ١٤ % في السنوات الأخيرة, وفى المقاطعات الجنوبية كانوا الأقلية الأكثر بروزًا في الدولة، حيث بلغت نسبتهم ٢٥% من إجمالي سكان إقليم أوش و٤٠ % من إجمالي سكان جلال آباد.

ورغم هذه النسب الكبيرة يسجل الباحثون في الشأن القرغيزي شعورًا متزايدًا من القلق والتوتر والشعور بعدم الأمن بين الأقلية الأوزبكية، وتنبع مخاوفهم من توجه الحكومة القرغيزية منذ الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي في نهاية عام ۱۹۹۱ إلى تقليص الدولة حتى في الأقاليم التي يشكلون فيها أقلية معتبرة, ففى إقليم أوش الذي يشكلون فيه ربع إجمالي السكان اشتكى الأوزبك من تقليص مواقعهم الوظيفية إلى أقل من5% من إجمالي الوظائف بالإقليم.   

وبشكل متواز تململ زعماء الأقلية الأوزبكية من إهمال الحكومة لمطالبهم المنادية بالاعتناء بالحقوق الثقافية وخاصة ما يتعلق باللغة الأوزبكية، في ظل تكرار الشكوى من أن بشكيك تعتني باللغة الروسية وتحتفي بها، بينما تهمل اللغة الأوزبكية رغم تفوق أعداد الأوزيك على الروس في البلاد.

وإذا وضعنا في اعتبارنا أن الأقلية الأوزبكية تعيش في مستوى معيشي أفضل. بسبب ما تحتكره من مواقع حساسة في الاقتصاد القرغيزي خاصة في التجارة والنقل والصناعات اليدوية يمكن حينها فهم التوتر المتزايد بين القرغيز والأوزيك كما أن الأقلية الأوزبكية تركز على الاستقرار في المناطق الحضرية فتسكن المدن الكبرى، حيث الفرص أفضل في الدخل مقارنة بالمناطق الريفية الفقيرة التي يعيش فيها القرغيز.

وعلى مدى عشرين سنة مضت تدفق عدد كبير من الشباب القرغيزي على المدن؛ بحثًا عن فرص للعمل وتحسين مستوى معيشته المتدني، فاصطدموا بالوجود الاقتصادي المهيمن للأقلية الأوزبكية. ويمكن فهم جزء من الأحداث الدامية التي نشبت في عام ۱۹۹۰ على خلفية هذه الاعتبارات.

● شعارات الأجنحة المتشددة

وتتفاوت مواقف الأقلية الأوزبكية تجاه هذه الأوضاع بين مهدئ متعايش، وثائر عنيف، وأخطر شعارات الأجنحة المتشددة في الأقلية الأوزبكية تلك التي تطالب بحكم فيدرالي، أو الانفصال بالمقاطعات الجنوبية عن قرغيزيا، أو الانضمام إلى أوزبكستان الأم المجاورة. هذا على الرغم من أن المطالب الأوزبكية في أراضي قرغيزية كان قد تم تجنب إثارتها منذ اعتلاء الرئيس إسلام كريموف للسلطة في أوزبكستان.

 بهذه الحساسية يخشى القائمون على تدبير الأمر في المعارضة القرغيزية التي قامت بالانقلاب والإطاحة بأكاييف في مارس الماضي من أن تنفلت الأمور لدى هذه الأغلبية فتستغل الوضع المتوتر في الدولة.

● الأقلية الروسية

لا تنبع أهمية السكان الروس في قرغيزيا من تاريخ وجودهم منذ إحكام السيطرة الروسية على البلاد على مدى القرنين الماضيين فحسب، بل ترتبط قرغيزيا بروسيا بعلاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية وثقافية تجعل العلاقة مع السكان الروس البالغ نسبتهم ١٣ % من إجمالي السكان قضية على درجة كبيرة من الأهمية، وتتجاوز مجرد أقلية تخلفت عن الخروج السوفييتي من قرغيزيا مع تفكك الدولة، كما تفوق مجرد النظرة إلى روسيا من زاوية «الأخ الأكبر المتسلط».

وقد ظلت الأقلية الروسية تعيش وضعًا مثاليًا حينما كانت قرغيزيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي، فقد تمتع الروس في قرغيزيا بأفضل الوظائف الإدارية والتعليمية وتمركزوا في أفضل المناطق الحضرية في العاصمة بيشكيك ومدن الشمال، ومن ثم فقد وقعت في أيديهم أكثر الخبرات الطبية والأكاديمية والفنية، وبدا أن الاستغناء عنهم يوقع البلاد في أزمة وظيفية.

● الأقلية الألمانية

وهو أمر تكرر مع الأقلية الألمانية التي تناقص عددها بعد استقلال قرغيزيا من ١٠٠,٠٠٠ في عام ١٩٩١ إلى نحو 10.000 في عام ۲۰۰۰، بعد أن هاجروا إلى وطنهم «جاءوا إلى قرغيزيا نتيجة نقلهم قسرًا في عهد ستالين من الأجزاء الغربية للاتحاد السوفييتي إبان الغزو النازي للاتحاد السوفييتي خشية أن يتعاونوا مع الجيش الألماني ضد السوفييت». ترك الألمان وراءهم وظائف شديدة الحساسية دون إحلال من العمالة القرغيزية غير المدربة خاصة في المهن الصناعية والطبية.

غير أن فترة الرخاء التي عاشتها الأقلية الروسية انقلبت سوءًا بعد استقلال قرغيزيا ونمو الحركة القومية القرغيزية المطالبة برحيل الروس المستعمرين والمستحوذين على أفضل فرص للعمل.

● اللغة القومية

هكذا تعرضت الأقلية الروسية لضغوط متزايدة منذ الاستقلال, كانت النقطة المحورية هي تبني الدولة قانون اللغة القومية الذي افترض التحول إلى استخدام اللغة القرغيزية في الإدارة والتعليم بدلًا من اللغة الروسية.

ووقعت الأقلية الروسية والأوكرانية في معضلة التعامل مع اللغة القرغيزية صعبة التعلم، خاصة أن المدارس القرغيزية كانت قد توقفت عن تدريس اللغة القرغيزية منذ الستينيات. ولهذا فقد بدا هذا القانون وكأنه تمييز ضد الروس والمتحدثين بالروسية، واعتبره الكثيرون حتى من القرغيز توجهًا غير عملي لنسبة معتبرة من السكان لا يعرفون من اللغة المحلية شيئًا. بل إن الأمر بدا صعبًا للغاية بالنسبة لكثير من القرغيز «المتروسنين» المتأثرين بالثقافة الروسية، ولنتذكر هنا أن المعارضة قد سجلت أن الرئيس أكاييف قد اجتاز اختبار اللغة القرغيزية كشرط للترشح لمنصب رئيس البلاد في عام ٢٠٠٠ بصعوبة بالغة! وإن كان المراقبون قد سجلوا في المقابل أن زعيم المعارضة فيلكس كولوف لم يكن يتحدث لغة وطنه ولا يجيد كتابتها حين اختير نائبًا للرئيس القرغيزي مطلع التسعينيات.

● تزايد المخاوف

هذا وقد دخلت عوامل جديدة تتعلق بقضية «عدم الارتياح الاجتماعي» الذي بدأ يعانيه الروس وبصفة خاصة من جراء تزايد النغمة القومية على ألسنة عديد من السياسيين، وفي السنوات الخمس الأولى من الاستقلال تزايدت هذه المخاوف مع تنامي احتلال القرغيز مواقع متنامية في الاقتصاد والأعمال والإدارة والحياة السياسية على حساب الأقلية الروسية.

وبينما اتخذ غالبية الروس مواقف معتدلة وسعوا نحو التهدئة بزعامة حركتي «المؤسسة السلافية»، و«اتفاق» اللتين نادتا بالجنسية المزدوجة واعتماد اللغة الروسية كلغة رسمية ثانية للبلاد، إلا أنه في المقابل بزغت حركات روسية متطرفة خاضت صراعًا متواصلًا من أجل اعتراف السلطة بها، ورفع بعضها شعارات راديكالية نادت باستعادة حدود روسيا العظمي وإخضاع قرغيزيا لحكم موسكو وبات الروس يلعبون منذ عام ١٩٩٥ دور اللوبي الانتخابي، فأعلنوا أكثر من مرة أنهم سيعطون أصواتهم للمرشح الرئاسي الذي سيحقق مصالحهم. لذا فهم ورقة مهمة في التطور السياسي الذي ستعيشه قرغيزيا في انتخابات الرئاسة في يونيو ٢٠٠٥ نتذكر هنا أن الرئيس المخلوع عسكر أكاييف كان قد قدم ضمانات كبيرة للأقلية الروسية بحكم علاقاته الجيدة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورعاية بلاده للقاعدة العسكرية الروسية قرب العاصمة بشكيك.

إضافة إلى الأقليتين الأوزبكية والروسية هناك نسب أقل للأقليات من الدول المجاورة خاصة الطاجيك والإيجور, ولعل الأقلية الأويجورية من سكان إقليم تركستان الشرقية الخاضعة للسيطرة الصينية على درجة كبيرة من الأهمية. تعتني الصين اعتناء كبيرًا بمتابعة شؤون التحرك السياسي للأقلية الإيجورية داخل الأراضي القرغيزية، وتعقد بكين اتفاقيات مع بشكيك بشأن الأمن الجماعي في المنطقة وتنسيق مكافحة الحركات الأصولية والهدف مراقبة ارتباط حركة الانفصال الإيجورية بدعم تتلقاه من الأراضي القرغيزية. 

ونظرًا لما تمثله الصين لقرغيزيا من أهمية سياسية واقتصادية كبرى فليس من المتوقع أن تهمل المعارضة التي قادت الانقلاب الذي شهدته البلاد مؤخرًا ملف الأقلية الإيجورية، خاصة أن قضايا الحركات الإسلامية في البلاد وفي الأقاليم الحدودية على وجه الخصوص تتسم بحساسية بالغة. 

لا تكتمل حلقات الملف العرقي في قرغيزيا بدون التعرض لقضية الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي. صحيح أن المعارضة التي صعدت إلى السلطة بعد الإطاحة بنظام عسكر أكاييف ليست ذات توجهات دينية إسلامية، ويبدو أن منهجها لن يختلف عن حكم أكاييف ذي الصبغة العلمانية، إلا أن هذه المعارضة - حين تتملك السلطة بعد الانتخابات المقبلة في يونيو ٢٠٠٥ - لن تنجو من مواجهة الملف الأكثر سخونة في البلاد وهو احتمال الاصطدام بالحركات الإسلامية، وفي مقدمة هذه الحركات حزب التحرير الإسلامي المحظور في قرغيزيا وباقي الدول المحيطة، وهو ما يحتاج إلى معالجة مستفيضة.

●  مصادر الدراسة

الخريطة العرقية لقرغيزيا نقلًا عن:

Giampaolo Gapisai (2000), A Heterogeneous population of Kyrgyzstan. I.B Tauris Publisher, London

  • تقديرات الأقليتين الأوزبكية والروسية نقلًا عن الدراسة الميدانية لـ:

John Anderson (2000) Kyrgyzstan, Central Asia's island of democracy?

مقالات ذات صلة:

  • عاطف عبد الحميد «أكاييف قرغيزيا.. رحلة المستنير إلى الديكتاتورية» مقال بصفحة مجاهيل ومشاهير، شبكة إسلام أون لاين نت بتاريخ ٢٠/٣/٢٠٠٥

عاطف عبد الحميد «آسيا الوسطى.. فيروس الثورة يتوغل» مقال بصفحة شؤون سياسية بشبكة إسلام أون لاين نت بتاريخ٢٤/٣/٢٠٠٥

الرابط المختصر :