; خلافات الحكم المحلي والتقسيم الإداري بين السلطة والمعارضة | مجلة المجتمع

العنوان خلافات الحكم المحلي والتقسيم الإداري بين السلطة والمعارضة

الكاتب مالك الحمادي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1997

مشاهدات 48

نشر في العدد 1261

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 05-أغسطس-1997

  • التطورات السياسية المتلاحقة في اليمن طوت موضوع التقسيم الإداري، لكن حركة الانفصال كشفت أن استمرار الأوضاع السابقة كانت عاملًا مساعدًا لطموحاتها.
  • مناقشات مجلس النواب سيكون لها دور أساسي في الصياغة الأخيرة لقانوني التقسيم الإداري والإدارة المحلية.

استعرضنا في رسالة سابقة ملامح المرحلة الاقتصادية الراهنة التي تمر بها اليمن، وهي المرحلة التي تشهد تنفيذ المرحلة الثالثة من برنامج الإصلاح الاقتصادي ابتداء من الأول من يوليو الجاري، وتعد الأزمة الاقتصادية هي إحدى ثلاث قضايا تشغل الأوساط السياسية والشعبية في اليمن، وتحتل مكانة واسعة من النقاشات في الصحافة اليمنية.

وكنا في الرسالة السابقة قد خصصنا الحديث عن الأزمة الاقتصادية.. فيما يتركز الحديث هذا الأسبوع حول قضيتين مهمتين هما قضية التقسيم الإداري الجديد للجمهورية اليمنية، وقضية نظام الحكم المحلي، وكلاهما مرتبطتان ببعضهما، حيث يتوقع ألا يتم البدء في تطبيق الحكم المحلي إلا بعد استكمال إقرار التقسيم الإداري.

كان من أوائل القرارات التي صدرت بعد توحيد شطري اليمن قرار بتشكيل لجنة عليا تختص بالنظر في التقسيم الإداري للدولة الجديدة؛ بحيث تراعي تلافي السلبيات القائمة أصلًا وتعزيز الوحدة الوطنية، وإزالة آثار التشطير الجغرافية، واختير الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيسًا للجنة، لكنها فشلت منذ بداية أعمالها، وتجمد نشاطها بسبب الخلافات التي استحكمت بين الشيخ الأحمر وممثل الحزب الاشتراكي محسن الشرجبي.

وطوت التطورات السياسية المتلاحقة في اليمن موضوع التقسيم الإداري، لكن حركة الانفصال كشفت أن استمرار الأوضاع الإدارية السابقة كان عاملًا مساعدًا على العودة السريعة للسيطرة على الأراضي السابقة لكل شطر قبل الوحدة، ولذلك ما فتئ الانفصاليون يتعرضون لاتهامات بأنهم حرصوا على إبقاء الأوضاع السابقة؛ ليسهل عليهم العودة عن الوحدة.

وبعد انتهاء حرب ١٩٩٤ م كان– أيضًا– من أوائل القرارات إعادة تشكيل اللجنة العليا للتقسيم الإداري برئاسة القاضي عبد الكريم العرشي، وهي اللجنة التي واصلت أعمالها بدون عراقيل بعد زوال نفوذ الحزب الاشتراكي، وتوصلت إلى مشروع جديد للتقسيم الإداري هو الذي يفتح- الآن– أبوابًا للنقاشات وربما المهاترات.

 

خاصية للوسط السياسي

ولعله من المناسب الإشارة إلى أن هناك خاصية للوسط السياسي اليمني ظهرت بعد الحرب، وهي أن طرفي اللعبة السياسية السلطة والمعارضة، لا يلتزم كثير من أعضائهما بالموضوعية في تناول القضايا المختلف عليها إلا فيما ندر، ولذلك فكل قضية تتحول إلى مجال للاتهامات والتشكيك في حقيقة المواقف المعلنة لكل طرف.

 وفي موضوع التقسيم الإداري لليمن، فإن الطرف المعارض للمشروع يضعه في خانة تصفية الحسابات السياسية التي يقوم بها المنتصرون في حرب ١٩٩٤م ضد المنهزمين، ولا يتردد عدد من أنصار المعارضين في اتهام السلطة بأنها تسعى من خلال مشروع التقسيم الإداري لمعاقبة محافظات بعينها، ويستدلون على ذلك بأن تقسيم «حضرموت» إلى محافظتين يدخل في هذا الإطار، بحكم أن أبرز قيادات حركة الانفصال تنتمي لحضرموت.

 وعلى الرغم من أن هناك محافظات أخرى قسمها المشروع إلى محافظتين تحقيقًا لمصلحة رآها المشرع، إلا أن الاهتمامات كلها مركزة على ما يتصل بحضرموت، التي وجدت من الأحزاب والصحف من يصف تقسميها إلى محافظتين بأنه مؤامرة ضد أبنائها وانتقام منهم، ويذلك طغى الجدال حول جزئية حضرموت على نقاط أخرى، فمحافظتا صنعاء والحديدة تم استحداث محافظتين جديدتين منهما، وفصل مناطق شاسعة لحساب محافظات أخرى، ومع ذلك فلم يثر الأمر مشكلة- على الأقل حتى الآن- باعتبار أن مشروع القانون لم يدخل إلى مجلس النواب لإقراره بصورة نهائية.

والحق أنه فيما يتعلق بحضرموت فموضوعها مطروح منذ سنوات طويلة، بل كشف أحد المسؤولين في المحافظة أن فكرة تقسيمها تعود إلى عام ١٩٦٧م، لولا أن السلطة الجديدة التي تسلمت الحكم بعد رحيل الاستعمار البريطاني تخوفت من هذه الفكرة، باعتبار أن المواطنين سوف يعدون أن المحافظتين الجديدتين هما استمرار- بشكل أو بآخر- للسلطتين اللتين كانتا قائمتين قبل الاستقلال، والشاهد هنا أن فكرة تقسيم المحافظة ليست وليدة حرب ١٩٩٤م كما يقول المعارضون، فمساحة حضرموت الكبيرة- ٢٩% من مساحة اليمن- جعلت من مواطني القسم الشمالي منها يطالبون بجعله محافظة مستقلة تسهيلًا لحياة المواطنين، حيث تبلغ المسافة بين بعض المناطق مئات الكيلومترات.

 

جدال حول حضرموت

ومع طغيان الجدال حول حضرموت، فإن سلبيات المشروع الأخرى فقدت الاهتمام، وينذر الموضوع بتحوله إلى خلاف سياسي، إذ يلاحظ أن المعارضين بقوة للتقسيم هم الذين تعاطفوا مع حركة الانفصال الفاشلة، وهم الذين يثيرون القضية شعبيًّا وإعلاميًّا على هذه الطريقة، ويحاولون صبغ الخلاف بصورة تجعله استمرارًا للخلاف الكبير قبل الحرب، ومع ذلك فيمكن القول إن هناك اختلافًا في جميع الأحزاب حول هذه المسالة، لكن بعيدًا عن الصبغة السياسية المذكورة.

ومن جهتها فإن السلطة مقتنعة بأن المعارضة لتقسيم حضرموت إلى محافظتين غير مفهومة أو غير مبررة، فهناك رأي قوي داخل حضرموت مقتنع بالأمر، ولا سيما من مواطني حضرموت الوادي، ولذلك فإن صنعاء مقتنعة- لأسباب كثيرة- أن هذه المعارضة تخفي وراءها أحلامًا بعيدة في أن تكون حضرموت -يومًا ما- دولة مستقلة، وأن الانفصاليين هم الذين يتبنون هذا الموقف للاستفادة منه في حركتهم الإعلامية وتأكيد مقولتهم بأن الشمال لا يثق بالجنوب، ولذلك يسعى للسيطرة عليه بأي وسيلة، ومن بينها التقسيم الإداري.

وهكذا يتحول أمر فني مثل التقسيم الإداري إلى خلاف سياسي، يتخوف كثيرون أن يترك في النفوس آثاره الضارة، ولذلك فإن هناك أغلبية ما تزال صامتة تدعو الطرفين إلى مراجعة مواقفهما، وعدم الانجرار وراء أوهام فكرة المؤامرة؛ حتى يمكن تحقيق المصلحة لليمن مهما تكن المشاريع، بل إن بعض أعضاء هذا التيار حبذوا فكرة استفتاء مواطني المناطق التي ضمت إلى محافظات أخرى، أو تلك التي تشكلت منها محافظات جديدة باعتبار أنهم أصحاب المصلحة الأولى في هذا الأمر.

 

نظام المحليات.. حكم أم إدارة؟

يرتبط التقسيم الإداري الجديد لليمن بقانون آخر هو نظام الحكم المحلي، وهو قضية ثالثة تثير التباينات بين الأطراف السياسية اليمنية، بل ربما تكون الاختلافات في هذه القضية أكثر عمقًا من مثيلتها في مشروع قانون التقسيم الإداري، فإن كان الاختلاف الرئيسي في قانون التقسيم الإداري يكاد يقتصر على موضوع حضرموت؛ فإن الاختلافات بشأن نظام المحليات يشمل المصطلح نفسه، وبعض التطبيقات المترتبة عليه، مثل: آلية تولي المستويات العليا في أجهزة الوحدات الإدارية وبالتحديد «المحافظ» و«مدیر الناحية».

وقبل الدخول في استعراض وجهات نظر القوى السياسية اليمنية بشأن نظام المحليات، لا بد من العودة إلى أصول الاختلافات على سبيل مزيد من الفهم، ففي أثناء احتدام الأزمة السياسية في اليمن في عامي ۱۹۹۳- ١٩٩٤م طرح الاشتراكيون من ضمن شروطهم لإنهاء الأزمة تطبيق نظام حكم محلي كامل الاختصاصات والصلاحيات، وهو أمر كان حزب المؤتمر يتحفظ بقوة عليه؛ لأن الاشتراكيين سعوا من خلال طرح الفكرة إلى نوع من الالتفاف على الأغلبية التي حصل عليها «المؤتمر» في انتخابات ۱۹۹۳م.

وبالتالي تفتيت السلطة المتركزة في أيدي المؤتمر، وبخاصة أن الاشتراكيين كانوا يسيطرون بالفعل على ست محافظات كاملة، ويتمتعون بنفوذ لا ينكر في محافظات أخرى، وفي المقابل فإن المؤتمرين اعتبروا الأمر سابقاً لأوانه، وأن خطورة ما تهدد الوحدة بالنظر إلى حداثة عمرها، فالحكم المحلي الكامل سيعمل على تأجيج النعرات المناطقية بقوة، ويقوي الانتماء إلى وحدات أصغر، وعندما طرح مسؤولون اشتراكيون بارزون- في ذروة الأزمة السياسية- الفيدرالية والكونفدرالية كبديل للوحدة الاندماجية القائمة أصلًا تعززت مخاوف «المؤتمر» وأنصاره من الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه الاشتراكيون، بل تطرف بعض أنصار المؤتمر من الأحزاب الصغيرة، وطرح تطبيق نظام «الكانتونات» المعمول به في سويسرا.

|ومن نافلة القول أن نضيف أن

حركة الانفصال- صيف ١٩٩٤م- قد عززت مخاوف المتحفظين على نوعية نظام المحليات ومداه، بل وجعلت من أهم الترتيبات بعد هزيمة الانفصال هو إزالة آثار التشطير جغرافيًّا، بينما صار مفهوم المحليات قاصرًا على اللا مركزية المالية والإدارية فقط.

ويتركز الاختلاف القائم حول مفهوم مصطلح النظام المحلي المطلوب تطبيقه، ثم آلية انتخاب المستويات العليا لأجهزة الوحدات الإدارية.

وبالنسبة للمسألة الأولى فإن عددًا من الأحزاب مثل الاشتراكي وأنصاره يطالبون بنظام حكم محلي كامل الصلاحيات، وبكل ما يقتضيه الحال، فبينما يرى المؤتمر الشعبي- وهو الحزب الحاكم- أن يكون الأمر مقتصرًا على صلاحيات مالية وإدارية كاملة، أما التيار الإسلامي المتمثل بالتجمع اليمني للإصلاح، فإن الآراء التي عبر عنها عدد من قياداته تشير إلى أن الإصلاح يفضل ان تكون المرحلة الأولى مقتصرة على اللا مركزية المالية والإدارية، أما البعد السياسي فيرون أنه يمكن تأجيله حتى تترسخ التجربة أولًا؛ لأن ضعف الدولة المركزية القائمة الآن قد تكون انعكاساته سلبية، لكن بصفة عامة لا يبدو الإسلاميون رافضين للحكم المحلي على المدى البعيد.

 

نقطة الخلاف الثانية

أما نقطة الخلاف الأساسية الثانية فتتعلق بآلية انتخاب القيادات الإدارية العليا، فالذين يطالبون بنظام الحكم المحلي الكامل يرون بأن من أهم أسس هذا النظام انتخاب المحافظين مباشرة، وكذلك انتخاب مدراء النواحي، بينما يرى الطرف الثاني بأن يكون الانتخاب مقتصرًا على المجلس المحلي التنفيذي، أما المحافظون فيختارون عبر التعيين، وبالطبع فإن هناك رأيًا وسطًا يحظى بتعاطف الإسلاميين، يدعو إلى أن يقتصر التعيين في الدورة الأولى، ثم بعد ذلك يكون الاختيار عبر الانتخاب المباشر.

أما القانون الذي يتوقع مناقشته في مجلس النواب اليمني فإنه يعتمد وجهة نظر المؤتمر في تعيين المحافظين، رغم أنه كان مطروحًا أن يتم اختيار المحافظ من بين 3 مرشحين منتخبين، لكن يبدو أن الاقتراح قد تم تجاوزه في هذه المرحلة.

ولأن هذه المرحلة لم يتم فيها طرح المشروعين علانية للنقاش، ولذلك يتوقع أن يشتد الجدال حول مشروعي قانوني التقسيم الإداري والإدارة المحلية بعد إحالتهما إلى مجلس النواب لإقرارهما، وبخاصة أن مناقشات مجلس النواب تذاع عبر التلفاز اليمني، وتحظى القوانين الحساسة بمتابعة شعبية كبيرة، وتعيرها الصحافة- كذلك- اهتمامًا خاصًّا.

ولاشك أن مناقشات مجلس النواب سوف يكون لها دور في التشكيل الأخير للقانونين، رغم تمتع حزب المؤتمر بأغلبية ساحقة تمكنه من إقرار ما يريد، لكن العادة اليمنية تحرص على أن يكون هناك شبه إجماع سياسي في القضايا الهامة، ولو أدى ذلك إلى إحداث تنازلات في بعض مواد القانونين.

الرابط المختصر :