العنوان (مصر)خفايا وأسرار مؤتمر «الحوار الوطني»
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1994
مشاهدات 79
نشر في العدد 1108
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 19-يوليو-1994
- تهديدات سياسية وإغراءات مادية للتوقيع على توصيات هزيلة
- المؤتمر يهدف إلى فرض المزيد من الحصار على الحركة الإسلامية في الانتخابات القادمة
في أسبوعين فقط أنهى مؤتمر الحوار الوطني أو مؤتمر الحزب الوطني أعماله في القاهرة وانفض المولد، وانتهت الزفة وسط دهشة الكثيرين من المراقبين والمتابعين وبعض المتفائلين للسرعة التي جرت بها وقائعه، بينما المناقشات لم تكتمل، ولم يفسح المجال أمام الآراء المختلفة وتفاعلاتها، وكان الحرص من قيادة المؤتمر على سرعة التوصل إلى صيغة عامة تضم «توصيات» وليس «قرارات» تمت الموافقة عليها تحت تأثير الترغيب والترهيب، وهي الآن موضوعة في أمان على مكتب السيد الرئيس تنتظر الوقت المناسب والظروف الملائمة التي يراها السيد الرئيس لإقرارها، حسبما صرح به أحد كبار الصحفيين المقربين من الرئاسة.
ومن خلال استعراض وقائع مؤتمر الحوار الوطني وما تمخض عنه من توصيات، تأكد الجميع من رغبة الحكومة في الوصول إلى صيغة محددة، تم إعدادها والاتفاق عليها داخل أروقة الحزب الوطني، ولكن جرى إخراج هذه التوصيات عبر سيناريو رديء..!!
التوصيات جاءت مخيبة لآمال المراقبين وأهم هذه التوصيات التي حرصت الحكومة على إثبات أنها رغبة الأحزاب المشاركة في المؤتمر عودة الانتخابات بالقائمة النسبية بشكل يتفادى عدم دستوريتها، وأن تكون هذه القوائم حزبية وتترك فرصة للمستقلين، وداخل الكواليس تم الاتفاق مع بعض الأحزاب والضغط على البعض الآخر لمنع قبولها التحالف مع حركة الإخوان المسلمين وتحجيمها في الانتخابات البرلمانية القادمة لمنع فوزها، وتقليل مقاعدها، وحصارها إعلاميًا ودعائيًا، ويقول أحد المراقبين: إن الحكومة إذا نجحت في الحصول على موافقة أحزاب المعارضة المشاركة في الحوار «الوفد والناصري فقط لم يشاركا» والاطمئنان إلى ذلك، فمن الأرجح إقدامها على حل مجلس الشعب في أكتوبر القادم، والدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة تحت دعوى الاستجابة لتوصيات مؤتمر الحوار الوطني، وتكون الحكومة بذلك قد حققت هدفين الأول هو تحجيم وحصار الإخوان قانونيًا ومنعهم من القيام بدور مؤثر في الانتخابات القادمة والثاني: هو مفاجأة الأحزاب قبل أن تستعد أكثر لاختيار مرشحيها، وتحقق فرص أفضل جماهيريًا.
الهدف.. مواجهة الإخوان
ويمكن القول بلا أدنى مبالغة إن الهدف الأساسي لما سمي بالحوار الوطني، كان محاصرة الإخوان المسلمين في الانتخابات القادمة، فالمعروف أن تحالف الإخوان مع حزب الوفد عام ١٩٨٤م، أدخل تسعة من الإخوان مجلس الشعب وتحالف الإخوان مع حزب العمل عام ۱۹۸۷م أدخل ستة وثلاثين عضوًا من الإخوان إلى مجلس الشعب (أي أربعة أمثال العدد السابق» ولو جرت انتخابات جديدة فمن المتوقع أن يزداد عدد أعضاء الإخوان ربما
بنفس النسبة أي يصبح عددهم حوالي ١٤٤ نائبًا يشكلون ثلث أعضاء المجلس وهو ما تبذل السلطة كل ما في وسعها أمنيًا وسياسيًا وقانونيًا لمنعه.
الترغيب والترهيب الذي مارسته الحكومة مع أحزاب المعارضة لقبولها التوصيات وإعطائها ضمانات لعدم إتاحة الفرصة أمام الإخوان لدخول البرلمان عن طريقها، شمل التهديد بتفجير الأحزاب من الداخل عن طريق بعض قياداتها المنشقين أو المعزولين أو المستبعدين «حزب العمل كمثال»، أو التهديد بفتح ملفات الاتهامات في الذمة المالية «حزب الأحرار كمثال»، أو تصعيد النزاع على رئاسة الحزب «حزب الخضر كمثال»، بالإضافة إلى مزيد من الحصار الإعلامي والأمني والسياسي.
أما الترغيب فقد شمل تقديم دعم مالي كبير فوري أثناء انعقاد مؤتمر الحوار لجميع الأحزاب المشاركة، حسبما صرحت به لنا شخصية رفيعة المستوى ضمن قيادة حزب معارض رئيسي حصل حزبه على الدعم المالي وأيضًا أعطت الحكومة وعودًا لقادة هذه الأحزاب بإخلاء بعض الدوائر لهم خصوصًا التي يتواجد فيها رموز وقادة الحزب، بالإضافة إلى وعد آخر بتعيين رئيس الحزب، ضمن النسبة التي يعينها رئيس الجمهورية، في حالة فشله في الفوز بالمقعد.
بقية توصيات اللجنة السياسية التي رأسها أحمد فتحي سرور كانت هامشية، بعد استبعاد النظر في تعديل مواد الدستور، وهو السبب أو أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى مقاطعة حزب الوفد للمؤتمر، حيث أوصت اللجنة بضرورة امتداد فترة قيد الناخبين في الجداول الانتخابية من شهر إلى أربعة أشهر في العام، وضرورة تنقية الجداول الانتخابية وضمان نزاهة الانتخابات.... إلخ. أما بقية توصيات المؤتمر في اللجنة الاقتصادية واللجنة الاجتماعية والثقافية، فكانت توصيات عامة لا تضيف جديدًا إلى الواقع، أو لا تغير كثيرًا من الظروف القائمة.
أزمة حكومية
وقد أجرت «المجتمع» استطلاعًا للرأي بين القوى السياسية والحزبية والرموز الفكرية حول الحوار ونتائجه وتوصياته من بين المشاركين والمستبعدين والمقاطعين يقول الأستاذ فؤاد سراج الدين -رئيس حزب الوفد- الذي قاطع الحوار لم يعد هناك أي أمل من الحوار بعد أن انقلب إلى زفة يقودها الحزب الوطني ومكلمة في التوافه والهامشيات، وهكذا حكم علينا أن نبقى في هذا الظلام الدامس -ظلام الشمولية- إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ويؤكد سراج الدين على أن الإصلاح السياسي هو المدخل الصحيح والوحيد والطبيعي لأي إصلاحات تأتي بعد ذلك، وما دام المؤتمر قد أجهض مبدأ تعديل الدستور منذ البداية، فمن الطبيعي أن تكون نتائجه هزيلة. ويرى الأستاذ مصطفى مشهور –نائب المرشد العام للإخوان المسلمين – مستبعدون من الحوار-: أن استبعاد قوى لها حجمها ووزنها من الحوار وأن المؤتمر الذي كانت الغالبية الساحقة فيه للحزب الوطني، وأن جلساته مضت في إطار تؤكد العديد من الدلائل على أنه معد سلفًا، فلم يتطرق إلى موضوع إطلاق الحريات وإلغاء القوانين الاستثنائية وإعطاء الإنسان المصري كافة حقوقه في التعبير وإصدار الصحف وتشكيل الأحزاب، وتوفير الضمانات الفعالة لنزاهة الانتخابات، كل ذلك لا يمكن أن يؤدي إلى الإنجاز المطلوب أو المأمول.
الأستاذ: ضياء الدين داود –رئيس الحزب الناصري– قاطع الحوار- يؤكد أن أهداف الحوار الذي جرى هابطة، «ولم يقصد بها كما قبل وضع استراتيجية للقرن «٢١»» فليس من السياسات الاستراتيجية تعديل اختصاص المدعي الاشتراكي أو التصرف في الشركات العامة، وهذه أشياء صغيرة تختلف عن الاستراتيجيات الكبرى، وكنت أتصور ذلك قبل الدعوة إلى الحوار الوطني، وتأكد ذلك عندما قدم الحزب الوطني ورقة يطالب فيها بتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية، وكان هذا أمرًا غريبًا، وأصبح الحوار نموذجًا مكررًا من مجلس الشورى والمجالس القومية المتخصصة، وسوف تثبت الأيام موقفنا حول هذه المكلمة أو المسرحية العبثية عديمة الجدوى والأهداف.
ضعف المصداقية
الأستاذ فهمي هويدي يرى أن الحوار الوطني محكوم برؤية الحزب الحاكم، فهو الذي وضع البرنامج ووضع أسس المناقشة، وغياب الطرف الإسلامي عن الحوار، يعني أنه حوار وطني ناقص لا تمثل فيه قوى الوطن الحقيقية.
وأهم قضية غابت عن المؤتمر هي الإصلاح السياسي وتعديل الدستور، وحرية تشكيل الأحزاب وقضية الخصخصة في الاقتصاد، ومدة انتخاب رئيس الجمهورية، ويؤكد هويدي أن «مباحث أمن الدولة هي التي قامت باختيار أعضاء اللجنة التحضيرية للحوار، ووقفت وراء منع بعض القوي السياسية من المشاركة في الحوار مثل بعض الجامعات والنقابات وبالتالي أصبحت قضية المشاركة تحمل علامات استفهام كثيرة ومحل نظر الجميع... إننا الآن نجد حوارًا ضعيف المصداقية وتراجعت ثقة الناس فيه لأنه لا يمس الأولويات الأساسية التي تشغل الناس، لقد أصبحنا نحن المصريين نتعامل مع سلطة مؤيدة احتكرت كل شيء لنفسها رغم أنف الجميع».
أحزاب اللافتات
الدكتور محمد عمارة يقول: إن الحزب الحاكم حدد من يريد وما يريد في الحوار واستبعد من أراد استبعاده، وحدد للمتحاورين مناطق الحلال المباح الحوار فيها، ومناطق الحرام الممنوع الاقتراب منها، والمؤسف أن طريقة استدعاء الأعضاء إلى هذا الحوار تمت بقدر من الاستهانة يأنف منها كبار النفوس وطريقة الحوار عبرت عن طريقة مسرح العبث الذي هو عصرنا الراهن لون من اللامعقول في ظل المتغيرات الكبرى التي يشهدها العالم.
وتساءل الدكتور عمارة: لماذا استبعدت لجنة الحوار الوطني نوادي هيئات التدريس الجامعية والنقابات المهنية وهي المؤسسات التطوعية والأهلية والمدنية في المجتمع، في حين يمثل الحزب الحاكم في عضوية المؤتمر بـ ۲۳۷ عضوًا من بين ٢٧٤ هم أعضاء المؤتمر، وأغلب الباقين يمثلون أحزابًا هلامية وورقية مما تسمى أحزاب اللافتات ويقول الدكتور عمارة كان بالإمكان الحفاظ على الحوار والخروج بنتائج جادة، حتى لو وضعت تلك النتائج في سلة المهملات، ولكن يبدو أن الله سبحانه أراد فضح ما يسمونه بالشكل والمضمون معًا..