العنوان خطة هانوي هل تخرج آسيا من أزمتها؟
الكاتب صهيب جاسم
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1332
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 29-ديسمبر-1998
عندما اجتمع المؤسسون لرابطة دول جنوب شرق آسيا قبل أكثر من ٣١ عامًا في بانكوك، وأسسوا ما عرف بـ«آسيان» كانت إحدى القضايا التي تقلقهم هي الخطر الشيوعي في الهند الصينية، وبخاصة فيتنام.
ومرت السنون، وانضمت فيتنام للكتلة، وجاء دورها لتستضيف لأول مرة منذ أيام قمة رؤساء دول المنطقة في اجتماعهم السادس والأخير في هذا القرن.
في الاجتماع، تبنى القادة التسعة بيان عرف باسم «خطة عمل هانوي» التي رسمت التوجهات الاقتصادية والسياسية خلال الأعوام الستة القادمة، أي حتى عام ٢٠٠٤م، وتركز على ترسيخ التعاون الاقتصادي ومحاولة نقل التكتل -كما قال الرئيس الإندونيسي حبيبي- إلى مرحلة «الاقتصاد الواحد المتكامل».
ومن بين نقاط البيان خطة لإخراج المنطقة من أزمتها المالية في غضون عامين، إذ سيبدأ تطبيق بعض الإجراءات المشجعة لجلب الاستثمارات الأجنبية ابتداءً من الأول من يناير القادم، كما جرى تبكير موعد البدء في تنفيذ تدابير منطقة آسيان للتجارة الحرة أو «أفتا» ليكون مع حلول عام ۲۰۰۲م، ليمهد لإجراء خفض في ٩٠٪ من معدلات التعريفات الجمركية إلى نسبة تتراوح بين صفر و٥٪ فقط مع حلول عام ٢٠٠٠م.
بعض الرؤساء دعا في الاجتماع إلى ضرورة اتباع «سياسات إصلاحية» كشرط للنهوض بدول المنطقة من جديد، ولكن بعض القضايا لم يتم التوصل إلى قرار في شأنه، ومن ذلك مشروع عملة آسيان الموحدة تشبهًا بدول الوحدة الأوروبية، وإعادة إحياء اجتماعات دول جنوب شرق آسيا وشرق آسيا، كضرورة تستدعيها الأوضاع الحالية، وهما مقترحان ماليزيان لقي الأخير منهما دعمًا من الصين وكوريا واليابان.
نتائج اجتماع آسيان كانت مفاجأة لبعض المحللين الذين توقعوا أن يتبنى الرؤساء سياسات حمائية بعد الأزمة التي جاءت بها رياح العولمة والتحرر الاقتصادي، لكن الذي حصل هو العكس، عندما جدد المجتمعون تعهداتهم بالمضي في اتباع سياسات التحرر الاقتصادي بالرغم من اختلاف وجهات النظر حول ما جرته العولمة عليهم.
وقد بدأ الخلاف في الاجتماع الوزاري الممهد للقمة، إذ لم يتوصل الأطراف إلى اتفاق بشأن خطة إنقاذ اقتصادات دول المنطقة، ولذلك فقد استثنت خطة عمل هانوي المذكورة الكثير من القضايا المهمة، وعلى حين حذرت ماليزيا وفيتنام من مخاطر العولمة، دعت سنغافورة وتايلاند والفلبين إلى تقبل الأمر الواقع لاستحالة تفادي الاندماج في تيارها.
الاجتماع أبرز خلافات جعلت بعض المراقبين يتخوفون على مستقبل آسيان، وبدأت بنقاش قضية قد لا تكون لها أهمية في الوقت الحالي، وهي انضمام كمبوديا لتكون العضو العاشر والأخير للرابطة، وزير الخارجية التايلاندي سورني بيتسدان وصف الخلاف أنه الأول من نوعه في تاريخ آسيان.
وبالإضافة إلى الخلاف حول قضية انضمام کمبوديا التي تم التوصل إلى حل وسط لها، أن يجرى انضمامها في حفل يقام في وقت لاحق في هانوي أيضًا، فإن قضية الأزمة المالية وأسلوب حلها كانت محل خلاف، فرئيس الوزراء الماليزي انتقد صندوق النقد، معتبرًا سياساته لا تجلب إلا المزيد من الأزمات، مستشهدًا بالوضع في أندونيسيا، لكن رئيس وزراء تايلاند يعتقد أن برنامج الصندوق في بلاده بدأ يثمر، ثم انتقده بصورة غير مباشرة السلطان حسن البلقية حول التحكم في العملة، حينما قال: «إنه من الضروري أن نستعيد ثقة المستثمرين وأن نبقي على انفتاح اقتصادنا».
ومن المفارقات الطريفة، أن رجل إندونيسيا القوي سابقًا -سوهارتو- كان لا يتعب نفسه في تمرير أي مقترح أو رفض آخر، وذلك بإلقائه عدة كلمات بصورة رسمية أو غير رسمية، والكل يتقبل رأيه لثقل وزن بلاده ورسوخ حكمه آنذاك، أما ما حصل للرئيس حبيبي فهو العكس، فمع أنه بذل مساعيه حول جملة من القضايا في اجتماعات مغلقة، إلا أنه لم ينجح في كثير منها لضعف موقفه داخليًّا واقتصاديًّا، مما شجع رئيس وزراء سنغافورة تشوك تونج على الرد عليه، وهو الذي لم يجرؤ أن يرد على سوهارتو من قبل.
يقول أكاديمي تايلاندي: إن آسيان اليوم تحتاج إلى قائد قوي، فحبيبي لديه مشكلاته، وكذا مهاتير، واسترادا الفلبيني الذي مازال حديثًا في المجموعة، وتشوان التايلاندي الذي ضعف موقفه اقتصاديًّا وسياسيًّا كذلك، أما دول الهند الصينية «ماينمار- لاوس- فيتنام» فلا ينتظر منها قيادة دول المنطقة، في هذا الوضع، وفي غياب شخصيات مثل سوهارتو ولي كوان يو رئيس وزراء سنغافورة الأسبق، ثم بضعف الرؤساء الحاليين بسبب لآخر.
إن جنوب شرق آسيا تعيش خلال هذه الآيام فترة انتقالية، تحاول فيها الدول استعادة قوتها الاقتصادية، والتكيف مع الأعضاء الجدد في الرابطة والضعفاء اقتصاديًّا من دول الهند الصينية، ثم بالمخاض السياسي في إندونيسيا وماليزيا، والتطلع فيهما إلى تغيير سياسي وقيادي بدأت تهب رياحه على دول أخرى مجاورة تنذر بتحول ديمقراطي فيها، وتبرز من بين الدول العشر الفلبين وتايلاند في مجال الديمقراطية، وتقبل الرأي الآخر، إذا استثنينا تعامل الحكومة الفلبينية مع المسلمين في الجنوب.
تقف دول آسيان أمام مفترق طرق بشأن سياسة عدم التدخل في شؤون الدول الأعضاء الداخلية التي قوبلت باقتراح من تايلاند بتعديلها لتعرف باسم «المشاركة المرنة»، ودعم من الفلبين باسم «منهج آسيان»، وهو مجموعة من التقاليد التي تضم مواقف الدول تجاه بعضها، وعملية اتخاذ القرار المبني على المشاورة ثم الإجماع، وهو منهج إيجابي، إذ يتيح المناقشة اللارسمية والأخذ والعطاء لحين التوصل إلى اتفاق جماعي في أكثر من ۲۰۰ اجتماع سنويًّا في مجالات مختلفة تكاد تمس جميع نواحي حياة الشعوب الإسيانية.
وما حصل في يوليو الماضي خلال اجتماع وزراء الخارجية الـ۳۱ في مانيلا كان نقطة تحول في هذا الشأن، عندما اعتبرت تايلاند سياسة «عدم التدخل» غير ملائمة للأوضاع والتحديات الجديدة وتقدم وزير خارجيتها سورين بيتساوان بمشروع يدعو إلى اعتبار بعض القضايا ذات بعد إقليمي، وليست محلية في طبيعتها بحسب أثرها، كالكوارث البيئية، وتهريب المخدرات، مؤملًا أن يكون ذلك فاتحة للحديث بشكل منفتح بين الأعضاء، وهو رأي اقترحه أنور إبراهيم وزير المالية الماليزي السابق ولعل الاتفاق في الرأي بينهما يفسر الصداقة بين سورني وأنور المستمرة حتى الآن، ودفاع الأول عن الثاني.
كذلك مما دفع تايلاند إلي اقتراح ذلك هو ما تواجهه من صعوبة التعامل مع جارتها ما ينمار، وانتهاك حكم العسكر فيها لحقوق الإنسان الذي يؤدي إلى نزوح عشرات الآلاف من اللاجئين إليها، ثم عادت القضية للحضور على الساحة الإعلامية عندما عزل أنور إبراهيم وواجه ما واجه من معاملة من قبل الحكومة ورئيس وزرائها، مما دفع الوزير التايلاندي سورين إلى القول إن أزمة أنور إبراهيم ستهدد وحدة وقوة آسيان، وهو تصريح يؤشر على تدخل سورين في شأن ماليزيا، خلافًا لما سارت عليه تقاليد الرابطة.
وما عزز موقفه هو البعد العالمي للأزمة الماليزية التي تحدث عنها رؤساء دول ومنظمات وحركات من آسيا والدول الإسلامية والعالم، وكل ذلك يصب في صالح مقترح الوزير سورين يكرر سلوكه «التدخلي».
أسباب ثلاثة
ولهذا يمكن القول إن آسيان تستحق أن تعيد بناء هيكلها من جديد لأسباب ثلاثة:
أولًا: إن مشروع تايلاند «المشاركة المرنة» هو بديل مناسب في مواجهة التغير الحالي في المنطقة والعالم، بالإضافة إلى أن سياسات آسيا الحالية تجعلها عاجزة عن مواجهة الأزمة المالية وحلها جذريًّا، كما أن مسؤولي آسيان يعرفون كيف أن الأزمة التي بدأت في تايلاند حطمت أحلامهم بعد أشهر، وكيف أن الاضطرابات الأندونيسية كان لها أثر في الحياة السياسية لدول مجاورة لها؟
ثانيًا: إن حساسية «فردية القيادة» في جو تعتمد فيه كل دولة على الأخرى في تسيير شؤون حياتها لابد من أن تنخفض مادامت آسيان منظمة
إقليمية تجمع ٥٠٠ مليون نسمة، وتسعى نحو تلبية حاجات هؤلاء الملايين وليس مصالح انفرادية لدول أو أنظمة معينة.
ولعل الرئيس حبيبي قد سجل هدفًا لصالح الدبلوماسية الأندونيسية عندما رد بصورة إيجابية خلال قمة إيبك في الشهر الماضي على أسئلة الصحفيين بشأن الاضطرابات في بلاده، مما دفع المجتمع الدولي في حينها إلى مدحه مع بعض التحفظات.
ثالثًا: إن سياسة عدم التدخل في شؤون الآخرين قد تستخدم لكنس بعض القضايا، وقذف غبارها تحت سجاد قاعات الاجتماعات، وأبرز ما في هذه القائمة المعاملة السيئة للأقليات المسلمة والنصرانية في ماينمار «بورما سابقًا»، والأقلية المسلمة في الفليبين، والنزاعات الداخلية لأندونيسيا، والأزمة السياسية في ماليزيا وغيرها.
السحر: هل يدوم؟
عندما تأسست آسيان استطاع قادتها -كما يصف ذلك باحث سنغافوري- أن يجمعوا دولًا شتى لا تجمعها لغة ولا دين ولا ثقافة ولا عرق ولا تاريخ ولا جغرافيا واحدة، ومع ذلك اجتمعوا «بفضل سحر آسياني»، ولكن هل يدوم هذا السحر؟ -إذا صح التعبير المستعار- اليوم وبعد ۱۷ شهرًا من بداية الأزمة، ما زالت دول آسيان تبحر في بحر المصاعب مستنكرة على من ينتقدها من الخارج في شؤون ديمقراطياتها، وحقوق إنسانها، وبيئتها، ومهاجريها، إلخ.
لقد حققت دول آسيان من خلال رابطتها خلال الواحد والثلاثين عامًا الماضية الأمن والاستقرار في المنطقة، ومن ذلك حفظ المنطقة من السقوط في صراعات إقليمية، وكذلك حسم النزاع على ولاية صباح بين ماليزيا والفليبين، ثم أدخلت فيتنام في مجتمعها وساعدتها على الاندماج في الاقتصاد العالمي، وكان لها أثر مباشر وغير مباشر في إنهاء حرب كمبوديا، ثم بدأت في السير قدمًا في خطوات جادة بمجالات تعاون اقتصادي، وقريبًا يترقب الأسيانيون تحقق حلم «منطقة آسيان للتجارة الحرة».
كذلك كان للمنظمة دور أمني إلى جانب الولايات المتحدة في المنطقة التي توجت بتأسيس «منتدى أسيان الإقليمي» الوحيد في المنطقة من نوعه، بل الوحيد في العالم، إذ يجمع قوى كبرى ومتوسطة في شرق العالم وغربه، يماثل في بعض مواصفاته الناتو في أوروبا.
ومع ذلك جاءت الأزمة لتبرز نقاط الفشل في جدول أعمال الرابطة التي مازالت عاجزة عن حل نزاع دولها مع الصين على جزر في بحر الصين الجنوبي، وإجبار القوى المالكة للسلاح النووي على توقيع اتفاق إخلاء المنطقة من الأسلحة النووية، مع أن الأعضاء العشرة قد وقعوا عليها.
وأخيرًا جاء موضوع التدخل أو عدم التدخل في شؤون الدول الأعضاء؛ ليكون آخر القضايا العالقة التي قد تبخر أحلام الدول الوردية إذا لم تعمل على السير قدمًا في التغيير أو بمعنى ثانٍ: «الإصلاح».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل