العنوان خسائر «الشفاء» تحولت مكاسب سياسية
الكاتب صلاح عبدالمقصود
تاريخ النشر الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
مشاهدات 67
نشر في العدد 1316
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 08-سبتمبر-1998
* البشير: الاعتداء على الخرطوم يستهدف حصار القاهرة.
* الترابي: الأمم المتحدة ليست مؤسسة ديمقراطية.. كما أنها ليست مؤسسة عدل.. وعلينا ألا نعول عليها كثيرًا.
* علي عثمان -النائب الأول لرئيس الجمهورية-: أمريكا أجادت الضرب وأخطأت الهدف.. والاعتداء على السودان فرصة لتوضيح مواقفه.
أصداء الضربة الأمريكية لمصنع الشفاء للدواء بالخرطوم لم تنته بعد؛ فالذي يزور الخرطوم ويتجول في شوارعها، أو يجلس في منتدياتها، أو يصلي في مساجدها، لا يسمع إلا الحديث عن الاعتداء الأمريكي.
السودانيون يصفون الضربة بأنها حرب صليبية جديدة تشنها أمريكا ضد السودان بسبب توجهه نحو الإسلام.. النساء والرجال والشيوخ والأطفال يخرجون في مسيرات تضم الآلاف من مختلف أرجاء السودان رافعة شعارات «الله أكبر على أمريكا» «الله مولانا ولا مولى لهم»، «لن ترهبنا طائرات أمريكا»، «لن ترهبنا صواريخ مونيكا» «سنعيد بناء الشفاء أحسن مما كان».
كانت أمريكا قد أرادت بضربتها العسكرية أن تعزل السودان، وتفرض هيمنتها عليه سلمًا أو حربًا، إلا أن ضربتها جاءت بنتائج عسكية، فقد كسرت طوق العزلة الذي فرض على السوان منذ عدة سنوات، وأسهمت في انفتاح العالم على السودان -ولو إعلاميًّا- والتعرف عليه وعلى حقيقته، ولم ينجح كلينتون في صرف الأنظار عن فضائحه الأخلاقية، كما أنه لم ينجح في تبرير ضربته للسودان بدعوى إنتاج المصنع للسلاح الكيماوي؛ إذ ثبت للعالم أن المصنع لا ينتج إلا الدواء، إذ إنه لو صح الادعاء لكان ضحايا التدمير بالآلاف، وخصوصًا أن المصنع يقع داخل الكتلة السكنية، وبذا تحول الرئيس الأمريكي الذي كذب على أهله وشعبه إلى كذاب دولي أضر بسمعته وسمعة أمريكا ضررًا بالغًا.
في الخرطوم التقينا عددًا من المسؤولين السودانيين على رأسهم الرئيس عمر البشير، ونائبه الأول علي عثمان طه، والدكتور حسن الترابي - رئيس المؤتمر الوطني، والدكتور مصطفى عثمان - وزير الخارجية، ود. عبد الرحمن نور الدين - وزير القوى العاملة، والسيد أحمد عبد الرحمن - الأمين العام لمجلس الصداقة الشعبية العالمية، والدكتور عبد الله سليمان - أمين العلاقات الخارجية بالمؤتمر الوطني، والسفير عمر ياسين الإمام.
كما قمنا بزيارة مصنع الشفاء، واسمتعنا إلى عمال المصنع الذين عقدوا مؤتمرًا حاشدًا في ساحة المصنع وإلى جوار أنقاضه، شاركهم فيه ممثلو الاتحادات والنقابات العمالية.
الرئيس البشير عبّر لنا عن ارتياحه بأن العالم بدأ يقتنع بأن السودان قد ظلم بالعدوان الأمريكي، وحيّا قرار جامعة الدول العربية الذي أدان العدوان الأمريكي، كما حيا مجموعة دول عدم الانحياز لمواقفها المساندة.
وأشار الرئيس البشير إلى أن المعلومات التي قيلت عن مصنع الدواء كلها مجرد أكاذيب.
وأكد الرئيس البشير على أن الضربة موجهة لكل العرب والمسلمين، وفي القلب مصر، باعتبارها صاحبة الثقل الأكبر في المنطقة، وقال: إن ضرب الخرطوم يهدف إلى حصار القاهرة وعزلها عن عمقها العربي والإسلامي؛ لأن الأعداء يدركون أن مصر بما تمثله من قوة وحضارة هي الخطر الرئيس على «إسرائيل»، ومن هنا جاء ضرب ليبيا بالأمس، والسودان اليوم لعزل مصر عن عمقها الإستراتيجي.
وأشار البشير إلى عمق العلاقات المصرية السودانية، وأكد على أن السودان لن يكون خطرًا على مصر في يوم من الأيام، وأنه لا يوجد أي عمل عدائي ضد مصر، كما أكد على عدم وجود أي مصري معارض يعمل ضد مصر من أرض السودان، نافيًا وجود أي جهة تعمل ضد أمن مصر في السودان، وقال: نحن على استعداد لفتح كل الملفات المعلقة، سواء الأمنية أو السياسية أو ملف المعارضة.
وانتقد البشير موقف المعارضة السودانية الموجودة بالقاهرة، وترحيبها بالضربة الأمريكية، ووصف هذا الموقف بالخيانة للشعب والوطن، كما وصفها بمحاولة الارتزاق من أعداء السودان، لكنه نفى نية الحكومة اتخاذ إجراءات عزل سياسي ضد المعارضة. قائلًا: إن الدستور لا ينص على العزل السياسي لأي مواطن، وإنما يتيح الحرية للجميع، وأوضح بأنه ستتخذ إجراءات قانونية وقضائية وجنائية ضد الذين أيدوا الضربة الأمريكية، ودعوا إلى تكرارها.
في الوقت نفسه أشاد الرئيس البشير بموقف المعارضة بالداخل، والتي وقفت مع الشعب في خندق واحد، كما أشاد بالشعب الذي تفاعل مع الحدث ووحد جبهته، وقال: إن الاعتداء لن يعرقل مسيرة السودان، ولن يوقف إنفاذ الدستور الذي يكفل للشعب الحرية التي يستحقها، وقال: إن المسيرات التي خرجت لتندد بالاعتداء الآثم تؤكد مدى تجاوب الشعب مع ثورة الإنقاذ، على الرغم من المعاناة التي يعيشها.
علاقة السودان بأمريكا:
في اتصالها بالحكومة السودانية رحّبت الإدارة الأمريكية بعودة السفير السوداني بواشنطن إلى مقر عمله، ودعت إلى تعاون أمني بين الخرطوم وواشنطن، إلا أن الرئيس السوداني ربط عودة العلاقات باعتذار كلينتون وحكومته علنًا عن الغارة الأمريكية على منصع الشفاء، والتعويض المجزي لأصحاب المصنع والعاملين به.
ووصف الرئيس البشير الطلب الأمريكي لعودة السفير السوداني بأنه محاولة لتخدير الشعب السوداني عن الاعتداء غير المسؤول، والذي تمثل في ضرب مرفق إنساني يوفر 60% من احتياجات السوق السودانية من أدوية الملاريا، والسل، والمضادات الحيوية، إضافة للأدوية البيطرية.
وقال البشير: إن السودان سيتقدم بشكوى إلى محكمة العدل الدولية ضد الولايات المتحدة، مؤكدًا أن حكومته سترسل طلبًا رسميًّا إلى الإدارة الأمريكية للموافقة على التقاضي أمام المحكمة الدولية، والتي تنص شروط قبول الدعوى على موافقة طرفي النزاع، وأضاف: إن الرد السوداني على الضربة الأمريكية لن يتجاوز الوسائل الدبلوماسية والقانونية.
لا نعول على الأمم المتحدة:
في لقائنا مع الدكتور حسن الترابي -رئيس المؤتمر الوطني السوداني- أكد على أن أمريكا تحارب الإسلام في سياستها، ولكنها لا تقول ذلك، وتتستر بكلمة محاربة الإرهاب، وقال: إن الضربة الأمريكية للسودان هي لون من ألوان الحرب الصليبية الموجهة إلى السودان المسلم، وإلى حكومته التي بدأت تقود الشعب إلى الله.
وقال د. الترابي: إننا ندعو إلى الحوار مع جميع شعوب الأرض، وسنظل أبدًا نتحاور حتى مع أمريكا؛ لأن أمريكا فيها كثير أصبحوا متيقنين من كذب قيادتها، وقال: إن أمريكا تقوم على السياسة العملية، فإذا نجحت فهي الحق عندها، ولو كانت باطلًا، وإن فشلت فهي الباطل، ولو كانت حقًّا.
وحول موقف الأمم المتحدة من العدوان الأمريكي على د. الترابي: إن الأمم المتحدة ليست مؤسسة ديمقراطية، وليست مؤسسة عدل، وإن العالم يمكن أن يعطي كلامًا، ولكنه لا يتفاعل مع قضايانا، وعلينا أن نمضي في تعبئة العالم العربي والإسلامي، ولا نعول كثيرًا على الأمم المتحدة.
وقال: إن السودان يسير في اتجاه الاعتماد على الذات، وكان قد اقترب من الاكتفاء في مجال الدواء، فكانت هذه الضربة، وهي رسالة إلى المستثمرين كي لا يستثمروا في السودان، وللعرب كي لا يخرجوا عن الهيمنة الأمريكية، لكن علينا ألا نكتفي بالشكوى، بل نحول الأقوال إلى أعمال.
الأمريكان بإقدامهم على ضرب السودان من دون الحصول على الشرعية الدولية عزلوا أنفسهم عن العالم -على حد تعبير السيد علي عثمان طه، النائب الأول لرئيس الجمهورية السوداني- الذي قال: إن أمريكا أثبتت أنها تجيد الضرب باعتدائها على السودان، وأنها نجحت في تدمير مصنع الدواء، ولكنها- من وجهة نظره- أخطأت الهدف، بسبب اعتمادها على معلومات كاذبة، لقد عمّقوا عزلتهم العالمية لانفرادهم بقرار ضرب السودان، وعزلتهم ستزداد بشكل أوسع، ومن ناحية أخرى، فإن الاعتداء الغاشم أعطى السودان فرصة واسعة لتوضيح مواقفه وتفنيد الأكاذيب والادعاءات الباطلة.
موقف الحكومة والمعارضة:
كانت المعارضة السودانية تراهن على قرب سقوط الحكومة السودانية، وتوقعت في مؤتمرها الذي عقدته الشهر الماضي في القاهرة أن تصل للحكم خلال أشهر معدودة، وجاءت الضربة الأمريكية لتصب في صالح الحكومة السودانية، لا في صالح تحالف المعارضة التي هرولت الترحيب بها في بيانها.
لقد ارتدت هذه التصريحات كضربات قاصمة للمعارضة، وأظهرتها في موقف العمالة والخيانة، وبعد أن كانت التصريحات تلقى تعاطفًا من البعض، جاء هذا التأييد لينسف ما تبقى من تعاطف معها، وخرجت التظاهرات التي تطالب بمحاكمة هؤلاء المرحبين بالعدوان.
حساب المكاسب والخسائر:
أيًّا كان حجم الضربة الأمريكية فإن المكاسب التي جناها السودان من ورائها أكبر بكثير من الخسائر، صحيح أن السودان خسر ملايين الدولارات التي أنشأ بها هذا المصنع على أحدث أساليب التكنولوجيا العالمية، وخسر موردًا لصناعة الدواء، وخسر مئات أو آلاف الأرواح التي كانت تنتظر الدواء، ولم تجده، حيث تكثر في هذه الأيام أمراض عديدة: كالسل، والملاريا، والإسهال، وغيرها، وبخاصة أنها أيام أمطار وفيضان، إلا أننا نستطيع القول: إن السودان استفاد كثيرًا من الضربة، وتمثلت هذه الاستفادة في عدة نواح منها: تعبئة الرأي العام خلف القيادة السودانية في مواجهة العدوان الأمريكي، وتوحيد الجبهة الداخلية التي أثبتت الأيام أنها لا تتوحد إلا في الأزمات، وإشعال جذوة الإيمان في نفوس السودانيين، وكذلك أحدثت الضربة تعاطفًا شعبيًّا ورسميًّا في كثير من أنحاء العالم، وأظهرت السودان بأنها الدولة المسالمة التي لا تمارس الإرهاب، ولا تؤويه، وفي الوقت نفسه كشفت الوجه الحقيقي لأمريكا، وأظهرتها بأنها الدولة التي تمارس الإرهاب وترعاه، كما أظهرت السياسة الأمريكية التي تكيل بمكيالين فما المانع جدلًا أن يقوم السودان بتطوير صناعته الكيماوية والحربية، وأن ينتج غاز الخردل أو القنبلة النووية إن استطاع؟ ولماذا تقوم أمريكا وربيبتها إسرائيل بإنتاج هذه الأسلحة، وتحرمها على دولة مثل باكستان أو السودان؟
وختامًا فقد كشفت هذه الضربة عن حقيقة المعارضة السودانية التي سقطت سقطة لن يغفرها لها شعبها، وهي تأييد العدوان الأمريكي على المنشآت المدنية للسودان، وتحريض العدو ليضرب شعبها، وأظن أن الشعب السوداني المسالم قد خرج بعد هذا كله منتصرًا موحدًا.
* آيات الله محفوظة:
أثناء المؤتمر الحاشد الذي عقده عمال مصنع الشفاء بساحة المصنع، قامت مجموعة من العمال بالبحث داخل أنقاض المصنع عن بعض الآيات القرآنية التي كانت معلقة على جدران حوائط غرف مدير المصنع، وجد العمال اللوحات وعددها أربع سليمة لم يمسسها سوء على الرغم من أنها جميعًا عبارة عن آيات رسمت على ألواح زجاجية، العمال حملوا اللافتات وساروا بها في تظاهرات إيمانية رائعة.
* مصنع الشفاء يتحول إلى نصب تذكاري للإرهاب الأمريكي:
طالب عمال وصيادلة وخبراء مصنع الشفاء الذي تم تدميره بالإبقاء على آثار الدمار كما هي، وجعلها بمثابة نصب تذكاري للدلالة على الإرهاب الأمريكي، وقالوا: إن هذا المصنع الذي كان يعد من مفاخر الصناعة السودانية، والذي كان يمثل أحد المزارات المهمة لضيوف السودان لا بد من أن يبقى دليلًا على الإرهاب الأمريكي.
ودعا السيد د.عبد الرحمن نور الدين -وزير القوى العاملة- السودانيين وأصدقاءهم إلى التعاون لبناء مصنع الشفاء من جديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل