; خطة اقتصادية جريئة للخروج من عنق الزجاجة | مجلة المجتمع

العنوان خطة اقتصادية جريئة للخروج من عنق الزجاجة

الكاتب هشام عليوان

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

مشاهدات 56

نشر في العدد 1431

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 19-ديسمبر-2000

اتخذت الحكومة اللبنانية «قرارات جذرية وثورية» في محاولة لتحريك الاقتصاد الذي يعاني من الركود الذي تفاقم مع الإجراءات الانكماشية التقشفية التي اعتمدتها حكومة الحص، ما بين عامي ۱۹۹۸ و۲۰۰۰م.

فبعد سياسة الأجواء المفتوحة لاجتذاب شركات الطيران العالمية وتحويل لبنان إلى محطة أساسية في حركة السفر والتنقل، قررت الحكومة خفض الرسوم الجمركية بشكل كبير على المواد المصنعة في محاولة لجعل لبنان سوقًا حرة للبضائع، وهي خطوة تنسجم مع فكرة استعادة لبنان لدوره السياحي في المنطقة وبما أن رفع الحواجز الجمركية يفضي تلقائيًا إلى تهديد الصناعة الوطنية المتعثرة أصلًا بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج ومنافسة البضائع السورية لها وهي الأقل كلفة والأرخص ثمنًا، فقد اتخذت الحكومة إجراءات موازية لتخفيض كلفة الإنتاج الوطني، عبر إلغاء الرسوم الجمركية على المواد الأولية ونصف المصنعة، والسعي إلى خفض كلفة الطاقة المستخدمة سواء بخفض تعريفة الكهرباء للمصانع أو بتأمين مصادر طاقة أقل كلفة من العراق وسورية ومصر. 

وبقيت الرسوم كما هي على الإنتاج الزراعي المستورد مع العلم أن المنافسة الحقيقية للزراعات اللبنانية تأتي من سورية دون تنسيق مسبق، الأمر الذي يضطر المزارعين اللبنانيين في كثير من الأحيان إلى رمي محاصيلهم أو بيعها بأرخص الأثمان.

وفي هذا الإطار، تحرك رئيس الوزراء رفيق الحريري باتجاه سورية بمجرد نيل حكومته الثقة في البرلمان، والتقى نظيره في دمشق لبحث تنفيذ الاتفاقيات الثنائية الموقعة بين البلدين، لاسيما في المجالات الاقتصادية، وهذه الاتفاقيات تفرض تخفيضًا تدريجيًا للرسوم الجمركية على البضائع المصنعة من الجهتين لكن استمرار تهريب البضائع السورية عبر الحدود، جعل تلك الاتفاقيات حبرًا على ورق ووضع روزنامة زراعية لتنظيم الاستيراد الزراعي من سورية، وفتح أسواقها أمام المنتجات اللبنانية، خصوصًا أن سورية تتخذ خطوات متسارعة للانفتاح الاقتصادي، ويسعى لبنان إلى الاعتماد على الغاز كمصدر مناسب للطاقة، ومن الإجراءات المطروحة استيراد ربع حاجة لبنان من الغاز من سورية، على أن يحصل لبنان على بقية حاجته من مصر.

وفي السياق الاقتصادي نفسه اندرجت زيارة الحريري إلى ليبيا، رغم الأزمة الدبلوماسية التي نشبت بين البلدين، وتستورد ليبيا كميات كبيرة من الإنتاج الزراعي اللبناني ويعمل فيها آلاف عدة من اللبنانيين، وفي خضم الأزمة الدبلوماسية، هددت ليبيا بوقف الاستيراد من لبنان، وبطرد العاملين اللبنانيين والفلسطينيين ذوي الإقامة اللبنانية من أراضيها، الأمر الذي يمكن أن يشكل عبئًا إضافيًا على الاقتصاد، وعلى صعيد آخر، انتقل وفد اقتصادي وزراعي إلى العراق، للبحث في زيادة حصة لبنان من منظومة النفط مقابل الغذاء، وبموازاة ذلك ناقش الطرفان إمكان إعادة ضخ النفط في الأنبوب العراقي الذي يمر بسورية، ويحصل لبنان بموجب ذلك على حاجته من النفط بأسعار منخفضة بالمقارنة مع أسعار السوق.

وتتلخص خطة الحريري لإنقاذ الاقتصاد في المعالم التالية: 

توسيع حجم الاقتصاد عبر تنشيط الحركة التجارية والسياحية، وخفض كلفة الإنتاج الصناعي حتى يقوى على المنافسة في السوق المفتوح، ودعم القطاع الزراعي من خلال توفير أسواق التصريف، وتشجيع الصناعة الزراعية وحماية المزارع من المنافسة.

هذه الخطة تختلف من حيث الاستراتيجية عن خطة الإصلاح المالي والاقتصادي التي اعتمدتها حكومة الحص التي ركزت على خفض العجز في الميزانية ومكافحة الدين العام من خلال خفض الإنفاق وزيادة الواردات الضريبية.

وقد بدأ تنفيذ هذه الخطة العام الماضي، لكن الاعتراض الأساسي عليها كان أنها تتفاءل أكثر من اللازم بحجم الإيرادات المتوقعة، في حين أن الإجراءات التقشفية أدت إلى انكماش السوق وزيادة نسبة البطالة وسيادة الركود على جميع القطاعات، ومن الجدير ملاحظته أن الخطة الحريرية تتسبب بأضرار معينة للاقتصاد السوري من حيث إن البضائع السورية لن تعود منافسة للبضائع اللبنانية، أو لن يكون الهامش كبيرًا في الأسعار بينها وبين البضائع الأجنبية التي ستدخل السوق، مع فارق الجودة والجاذبية. ومن ناحية أخرى، فإن السعي لتخفيف رسوم الضمان الاجتماعي عن المؤسسات إلى ما يقارب النصف، وإقرار التسويات الضرورية عن الرسوم المتراكمة سوف يقلل الحاجة إلى الأيدي العاملة السورية التي قدرتها أبحاث أخيرة بنحو مليون ونصف المليون عامل قدرت الأبحاث الأكاديمية ما يخرجونه سنويًا بنحو ثلاثة مليارات دولار.

على أن الخطة الحريرية المذكورة لا تخلو من مغامرة، فالخبراء الاقتصاديون يقدرون أن إيرادات الدولة من الجمارك سوف تنخفض في المرحلة الأولى بنحو ٣٥٠ مليون دولار سنويًا، وهو ما يفضي إلى زيادة العجز في الميزانية واضطرار الدولة إلى الاستدانة مجددًا، وبحسب تعبير رئيس الحكومة السابق سليم الحص فإن الأثر الفوري لهذه الإجراءات سيكون انخفاض إيرادات الدولة، بينما يحتاج تطور الاقتصاد ونموه سنوات عدة، فماذا تفعل الدولة في الفترة الانتقالية؟

وذهب النائب السابق نجاح واكيم إلى أبعد من ذلك حين زعم أن هناك مخططًا مشبوهًا الزيادة الدين العام إلى ۳۰ مليار دولار السنة المقبلة، وإلى ٤٠ مليار دولار العام الذي يليه وذلك بهدف إخضاع لبنان للشرق أوسطية التي تديرها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.

على أن الخطة الحكومية الجديدة لم تأت من فراغ، فالحريري، انهمك طوال عامين قضاهما خارج السلطة في دراسة التجربة التي خاضها ما بين عامي ۱۹۹۲ و۱۹۹۸م، كما درس خطة الإصلاح المالي والاقتصادي لحكومة الحص ومعه فريق عمل متخصص أبرز من فيهم الدكتور باسل فليحان الخبير الدولي، الذي استلم حقيبة الاقتصاد مؤخرًا، وبعد تمحيص الخيارات وجد فريق الحريري أن كل العلاجات قد جربت، ولم يعد هناك من إجراء سطحي سوى خفض سعر الليرة اللبنانية بالمقارنة مع الدولار، لكن هذه الخطوة تحتمل من السلبيات أكثر من الإيجابيات، فضلًا عن أن الاقتصاد لا يحتمل صدمة من هذا النوع فكان القرار خوض المغامرة الحالية مع كل ما فيها من أخطار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 17

108

الثلاثاء 07-يوليو-1970

مِرْآة الرأي العالمي

نشر في العدد 35

147

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

هذا الأسبوع (35)