; المجتمع الاسري (1262) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الاسري (1262)

الكاتب إيمان محمود

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997

مشاهدات 61

نشر في العدد 1262

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 12-أغسطس-1997

خصوصًا في الإجازات الصيفية.. كيف نحبب أطفالنا في المساجد

شرح الإسلام بطريقة قصصية تُحبب الأطفال في المسجد.

يحرص بعض أولياء أمور الأطفال على الذهاب بهم إلى النوادي والمتنزهات ومسارح الأطفال، ويهملون تعويدهم على ارتياد المساجد التي تسهم بشكل كبير في تنشئة الطفل السوية بصفة عامة، وتنشئته الدينية بصفة خاصة، حيث تزرع في قلوبهم وعقولهم بذرة الإيمان، وتنمي الآداب الإسلامية في نفوسهم وتقوي عقيدتهم لتصبح حاجزًا مانعًا أمام عواصف العصر وموبقاته وبخاصة في مرحلة المراهقة والشباب، وقد جاء في السنة النبوية أحاديث تحث على ذلك، ومنها: حديث يبشر بمنزلة من ينشأ في طاعة الله، ومن يتعلق قلبه بالمساجد، وهي منزلة الاستظلال في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله.

كيف يمكن غرس حب المساجد في قلوب أطفالنا وربطهم ببيوت الله وما معوقات ذلك وطرق التغلب عليها؟

في البداية تقول السيدة سعاد عبد المنعم -موظفة- رزقني الله ولدًا، أحببت أن أنشئه على تعاليم الإسلام منذ الصغر، ونصحتني إحدى صديقاتي أن أفضل وسيلة لذلك هي تعويده على ارتياد المسجد، وذات مرة ذهب إليه، إلا أنه عاد مسرعًا، وهو يبكي لأن إمام المسجد بدلًا من أن يعلمه آداب المسجد نهره ووبخه قائلا له: المسجد خاص بالكبار فقط الأمر الذي ترتب عليه عزوف طفلي عن المسجد، فكلما حاولت إقناعه أعرب عن خوفه ورفضه.

والسيدة عبير زكي -ربة منزل- وأم لثلاثة أبناء.. أكبرهم تعدى عامه الرابع، لكنه لا يذهب إلى المسجد، اقتداء بوالده الذي يتعلل بأن عمله شاق وعندما يرجع إلى المنزل يريد أن يأخذ قسطًا من الراحة، حتى لو تزامن ذلك مع دخول وقت المغرب أو العشاء، وأنا في حيرة من أمري، فكيف أبث في نفس أبنائي حب المسجد ووالدهم نادرًا ما يذهب إليه.

هذان المثالان يجسدان المشكلة التي يعاني منها الأطفال فكيف السبيل إلى حلها؟

المسجد جامعة شعبية

يقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد - وكيل أول وزارة الأوقاف المصرية لشؤون الدعوة: قد يظن بعض الناس أن الأطفال يمنعون عن المساجد ويروون في ذلك بعض النصوص الواهية «جنبوا صبيانكم ونساءكم المساجد»، وهذا فهم خاطئ، حيث لم يرد ذلك أبدا بأساليب صحيحة وأسانيد قوية، بل المعروف أن المسجد جامعة شعبية يدخل إليها كل أفراد الشعب للتعلم بلا قيد ولا شرط أو التقيد بسن أو طلب رسوم، وهذا الشرط مباح للذكر والأنثى فطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وطفل اليوم هو رجل المستقبل وعلى المجتمع أن يحرص على تأسيسه من أول لحظة على القيم الأخلاقية العالية التي يتعلمها من المسجد.

ويستطرد الشيخ منصور قائلًا: المسجد بيت كل تقي، يذهب الوالد فيأخذ طفله معه، وهناك يجد الطفل المكان المهيأ ولأمثاله، بحيث يتعلم من رؤيته للمصلين ما يقومون بأدائه وينطبع في ذهنه مظهر العبادات التي تؤدى، لأن لها تأثيرًا في الكيان النفسي، حيث تسمو بالشخص، وترقى به ليكون نموذجا عظيما في التعامل الاجتماعي.

من هنا كان على الأب أن يكون قدوة صالحة أمام طفله ويحيطه بالتوجيه على قدر مداركه.

والمسجد يعد مكانًا للطفولة، فإن الإسلام يبيح أن يهيأ هذا المكان بكل شيء يجذب الأطفال ويحببهم إلى المكان من حيث إيجاد الوسائل المسلية كالعرائس أو المكعبات التي يبني منها الأطفال القصور أو ما يتراءى لخيالاتهم، وهناك كذلك الأراجيح والألعاب وما شاكل ذلك، مما له تأثير على عقلية الطفل لنستطيع أن نشكل اتجاهاته، وينمو معه فكره الذي يسمو بالبناء والتعمير.

ويؤكد الشيخ الرفاعي أن الصالحين من عباد الله يدعون ربهم صباح مساء ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (الفرقان: 74)]

ولن يكون المولود قرة عين للأب والأم إلا إذا قاما على توجيهه وربطه بالمسجد من أول يوم، والإمام الغزالي له رسالة عظيمة يحثنا فيها إلى أن نجعل الأطفال في سن واحدة يتعاملون مع بعضهم ونحن نراقبهم، حتى يألفوا بعضهم ويأخذوا بعض المعلومات من بعضهم، ثم علينا أن نترك وقتا للعب الحر، كالترويح عن النفس مع إعطائهم قسطا من الراحة، وتفقد أحوالهم بين الحين والحين.

وعن الأنشطة الواجب توافرها في المسجد يقول فضيلة الشيخ منصور: إن الندوات والمحاضرات والدروس تلعب دورًا عظيمًا في تفهيم الطفولة ما لها من حقوق، وما عليها من واجبات والطفل وهو يستمع بلا شك سيكون صدى الكلمات في أذنيه، وينعكس ذلك على فكره، مما يولد عنده شخصية متكاملة تؤدي دورها في الحياة، لهذا كان على الآباء أن يفسحوا صدورهم لأطفالهم ليستمعوا إليهم، ثم تكون الإجابة، فإن عجز الآباء ذهبوا إلى المربين والمفكرين ليستلهموا منهم الرأي الذي يطرحونه أمام الأطفال ليجدوا منفذًا لما يحمل في أذهانهم، وإجابة صريحة.

ويضيف فضيلته: إن القرآن الكريم كتاب الله حكى لنا فيه قصص الأولين وأخبار السابقين، وقص علينا عن بعض الحيوانات والطيور ليجد القارئ فيه متعة نفسية، فإذا ما قمنا بتحفيظ القرآن لأطفالنا بدءًا بقصار السور وقصص الأنبياء، فإن الطفل سوف تتسع مداركه ويصفو ذهنه وتتعلق همته بالعمل العظيم، لأن القرآن سوف يقوم لسانه وينمي فكره ويهذب من سلوكه، ويدفع به إلى الحوار مع غيره في الأمور العامة والخاصة، وتجعله يؤصل فكره ويبنيه على المنطق السليم والكلمات المهذبة.

وأيضًا يلعب الكتاب في حياة الطفل دورًا خطيرًا، لأن الكتاب أعظم مسامر وخير جليس، من هنا يقوم المسجد بتقديم الكتاب إلى الطفل، والمسجد مكان معد للصلاة يدخله الإنسان وهو على نظافة في الملبس والهيئة والجسد لقول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: 31)، والنظافة سلوك حضاري مع كونها خلقا إسلاميا.

ساحة لعب في المسجد

ويرى د. أحمد عبد الرحمن -أستاذ علم الأخلاق- أن الأطفال يغلب عليهم طابع الحركة والمرح، ومن ثم يتعلقون بالأراجيح والدمى ووسائل الألعاب الأخرى، ولقد كنت في زيارة للولايات المتحدة وشاهدت المساجد هناك شيدت على أسس تحبب الأطفال في الذهاب إليها، فهي تجمع بين ساحة تؤدى فيها الصلاة وملحق أو خلفية على هيئة حديقة تضم اللعب المحببة للأطفال، حتى إذا ما ذهب الطفل مع والده إلى المسجد يجد ما يحبه من ألوان الترفيه، وبالتالي يرتبط بالمسجد وما يلقى فيه من خطب وأحاديث دينية، ويتعرف على كيفية الأذان وأوقات الصلاة، كما أن وجود ساحة اللعب الملحقة بالمسجد تغرس في ذهن الطفل أن الإسلام لا يحرم التريض واللعب بل يحض عليه لبناء الجسم السليم، كما أن التجربة التي يجب أن تحتذي بها في التربية المسجدية لأولادنا أنه يتم تصنيف الأطفال عمريًا إلى مجموعات ويحدد لكل مجموعة إماما ومجلس إدارة يفكر في الأنشطة التي يجب تدريبهم عليها.

وتحبيب الأطفال في المسجد -كما يقول د. أحمد- يبدأ من تصميم المسجد معماريًا وتخصيص مكان للترفيه يضم مسرحًا إسلاميًا، ومن هنا يصبح المسجد مركز إشعاع حقيقيا للكبار والصغار.

أما الدكتور عبد العظيم المطعني -الأستاذ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر- فيرى أنه يجب تخصيص مكان في المسجد، وساعات معينة بين الصلوات للأطفال، يقوم خلالها العلماء بشرح قصص الأنبياء بطريقة بسيطة وشائقة، وأن تسهم الجهات المعنية بالدعوة في شراء قصص قصيرة، توزع على الأطفال المنتظمين في الحضور، وفي نهاية كل قصة تجرى مسابقة بين الأطفال عن أحداث القصة ومغزاها والمعاني الإيجابية فيها والآداب الإسلامية التي يجب أن يتعلمها الطفل.

وإلى جانب هذا يجب أن يخصص وقت لحفظ القرآن الكريم وشرح معانيه بأسلوب سهل، وتخصيص جوائز للأطفال الذين يحضرون حلقات تحفيظ القرآن، وتدريس سيرة الرسول ﷺ وسير الصحابة والأعمال البطولية التي قاموا بها للدفاع عن عقيدتهم، وعن دينهم وكيف كانوا مثلا عليا في المودة والرحمة والشجاعة والصبر.

بهذا الأسلوب يجد الطفل نفسه مشوقًا إلى الذهاب إلى المسجد وتفضيله على أي مكان آخر، وعدم التلفظ بألفاظ نابية.

ويضيف قائلًا: يجب على الآباء أن يصحبوا أطفالهم إلى المساجد في كل صلاة يؤدونها، فتنمو لدى الطفل عاطفة حب المساجد، ويشب وقلبه معلق ببيوت الله.

كما يطالب وسائل الإعلام بتخصيص برامج للأطفال تصور المساجد وتتحدث عن قصة كل مسجد، وبهذا تتكون لدى الطفل خلفية عن بيوت الله فتهفو نفسه لزيارتها والتعرف عليها.


لمسات في التربية من جدي الشيخ على الطنطاوي (٢٤)

العناية بالصحة والقوة

لم يحدث هذا مرة واحدة بل كان يتكرر كل يوم في طريق العودة من المدرسة الابتدائية إلى البيت: تحرض بنت الجيران أخاها الصغير فيرمي التلميذة الصغيرة بالحجارة قاصدًا إيذاءها ثم يكمل اعتداءه بمجموعة مختارة من السباب والشتائم، قابلت التلميذة هذا التصرف في أول الأمر بالتجاهل والتسامح، وحذرت البنت وأخاها من عواقب هذا التصرف المرة تلو المرة دون أن تجد تجاوبا أو تشعر باهتمام، فقد حسبت تلك البنت تصرف التلميذة ضعفًا وسكوتها جبنًا فسرها ذلك وأسعدها، بل زادت من وقاحتها وتطاولت بالكلام عندما قررت التلميذة الصغيرة أن تدافع عن نفسها بنفس الأسلوب فترد على القوة بالقوة فوقفت بكل كبرياء جامعة قبضة يدها كما كان يعلمها أبوها دائمًا وضربت تلك المعتدية لكمة قوية في بطنها انثنت على إثرها متألمة ألمًا شديدًا، بينما عادت التلميذة إلى البيت منتصرة لنفسها رافعة رأسها، وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي يتعرض فيها هذا الولد أو أخته بأذى أو بسوء تلك التلميذة الصغيرة كانت والدتي، أما أبوها الذي علمها كيف تدافع عن نفسها وسر منها وامتدحها في ذلك اليوم فهو جدي علي الطنطاوي، الذي كانت تلك واحدة من لمساته التربوية المتميزة: التسامح مع الضعيف، واستعمال القوة حين لا تنفع إلا القوة.

كثيرًا ما نحتاج إلى الدفاع عن أنفسنا أمام أولئك الذين لا يفرقون بين التسامح والضعف، وبين الإمهال والتقاعس، لذلك عكف جدي على تعليم بناته كيف يدافعن عن أنفسهن -إن احتجن لذلك- وكان يعلمهن الطريقة الصحيحة في قبض اليد والمكان الذي يجب أن تركز عليه الضربة، وإلا أذى المرء نفسه قبل أن يؤذي خصمه، وكان هو نفسه يتمرن ويمارس الرياضة دائمًا، وقد اقتنى بعض أدوات التدريب التي كانت شائعة في تلك الأيام، كما ركب في بيته بالشام حاملًا معدنيًا لممارسة تمارين الشد والضغط وعلق عليه كيس التدرب على الملاكمة، وكان يمشي مشية رياضية مشدود الظهر منتصب القامة، ويعلمنا ذلك حتى لا تتأذى فقراتنا الظهرية إن أهملنا التعامل الصحيح معها.

وكان يعتني بالغذاء الجيد ويوصينا بذلك لأنه السبب الرئيسي في تلك القوة، فاللحم والبيض والحليب من المواد الرئيسية التي يجب علينا تناولها كل يوم، وكانت هذه النظرية من المآسي التي عانت منها أمي وخالاتي في بيت جدي شرب البيض نيئًا صباح كل يوم، وتناول أشربة الفيتامينات وزيت كبد الحوت ذات الطعم الكريه والرائحة البشعة، كل ذلك محافظة منه على صحة بناته.

وكان النوم الجيد -عنده- من أهم أسباب المحافظة على الصحة الجيدة، فكان يرغم الواحدة من بناته على النوم ثماني ساعات كل يوم، فلو نقصت ساعات نومها عن القسط المحدد أرغمها على إكماله ولو أدى ذلك إلى تأخيرها عن الذهاب إلى المدرسة أو صرفها عن القيام بواجباتها المدرسية أو البيتية، بل إن الحال قد استمر حتى بعدما صارت بناته أمهات وقاربن أن يصرن جدات يحمل الواحدة منهن على الذهاب إلى النوم إن أحس لديها تعبًا، أو لمس عندها إرهاقًا، غير عابئ باعتراضها وممانعتها ولو كانت تزوره في بيته، حتى لربما صرفت في النوم جل وقت زيارتها.

كانت الصحة وقوة الجسم من اهتمامات جدي الدائمة، جمع حرصه عليهما إلى حرصه على تربية العقيدة السليمة والخلق القويم والعقل المتفتح، فكان المربي الذي يحرص على التربية الشاملة المتكاملة التي لا يتضخم فيها جانب على حساب بقية الجوانب.

الرابط المختصر :