; خلفيات الموقف الفرنسي من التعويضات الليبية | مجلة المجتمع

العنوان خلفيات الموقف الفرنسي من التعويضات الليبية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003

مشاهدات 72

نشر في العدد 1569

نشر في الصفحة 43

السبت 20-سبتمبر-2003

المتأمل في الجدل القائم بشأن القضية التي أثارتها فرنسا حول التفاوت الكبير في التعويضات الليبية لأهالي ضحايا الطائرتين اللتين انفجرتا فوق تشاد ولوكيربي، وتهديدها -الذي لم تنفذه -باستعمال حق النقض لمنع رفع العقوبات عن ليبيا، يصعب أن يقتنع بان الإصرار الفرنسي على العدل في التعامل مع ضحايا الحادثين محكوم بخلفيات إنسانية حقوقية، إذ يبدو أن الموقف الفرنسي يتضمن رسالتين موجهتين إلى كل من الرأي العام في الداخل والخارج:

تداعيات موجة الحر: فعلى المستوى الداخلي، فإنّ الحكومة اليمينية الحالية تمرّ بصعوبات سياسية، بعد اتهامها بالتقصير في اتخاذ الإجراءات الضرورية وفي الوقت المناسب، تفاديًا لوفاة نسبة كبيرة من كبار السنُ، نتيجة موجة الحر الشديد التي اجتاحت فرنسا في أغسطس الماضي. وفي كل يوم، يكتشف الرأي العام أن هذه النسبة تفوق بكثير ما أُعلن عنه في بداية الأيام الأولى من اشتداد الحرارة. ويدور الحديث اليوم عن وفاة سبعة آلاف من الشيوخ والعجائز، من الذين كانوا يسكنون وحدهم أو في مأوي العجزة. والرقم قابل للزيادة بعد عودة الناس من الإجازة الصيفية واحتمال اكتشاف جثث أخرى لكبار السن من الجيران. ورغم استقالة المدير العام للصحة، بعد أن وجه إليه وزير الصحة جون فرانسوا ماتيي نقدًا غير مباشر، بعدم تقديم المعطيات المناسبة حول انعكاسات موجة الحر على الصحة العامة، فإن هذا الملف لم يغلق، بل هو مرشّح ليتطوّر بعد أن تحوّل إلى قضية سياسية استغلتها المعارضة اليسارية. وينتظر أن «تسقط رؤوس» أخرى، وتتجه الأنظار إلى وزير الصحة نفسه، ومدى تأثير هذه الأزمة على مستقبله السياسي، وقد بدأت الانتقادات تزيد حول برنامجه المتعلق بإصلاح «صندوق الضمان الاجتماعي» المشرف على التعويضات المالية الصحية. وتمر هذه المصلحة بأزمة مالية خانقة من بين أسبابها ارتفاع نسبة المتقاعدين وكبار السن والعاطلين عن العمل وما نتج عنه من تقلص واردات الصندوق التي تعتمد أساسًا على المبالغ المقتطعة من رواتب العاملين، مقابل ارتفاع مصاريفه لصالح شريحة كبار السن التي تشهد زيادة مطردة، حيث تشير الإحصائيات إلى زيادة بنسبة ٥٠٪ من هنا إلى سنة ۲۰۱٠ لدى من يتجاوزون ٨٥ سنة «يبلغ عددهم حاليًا مليونًا ومائة ألف».

سنة سياسية ساخنة

وعلاوة على الملف الصحي، فإن الحكومة الفرنسية مقبلة على سنة سياسية ساخنة ستشهد انتخابات بلدية في مارس ٢٠٠٤ و انتخابات أوروبية في يونيو الذي يليه وهناك تخوّف من عودة المعارضة بقوة مستفيدة من بعض الأخطاء في التسيير أو من ملفات دقيقة مثل تمثيل المسلمين والجدل حول الحجاب والعلمانية، وملف كورسيكا والعنف، وملف التقاعد، وملف التعليم بعد الإضرابات المتواصلة التي شهدها هذا القطاع خلال السنة الماضية، وملف العاملين بالتناوب في القطاع الفني وما ترتب عنه من إلغاء العروض مسرحية ومهرجانات موسيقية خلال هذا الصيف، وملف الفلاحين الذين يطالبون بالتعويض عما أصابهم جراء الجفاف والحرُ، في الوقت الذي تتهيأ فيه الحكومة لتقديم ميزانية ٢٠٠٤ في ظل ركود اقتصادي، مع الأخذ بالاعتبار «متطلبات ميثاق الاستقرار الأوروبي» وعدم الرفع في الضرائب.

ولعل تخوّف الحكومة يأتي أكثر من أقصى اليمين الذي أثبت في مناسبات انتخابية سابقة أنه قادر على أن يحدث مفاجآت كادت تقلب موازين القوى. أمام هذا الوضع الداخلي المتحرّك والساخن، فإن الحكومة لا تريد -فيما يتعلق بالموقف إزاء ليبيا -أن تترك الانطباع لدى الرأي العام بأنها كانت ليّنة ومتساهلة مع طرف «متهم بالإرهاب». والقبول بحقوق أقل في مسألة تعويض ضحايا تفجير الطائرة الفرنسية، إلى جانب أن البعد الإنساني في الموقف يمكن أن يوظف انتخابيًّا.

أما الرسالة الموجهة للرأي العام الخارجي فإنها تتلخص في كون فرنسا تريد أن تثبت للعالم أنها قوة يحسب لها حسابها، وتبقى ممسكة بالطرف الآخر للعصا في سلطة القرار في العالم، مادامت عضوًا في مجلس الأمن ويمكنها استخدام حق النقض. وتبقى الخلفية وراء مثل هذا الموقف تتمثل في البحث عن توازن عالمي وتعددية قطبية تضع حدًّا للأحادية القطبية والهيمنة الأمريكية السائدتين اليوم، عن طريق إيجاد أقطاب أخرى على رأسها القطب الأوروبي الذي تسعى فرنسا لقيادته.

ولعل ما حصل في العراق من تجاوز أمريكي -بريطاني لقرارات الأمم المتحدة، ولبقية أعضاء مجلس الأمن، آثار حفيظة فرنسا إزاء التعنت الأمريكي. ولم تتعافَ العلاقات الفرنسية -الأمريكية من آثار هذه الأزمة. 

فقد صرّح كولن باول وزير الخارجية الأمريكي في أحد الحوارات، بأن «القول بأن فرنسا تسعى لكي تمثل القطب الآخر من نظام متعدد الأقطاب قد يكون فيه مبالغة في قدرات السياسة الخارجية الفرنسية».

وفي حوار مع إذاعة «فرانسانتار» بتاريخ ٢٤ يوليو الماضي، جاء ردُّ وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دي فيلبان: «هناك من يسعى لكي يتحول مصطلح تعددية الأقطاب إلى معركة لغوية دالة على قيام أقطاب متنافسة ومتخاصمة يرغبون في إظهارها على هذا النحو، وهذا ما أشار إليه رئيس الوزراء البريطاني. لم يكن لدى فرنسا في أي من الأوقات فيما يخص مصطلح تعددية الأقطاب تصور كهذا. لدينا قناعة بأن هناك أقطابًا كبيرة قائمة في العالم: القطب الروسي، والقطب الصيني والقطب الأوروبي، وهناك في أمريكا اللاتينية دول كبرى أيضًا، كالبرازيل والمكسيك اللذين تنظمان صفوفهما. إنه واقع اقتصادي وكذلك واقع أصبح بالإمكان استشفافه على الصعيد السياسي إنها ضرورة لازمة من أجل استقرار العالم.. وإذا ما قام كل من هذه الأقطاب بتنظيم نفسه وتولي مسؤولياته في إطار علاقة تكاملية مع الأقطاب الأخرى، فإن العالم سيكون أكثر أمانًا واستقرارًا. لدى فرنسا قناعة بأن العالم بات يواجه وضعًا صعبًا للغاية، هذا ما ينطوي عليه الإرهاب من تهديد والانتشار النووي من مخاطر. وأنه لا يمكن لدولة واحدة أن تقيم السلام بمفردها -وهذا ما نراه في العراق -وبأن دولة واحدة لا يمكن أن تحافظ بمفردها على أمن العالم، وهذا ما نراه في مجمل المناطق التي تنشب فيها الأزمات، وقد وجدت باريس -في ملف التعويضات لضحايا الطائرتين -فرصتها في ردّ الفعل وتسجيل موقفها وإثبات إرادتها السياسية.

اختراق من البوابة الليبية

ثم إن فرنسا تدرك أبعاد التقارب الليبي مع كل من الولايات المتحدة وبريطانيا. ذلك أن رفع العقوبات عن طرابلس يعني بالضرورة استفادة أمريكية بريطانية من فرص الاستثمار الواسعة والواعدة في ليبيا في مجال الطاقة وغيرها. علاوة على ما يصحب هذا الحضور الاقتصادي من تأثير سياسي منافس لفرنسا في المنطقة المغاربية التي تمثل لها مجالًا حيويًا استراتيجيًا. ذلك أن الاختراق الأمريكي لهذه المنطقة من البوابة الليبية يمثل قاعدة، توسع واشنطن من خلالها نفوذها وتزيد من ضغوطها في كل الاتجاهات: شرقًا في اتجاه مصر والسودان، وغربًا في اتجاه بقية البلدان المغاربية، وجنوبًا في اتجاه إفريقيا. وكل هذه الفضاءات السياسية تشهد تقلبات وهزات وحروبًا وصراعات وأزمات، تحاول القوى الكبرى كل من جهتها توجيه رياح التغيير فيها نحو الوجهة التي تخدم مصالحها.

الرابط المختصر :