; خطوط رئيسية لبعث الأمة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان خطوط رئيسية لبعث الأمة الإسلامية

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1973

مشاهدات 6

نشر في العدد 165

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 28-أغسطس-1973

كتاب جديد

بعض الكتب الجديدة تحتاج إلى بعض كلمات الإطراء أو التشجيع، وبعض الكتب تقف منك — أو يقف مؤلفوها منك — موقفاً جاداً مثيراً، وكأنهم يريدون أن يقولوا لك: "نحن نريد رأيك أيها الصديق قبل أن نطمح إلى كلمة إطراء منك".. إنها كتب في باطنها قضية، والقضية ربما كانت قضية وجود، والإطراء لذات الإطراء هنا قد يعني شيئاً كبيراً، وإطالة الكلمة.. والوفاء للحق هما عناصر البقاء في مجال الفكر.. ولا سيما الفكر الإسلامي أجمع..

أحسست وأنا أقرأ كتاب الصديق الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق.. بشأن الصديق الكريم يفرض إطرائي.. أنه يريدني — عبر كل صفحات الكتاب — أن أقف معه موقفاً حيادياً جاداً.. إن القضية تتعلق "بخطة رئيسية لبعث الأمة الإسلامية" فهل يمكن في تناول قضية كهذه أن نتبادل المجاملات؟.. ولقد دخل الكاتب إلى موضوعه كبيراً.. أفلا يليق بنا أن نقف معه موقفاً كبيراً.. يدفع بالقضية التي يتناولها خطوة إلى الأمام، ولا يوقفها عند الخطوة التي انتهى هو إليها..

فبمجرد أن دخلت إلى موضوع هذا الكتاب من باب الحق المجرد وحده، وليكن الثناء على الصديق المؤلف وحده.. ولا دخل مباشرة في موضوع الكتاب.

يعتبر هذا الكتاب الذي نقتحم بابه اليوم حلقة في سلسلة بدأها الكاتب منذ "القضايا الكلية للاعتقاد في الكتاب والسنة"، كتاب "الحد الفاصل بين الإيمان والكفر" الذي يصدر في هذا الشهر (واعتمد عليه المؤلف في كتابه موضوع العرض).

والمؤلف.. بوجه عام، يبدأ اليوم من 60 صفحة يزيد من المائة بقليل.. وقد كانت الإشارة لعدم التقسيم إلى أبواب أو فصول بالمرة.

ومن هذا المنطلق، ووفق هذا التصور العام نبدأ عرضنا للكتاب، ومناقشتنا للمؤلف.

تنقسم الدراسة إلى أربعة أبواب ومقدمة وخاتمة... وليس ثمة توازن من ناحية الكم بين أبواب الدراسة، فبينما لا يتجاوز الباب الأول سبع صفحات تربو صفحات الباب الرابع على 60 صفحة من مجموع صفحات الكتاب التي تزيد عن المائة بقليل.. وقد كنت أوثر عدم التقسيم إلى أبواب أو فصول بالمرة.

الباب الأول من منطلق لبثنا إلى النصر، والثاني حول أسباب انتصار الأمة الإسلامية قديماً، والثالث في أسباب الفشل في الوقت الحاضر، والرابع — وهو صلب الرسالة أو هو الرسالة — عن الطريق إلى بعث الأمة الإسلامية.

وينقسم الباب الرابع الذي يشكل صلب الرسالة إلى ثلاثة فصول — كما ذكر المؤلف (ص 39).. بيد أن الموجود في الرسالة تحت عنوان "فصل" ضمن هذا الباب — فصلان فقط، تتبعها أربعة موضوعات وهذا الوضع في رسم خطوط المنهج إنما جاء من محاولة الالتزام بخطة لعلها أوسع من حجم الكتاب الذي أراد المؤلف الكريم أن يضعه فيه.. وهذا يؤكد رأيي في أن العناوين المتتابعة لأمثال هذه الرسائل أولى من التقسيم إلى أبواب وفصول. وهذا من ناحية الإطار العام للكتاب..

يرى المؤلف أن منطلق أمتنا إلى النصر هو أن تعرف من هي... وبعد أن يطرح جانباً المحاولات القومية والوطنية التي يحاول سدنتها تزييف هوية الأمة العربية يصل إلى أننا "مسلمون أولاً، لأنه بالإسلام كان عزنا ومجدنا وعرب ثانياً، لأن الله اختارنا لرسالته الخالدة التي يؤهلنا بها لنكون هداة للعالمين جميعاً" (ص 18) ومنطلقنا نحو النصر بالتالي هو الإسلام.. ثم العروبة (ص 20)...

وقد انتصر المسلمون قديماً بسببين رئيسيين.. أولهما: العقيدة الدافعة لدى الفرد الذي بايع الله على الموت أو النصر، والوحدة الجامعة التي ربطت بين المسلمين جميعاً.. وأي أسباب أخرى للنصر إنما ترجع إلى هذين السببين — كما يرى المؤلف — (ص 25 - 26 - 27).

وفي تصوري أن السبب الثاني الذي ذكره المؤلف يرجع إلى السبب الأول، وهو العقيدة.. ولن تكون ثمة وحدة بين أمة دون عقيدة دافعة، كما أن هذه العقيدة من شأنها أن تخلق الاتحاد والتآلف، وما الفرقة إلا مظهر من مظاهر ضعف العقيدة الدافعة... فالعقيدة أولاً... والعقيدة ثانياً هي سبب نصر المسلمين قديماً، وهي عماد نصرهم حديثاً، ولا مجال للتفريق، يا أخي، نتحادث عن الخطوط الرئيسية...

ويبدو الفصل الثالث الذي يدور حول أسباب الفشل في الوقت الحاضر مرتبطاً أشد الارتباط بالفصل السابق... وكما يذكر المؤلف، فإن فقدان أسباب النصر.. أو سبيلي النصر — حسب تعبيره (أي العقيدة الدافعة والوحدة) سبب الفشل في الوقت الحاضر...

ويركز المؤلف على إبراز صور كثيرة للتمزق؛ ذلك لأن الخلاف والشقاق أسرع انتشاراً في النفوس من النار في الحطب (ص 32)... ويرى أن "عبد الله بن سبأ" سبب مهم من أسباب الشقاق والخلاف الذي سار في تاريخ الأمة إلى يومنا هذا، كما يرى أن المذاهب الفقهية الفرعية من بين الأسباب الكبيرة في هذه الفرقة... ويرمي الذين يقولون: "إن الخلاف في الفروع لا يضر" بالجهل، "ولقد كان من آثار ذلك -أي الخلاف في الفروع- ترك العمل بالشريعة جملة وتفصيلاً، ثم استيراد الشرائع الكافرة". وحقيقة أن هناك ناساً يسيئون إلى سماحة الشريعة الإسلامية، كما أن هناك ناساً يسيئون إلى سماحة الشريعة الإسلامية... لكن عندما يكون جسم الحضارة قوياً، وعندما تكون الحضارة مدفوعة بقوة "العقيدة الدافعة" فإن جسمها يكون قادراً على الامتصاص، وعلى الاستيعاب... وأنا لا أظن أن العصر الذي شهد ثلاثة عشر مذهباً فقهياً: الشافعي، ومالكاً، وابن حنبل، وأبا حنيفة، والليث بن سعد والحسن البصري وغيرهم... لا أظن أن هذا العصر كان عصر تفكك وانحطاط أو بداية انهيار... إنما العصر الذي وقف فيه العقل العربي عن العمل أي عن الاجتهاد... وركن إلى التقليد... وحول آراء الفقهاء إلى عقيدة، وأعطاها أكثر من حقها، وأكثر من تحديد أصحابها أنفسهم لحجمها... هذا العصر بكل أبعاده تلك -وبغيرها- هو عصر التخلف والموت... أو بداية الموت على الأقل...

إننا ندعو بالطبع لوضع ضوابط... وندعو إلى ألا يكون الباب مفتوحاً "لأمينة السعيد مثلاً، أو لغيرها من الذين لا يعرفون فرائض الوضوء من سننه... ونحن ندعو -ونلح في الدعوة- أن توضع الخلافات الفرعية في مكانها المناسب وحجمها الطبيعي، ونحن ننبذ -مع المؤلف- عصور الانحطاط التي تحول فيها أئمة المذاهب في أذهان العامة إلى قادة عقيدة... إنهم أصحاب آراء فقط... كلامهم صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيرهم خطأ يحتمل الصواب... وكلهم عند رسول الله ملتمس...

فإذا جاءت عصور انحطاط وجمود وكسل عقلي وفقر فكري ونفسي، فذهب أصحابها إلى تقديس آراء الفقهاء... وإلى تجاهل الأصول... فإن ذلك لا يصلح مسوغاً لإغلاق باب الاجتهاد، وتخطي ظروف الزمان والمكان، وصب الناس في قالب واحد، والتضييق عليهم، وتجريد الإسلام خصيصة من خصائصه الكبرى... وهي التوسعة والسماحة وملاءمة الزمان والمكان.

يعتبر الباب الرابع -كما ذكرنا- هو لب الرسالة... "فالطريق إلى بعث الأمة الإسلامية" هو قضية الكتاب الرئيسية.

ولهذا الطريق في ذهن المؤلف ثلاثة معالم: العقيدة الواحدة، والشريعة الواحدة، وبعث آداب السلوك والخلق.

أما العقيدة الواحدة فطريقها "العقيدة المنزلة التي أرسل الله بها رسوله" -عليه الصلاة والسلام- وترك أسباب الخلاف في العقيدة كقياس أمور الغيب على المشاهد... وإعمال العقل في غير مجال عمله، ومحاولة تكييف الآخرة وفقاً للدنيا.

"ولا شك أن المسلم سيفهم هذه العقيدة فهماً كاملاً إن هو قرأ كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان له حظ من فهم لغة العرب، ولم يتدنس بدنس المحاولات البشرية لفهم الغيب دون اللجوء إلى الرسل".

وأما الشريعة الواحدة -في رأي المؤلف- فهي القرآن والسنة والإجماع والقياس... مع طرح الخلافات الفقهية "غير المعقولة"... "وليس معنى هذا أنه لن يكون هناك خلاف في أمور الشريعة إطلاقاً، بل سيكون هناك خلاف، ولكنه خلاف لا بد منه في أمور محددة نستطيع ضبطها أيضاً والقضاء عليها"، "ولكن بقاء الخلاف في أمور العبادات أمر مذموم غير معقول ويجب القضاء عليه"، "ومما سيقف عقبة في سبيل الوحدة التشريعية كتب الفقه القديمة بمشاكلها وتناقضاتها"، "والقول بأن هذه الكتب سلم لمعرفة الكتاب والسنة قول باطل لا يستند إلى علم ولا خلق". "إننا نريد علماء على مستوى العصر علماً، وثقافة، وأدباً، وخلقاً، وشجاعة، وإقداماً، وفهمًا لأساليب الكيد والدس على الإسلام. ولا نريد هذا الطابور من العلماء المحنطين الذين يعيشون بأجسادهم في عصرنا؛ ولكنهم يعيشون بعقولهم وفتاواهم في غير عصورنا".

والمعلم الثالث الرئيسي من معالم بعث الأمة الإسلامية بعث آداب السلوك والخلق، فإنه "لا ينكر أحد أن أخلاق علمائنا -إلا من شاء الله منهم- وقادتنا ومفكرينا وأصحاب الأقلام منا في غاية السوء"، "نحن في حاجة إلى أخلاق... أمتنا في حاجة إلى خلق... استوردوا الأخلاق الجيدة قبل أن تستوردوا السلاح الجيد، وعلموا شعوبنا الخلق قبل الطب والهندسة وفنون الحرب والقتال". "نحن في حاجة إلى بعث خلقي كامل من الرأس إلى القدم... من السيد إلى الخادم".

"يجب أن نطالب بوضع قانون أخلاقي كامل يقدر العقوبة على إساءة الخلق، من سب الرب إلى البصق في الشارع".

في الصفحات التالية -الأخيرة- من الكتاب يحدد الكاتب موقفه -أو رأيه- من ثلاث نقاط، أولاها: من هم أعداؤنا... وفي رأيه أنهم الشيوعيون الملحدون والنصارى المتعصبون ضد الإسلام، واليهود المحاربون، وطوابير المنافقين المنبثين في صفوفنا، والوثنيون المحاربون للإسلام "كالهند مثلاً".

والنقطة الثانية التي حدد الكاتب رأيه فيها تتعلق بحجم قوتنا... من موقع ممتاز، وأرض، ورجال، وأموال، وأنهار... وما علينا إلا أن نبعث الروح كي ينتفض هذا الجسم الخامل عملاقاً".

والنقطة الأخيرة التي تناولها الكاتب هي... من أين نبدأ وكيف نبدأ؟ وهو يرى -ونحن معه- "أن الإصلاح يجب أن يكون دعوة عامة تسري في الأمة جميعها سريان الدم من القلب في جميع الأعضاء لتحيا الأمة كلها".

والبدء بناحية واحدة لن يؤدي إلى النتيجة المرجوة... والبدء لن يكون بتحرير فلسطين؛ لأن ذلك مستحيل... فتحرير فلسطين نتيجة... ولا يصلح سبباً لبعث الأمة.

والبدء لن يكون بمنظمة فدائية؛ بل ببعث كامل عام، وما وصل إليه حال المنظمات الفدائية أكبر دليل على ذلك.

"وأخيراً، إن الدعوة لبعث الأمة وإحيائها يجب أن تكون في كل نواحي حياتها، وأن نقطة البداية يحددها الموقع الذي يكون فيه المسلم، والذي يملك الشمول هم الحكام -هداهم الله- ولا يجوز بتاتاً أن يهدم مسلم عمل آخر، بل يجب أن يتم البناء في جميع النواحي دون هدم من بعضنا البعض".

وبعد: فهذه محاولة جادة وهادفة بذلها المؤلف الصديق... والنقد البناء لا ينقص من الروح المخلصة التي يحس بها المرء في كل سطور الكتاب... وهي دراسة -على إيجازها- يجب أن تُقرأ، وأن تُقرأ بعناية، وسواء اختلفنا في بعض الجزئيات أو اتفقنا في جميع جوانب الطريق، فإننا مطالبون -وجوباً عينياً- بالبحث عن "الخطوط الرئيسية لبعث الأمة الإسلامية"... ومطالبون -بعد ذلك- بالسير العملي نحو تطبيقها... ودعوة الناس إليها.

أبو سمية

 

الرابط المختصر :