العنوان خريطة الطريق المسدود والاستحقاق الكبير المطلوب من حكومة «أبو مازن»
الكاتب أحمد كرماوي
تاريخ النشر السبت 10-مايو-2003
مشاهدات 56
نشر في العدد 1550
نشر في الصفحة 36
السبت 10-مايو-2003
مثلما اختلف الساسة والكتاب على تسميتها، سيختلفون على تفاصيلها وتطبيقها، هل هي خطة أم خريطة «أم خارطة.. وهذا شكل آخر من الاختلاف» أم برنامج عمل أم تسوية أم ماذا؟ لكن ما ليس عليه خلاف هو أن الخريطة لن تأتي بخير للفلسطينيين، بل إن الساحة الفلسطينية يبدو أنها مقبلة على أخطر مراحلها وأشدها قتامة.
ومن المفارقات أن اللاعب الأمريكي يدخل الساحة الفلسطينية كل مرة مدفوعًا بنشوة انتصار طازج، لفرض إرادته وسياسته على الشعب الفلسطيني، وإلزامه بتقديم التنازلات عن أرضه وحقوقه؟ ففي المرة الأولى ما إن وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها بانتصار أمريكي على النظام العراقي في فبراير ۱۹۹۱، حتى استعجل وزير الخارجية جيمس بيكر التحضير لمؤتمر مدريد الذي كان فاتحة اتفاق أوسلو المشؤوم عام ۱۹۹۳، وما إن وضعت الحرب الأمريكية الثانية على العراق أوزارها الشهر الماضي بتحقيق انتصار أمريكي واضح، حتى تحركت الإدارة الأمريكية من جديد لتحريك وتسليك خريطة الطريق المسدود.
قبل أيام قدم ۸۸ عضوًا في مجلس الشيوخ، و٣١٣ عضوًا في مجلس النواب الأمريكيين رسائل إلى الرئيس بوش، تطالبه بدعوة الفلسطينيين في المقام الأول إلى تفكيك الجماعات الإرهابية كشرط لبدء المفاوضات معهم، وهو الموقف الذي يطالب به أربيل شارون نفسه، وستتولى المخابرات المركزية الأمريكية (سي إي إيه) مراقبة مدى نجاح أبو مازن وحكومته في وقف العمل الفلسطيني المسلح ضد الاحتلال، وكانت «إسرائيل» قد طلبت أن تقوم هي بهذه المراقبة، لكن المجموعة الرباعية رفضت ذلك باعتبارها طرفًا في النزاع.
خريطة الطريق التي قدمتها المجموعة الرباعية إلى حكومتي شارون ومحمود عباس تنقسم إلى ثلاث مراحل، ينبغي أن تنتهي مع نهاية عام ۲۰۰٥ أو ۲۰۰٦ (!) لكن كل مرحلة من هذه المراحل لن تبدأ إلا بعد الانتهاء من المرحلة التي قبلها.
المرحلة الأولى: هي إنهاء المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد الاحتلال الصهيوني، ثم بناء المؤسسات الفلسطينية، وفي هذه المرحلة سيكون على الفلسطينيين وضع حد لكل أشكال العنف والتحريض ضد إسرائيل، أما شارون الإرهابي فسيقوم باتخاذ كل الإجراءات الضرورية لمساعدة الفلسطينيين على العودة إلى حياتهم الطبيعية، بما في ذلك الانسحاب من المناطق التي احتلها جيشه منذ سبتمبر عام ۲۰۰۰ أي منذ بدء انتفاضة الأقصى، كما ستقوم حكومة شارون بتفكيك النقاط الاستيطانية التي قامت منذ مارس ۲۰۰۱، وتجميد بناء المستوطنات اليهودية الأخرى، وسيقوم الفلسطينيون بعملية الإصلاح السياسي! خلال هذه المرحلة، بينما يصدر كل طرف بيانًا يضمن فيه حق الآخر في البقاء والعيش في دولته.
أما المرحلة الثانية: فستكون انتقالية يعقد فيها مؤتمر دولي للسلام بين الكيان الغاصب من جهة، وسورية ولبنان من جهة أخرى، وهو ما سيؤدي إلى بدء مفاوضات إسرائيلية – فلسطينية تضع حدود الدولة الفلسطينية المنتظرة.
أما المرحلة الثالثة: فسيتم فيها عقد اتفاق الوضع الدائم وإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي حسبما يتصورون، حيث سيعقد مؤتمر دولي آخر للمصادقة على الاتفاقات بخصوص الدولة الفلسطينية واتفاقات الوضع النهائي على قضايا المستوطنات والقدس واللاجئين، ووفقًا للخطة فإن اتفاق الوضع النهائي سيؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وسينهي الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة مع نهاية العام ٢٠٠٥.
ويتوجب على حكومة شارون بموجب خريطة الطريق، تجميد «وليس وقف» النشاط الاستيطاني ووقف عمليات إبعاد الفلسطينيين والهجمات على «المدنيين الفلسطينيين»، ووقف عمليات هدم منازل الفلسطينيين.
من الواضح أن المرحلة الأولى هي الأصعب؛ لأن حكومة أبو مازن مهما نجحت في مهمتها «الوحيدة»، وهي القضاء على المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني، فإن شارون لن يعدم وسيلة ولا حيلة يتنصل بها من التزامه تجاه الخريطة، وهو ما يعني بالتأكيد أنه لن تكون هناك مرحلة ثانية، ولا ثالثة، ولا دولة فلسطينية، ولا سلام الشجعان الذي يحلم به الرئيس عرفات، وإلا فإن اتفاق أوسلو أولى أن يلتزم به الإسرائيليون، فقد مضت خمس سنوات على الموعد المفترض لانسحاب قوات الاحتلال من الضفة الغربية وقطاع غزة بالكامل!
إن الخاسر الوحيد من خريطة الطريق هو الشعب الفلسطيني، لأن ما يريده شارون هو حرب يقوم بها بالوكالة عنه محمود عباس وحكومته وجهاز أمنه الداخلي برئاسة محمد دحلان وثيق الصلة بأجهزة الأمن الصهيونية.
الفصائل الفلسطينية جميعها وبلا استثناء ترفض إلقاء السلاح، وكانت حركة حماس هي الأكثر تصريحًا والأشد انتقادًا للخطة، ولعل ذلك مرده إلى أنها المستهدف الأول من إعادة الترتيب السياسي داخل السلطة، وإلى شعورها أنها ستكون الضحية الأكبر من تشكيل حكومة أبو مازن، وقد وصفت حماس خريطة الطريق بأنها مؤامرة، تهدف إلى إنهاء الانتفاضة الفلسطينية دون تحقيق أي مكاسب للفلسطينيين، وأكدت حماس أن الطريق الوحيد أمام الفلسطينيين لتحرير أرضهم هو المقاومة المسلحة، وقد أعلن الزعيم الروحي للحركة ومؤسسها الشيخ أحمد ياسين أن خريطة الطريق «تهدف إلى ضمان أمن إسرائيل على حساب أمن الشعب الفلسطيني».
وقال إنها تهدف أيضًا إلى تصفية القضية الفلسطينية، ولذلك أعلن رفض حماس لها، وقد اعتبر الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، أحد قادة حماس في قطاع غزة، أن خريطة الطريق ستنتهي بالفشل لا محالة ولأنها ضد الشعب الفلسطيني إذ إنها تطالب السلطة، بجمع أسلحة الفصائل الفلسطينية وتفكيك هذه الفصائل، واعتقال رجال المقاومة، وقال: إن خيار المفاوضات انتهى بعد فشل مباحثات كامب ديفيد في يوليو ۲۰۰۰، بينما نجح خيار المقاومة المسلحة في السنوات التي تلت ذلك، لأن الإسرائيليين الآن «أصبحوا يعانون مثلما نعاني نحن».
وهو استشهاد صحيح غير مبالغ فيه من الناحية الحسابية، فقد استشهد أكثر من ألفي فلسطيني بينما قتل حوالي ٧٥٠ صهيونيًا منذ بدأت انتفاضة الأقصى المباركة، أي أن نسبة الخسائر هي ١ إلى ٣ وهي النسبة الأعلى في تاريخ المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني.
ومن جانبها رفضت الفصائل الفلسطينية الأخرى الخريطة وحذرت من تبعاتها، ووصفت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في بيان أصدرته، خريطة الطريق بأنها عملية احتيال، وهاجمت خطط أبو مازن لجمع أسلحة الفصائل داخل مناطق السلطة الفلسطينية «المحتلة».
وزير الإعلام الفلسطيني نبيل عمرو من جانبه، اعترف بأن الجانب الفلسطيني يشعر بالقلق من احتمال تلكؤ الطرف الإسرائيلي في تنفيذ المطلوب منه، وذلك عن طريق طرح تعديلات على خطة الطريق، لكنه قال إن الحكومة الفلسطينية ستقوم بتنفيذ الخطة وفق المطلوب منها، وقد رفض عمرو المقرب من أبو مازن حديث الفصائل الفلسطينية بأن الخطة تركز على الجانب الأمني المطلوب إسرائيليًا في المرحلة الأولى، زاعمًا أن «الأمن هو نقطة البداية، وبدونه لن نحقق أي تقدم سياسي، علينا أن نقنع أنفسنا بذلك».
الجانب الفلسطيني تسلم خطة خريطة الطريق من المجموعة الرباعية بعد ساعات فقط من أداء حكومة أبو مازن اليمين القانونية أمام الرئيس عرفات، وكان ذلك شرطًا أمريكيًا وإسرائيليًا لوضع الخطة موضع التنفيذ، باعتبار أن إدارة بوش وحكومة شارون لا تثقان بعرفات!
مكتب شارون من ناحيته أصدر بيانًا مقتضبًا بعد تسلمه نسخة من الخطة، أوضح فيه أنه تسلم الخطة لوضع مزيد من الملاحظات على بنودها، وتقول مصادر إسرائيلية: إن أهم مطلب للحكومة الإسرائيلية أن تبدأ المفاوضات مع حكومة أبو مازن بإعلان منه عن موافقة الفلسطينيين على التخلي عن حق العودة للاجئين، وبإعلان الفلسطينيين أيضًا عن انتهاء الصراع مع إسرائيل! وتؤكد حكومة شارون أنها لا تطالب بوقف لإطلاق النار فقط، وإنما بإعلان أبو مازن «الحرب الحقيقية على الإرهاب وحل المنظمات الإرهابية»!
على أرض الواقع يبدو أن حكومة شارون تسير في واد وخريطة الطريق في واد آخر، فقد شرعت هذه الحكومة منذ أشهر ببناء السور الواقي، الذي يصل طوله إلى ٦٠٠ كيلومتر وهو ضعف طول الخط الأخضر الفاصل حاليًا بين حدود فلسطين عام ١٩٦٧ وفلسطين عام ١٩٤٨، بسبب التفاف السور حول الجيوب الاستيطانية اليهودية داخل الضفة الغربية، ووفقًا للمصادر الإسرائيلية فإن كلفة مشروع السور الواقي تصل إلى حوالي ملياري دولار أمريكي، ففي الوقت الذي تزعم فيه حكومة شارون قبولها «المشروط» بخريطة الطريق، تمضي قدمًا في بلع الأرض الفلسطينية ومصادرتها بحجة بناء السور الواقي، لا للانسحاب من الأراضي المحتلة وجعل السور الحدود المستقبلية للدولتين المفترضتين، وإنما ليكون خط دفاع أول عن العمق الإسرائيلي، ولفرض سياسة العزل العنصري ضد الفلسطينيين، فإسرائيل قبل كل شيء هي الدولة الوحيدة في العالم التي لم ترسم حدودها حتى الآن ولا تنوي رسمها مستقبلًا!
ليس أمام أبو مازن سوى خيارين صعبين لا ثالث لهما: دفع الفلسطينيين إلى حمام دم لا نهاية له، أو الاستقالة من منصبه وبقاء عجلة الصراع مستمرة بين الفلسطينيين والصهاينة ومن ثم التواري عن الساحة السياسية، فهل يفعلها أبو مازن ويستقيل قبل أن يورط الشعب الفلسطيني في حرب داخلية نجحوا حتى الآن في تحاشيها؟
محطات في خطة الطريق
٢٤ يونيو ۲۰۰۲: ألقى الرئيس الأمريكي بوش خطابًا حدد فيه حلًا من دولتين فلسطينية وإسرائيلية، ودعا فيه إلى تغيير القيادةالفلسطينية.
١٥ يوليو ۲۰۰۲: اجتمع وزراء خارجية المجموعة الرباعية «الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمين العام للأممالمتحدة» لوضع تفاصيل مبادئ خطة خريطة الطريق التي صاغتها مبدئيًا وزارة الخارجية الأمريكية بإشراف المبعوث الأمريكي وليام بيرنز، وقد صاغ الخطة بشكل رئيس ديفيد ساترفيلد وهو نائب بيرنز.
١٥ أكتوبر ۲۰۰۲: شارون يتسلم أول نسخة من مسودة خريطة الطريق عشية لقائه الرئيس بوش في البيت الأبيض، وفي اليوم التالي قدم وليام بيرنز النسخة لأعضاء المجموعة الرباعية الآخرين، وفي نفس الشهر قام بيرنز بزيارة للمنطقة لسماع ملاحظات الفلسطينيين والعرب والإسرائيليين على الخطة، وأمر شارون رئيس مكتبه بوضع التعديلات الإسرائيلية على الخريطة.
نوفمبر ۲۰۰۲: شارون يقنع البيت الأبيض بتأجيل إعلان خريطة الطريق إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.
١٤ نوفمبر ۲۰۰۲: الانتهاء من صياغة المسودتين الثانية لخريطة الطريق، لكنها لم تعط البدء للإسرائيليين.
۲۰ ديسمبر ۲۰۰۲: الانتهاء من وضع المسودة الثالثة والنهائية.
فبراير ۲۰۰۳: اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة يبدأ حملة ضد الخطة بدعوى أنها تختلف كثيرًا عما جاء في خطاب بوش يوم ٢٤ يونيو ۲۰۰۲، وأنها بحاجة إلى تعديل حتى لا تضر بمصالح إسرائيل.
۲۰ فبراير ۲۰۰۳: صحيفة هارتس الإسرائيلية تقول: إن حكومة شارون وضعت أكثر من ١٠٠ تعديل! على خريطة الطريق، وطالبت إدارة بوش بالعمل على أخذها بعين الاعتبار، بما في ذلك مطالبة الفلسطينيين بالتخلي عن حق العودة للاجئين وذلك عند في تنفيذ الخطة.
١٤ مارس ۲۰۰۳: بوش يعلن قبيل إعلان الحرب على العراق التزامه بتنفيذ خريطة الطريق، ويقول إنها ستسلم للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي مباشرة بعد تشكيل حكومة فلسطينية جديدة.
١٤ أبريل ۲۰۰۳: حكومة شارون تقدم الملاحظات النهائية والتعديلات التي تريدها على خريطة الطريق إلى الإدارة الأمريكية.
۳۰ أبريل ۲۰۰۳: شارون وأبو مازن يتسلمان نسخة من الخريطة التي وضعت في 20 ديسمبر 2002.